فؤاد ابو حجلة
"مجزرة الأقصى هي ثمن أو جزء من ثمن الصمود الفلسطيني في كامب ديفيد وما بعدها".. هكذا يرى قيادي فلسطيني رفيع ما جرى في ساحة الحرم القدسي الشريف ظهر اليوم.
الفلسطينيون إذن يدفعون بالدم ثمنا أمنيا لموقف سياسي غير مرض لإسرائيل والولايات المتحدة وأصدقائهما في المنطقة.. وهذه ليست سابقة في تاريخ الاشتباك السياسي الذي يستدعي التفجير الأمني لتحقيق التبريد السياسي في اللحظات الحرجة، ولم تعرف إسرائيل في كل تاريخ الصراع لحظة أكثر حرجا من هذه اللحظة التي تجد فيها نفسها أمام طرف فلسطيني يتمسك بما أعلنه من ثوابت، ويجيد المناورة السياسية التي تبقي الأبواب نصف مفتوحة أمام كل الاحتمالات ، ومنها احتمال فرض التغيير الداخلي في إسرائيل وتهديد المعادلة الداخلية، بكل ما يعنيه ذلك من تبعات سياسية وأمنية خطيرة، يدركها رئيس الحكومة الإسرائيلية ايهود باراك ويحاول تجاوزها بتفجير الوضع الأمني، وخلق دراما مؤثرة قادرة على جذب أنظار الإسرائيليين وتعاطفهم مع الحكومة العائدة من كامب ديفيد بهزيمة سياسية لا تستطيع التعتيم عليها أو التقليل من شأنها .
لقد أدركت إسرائيل أنها خسرت جولة مهمة في معركة الحسم السياسي لقضية القدس، فرغم التغير الكبير في الخطاب السياسي الإسرائيلي بشأن المدينة المقدسة، ورغم الاعتراف الإسرائيلي بحق الفلسطينيين في التواجد السياسي بالمدينة، وهو اعتراف غير مسبوق منذ احتلال شرقي المدينة في الاجتياح الإسرائيلي في حزيران عام 1967 ، لم يتزحزح الموقف الفلسطيني عن القناعة بحتمية عودة القدس للسيادة الفلسطينية كعاصمة للدولة العتيدة، وقد فاجأ صمود الرئيس ياسر عرفات وتمسكه بهذا الثابت الفلسطيني كلا من إسرائيل والولايات المتحدة بعد رهان الدولتين على انتزاع تنازل فلسطيني عن القدس في كامب ديفيد، وهذا ما استوجب، من وجهة النظر الإسرائيلية تفجير الوضع الأمني في المدينة من أجل إعادة فتح ملف التفاوض حولها ضمن شروط جديدة، أو إغلاق ملفها مؤقتا، ودفع الفلسطينيين إلى القبول بتوقيع حل شبه نهائي يؤجل قضية القدس إلى ما شاء الله ..
لذا، جاء التصعيد الإسرائيلي الأخير، الذي بدأ بمساعدة باراك وحمايته للزيارة الاستفزازية التي قام بها للحرم القدسي زعيم المعارضة اليمينية الإسرائيلية آريل شارون، الذي يعتبره الفلسطينيون مجرم حرب بسبب مسؤوليته المثبتة في مجازر صبرا وشاتيلا في لبنان خلال الاجتياح الإسرائيلي عام 1982. وقد تدخلت قوات كبيرة من الجيش وما يسمى بحرس الحدود لحماية ومراقة شارون في هذه الزيارة الاستفزازية رغم خضوع هذه القوات نظريا لإمرة رئيس الحكومة، مما يوحي برغبة باراك في التصعيد، ولو اضطر لامتطاء الحصان الليكودي للوصول إلى هدفه.
وهناك أيضا ما يشي بوجود قرار حكومي بالمجزرة، فقد دفعت حكومة باراك بأكثر من ألفي عسكري إسرائيلي إلى منطقة الحرم الشريف في استعراض استفزازي بالغ التأثير بعد يوم واحد فقط من زيارة شارون وما رافقها من مواجهات كانت الدماء المسفوحة فيها ما تزال ساخنة على أرض باحة الحرم، مثلما كانت الدماء ساخنة في عروق الفلسطينيين القادمين إلى الأقصى لأداء فريضة الجمعة.
ويبدو من سياق الأحداث أن السلطة الوطنية الفلسطينية كانت تتوقع حدوث المجزرة، بدليل جاهزية فرق الإسعاف والمستشفيات الفلسطينية في القدس وحولها للتعامل السريع مع حالات الإصابة الكثيرة. لكن هذه السلطة لا تملك إمكانات الحيلولة دون وقوع المجزرة بقرار إسرائيلي وصمت عربي واسلامي مألوف للفلسطينيين منذ ما قبل صبرا وشاتيلا.
ومن الملاحظات التي ترجح وجود قرار إسرائيلي مسبق بافتعال مواجهة تقود إلى مذبحة، وجود عدد كبير من القناصة في صفوف القوات الإسرائيلية التي اقتحمت ساحة الأقصى، وقد أدت مشاركة هؤلاء في المواجهة إلى وقوع إصابات كثيرة بالرصاص الحي والمطاطي الذي تركز على عيون الفلسطينيين تحديدا.
لكن أهم ما يشي بوجود القرار الإسرائيلي تمثل في ما أعلنه باراك في المؤتمر الصحفي الذي عقده اليوم، وهدد فيه باعتبار الإبكار المطروحة في كامب ديفيد لاغية إذا وصلت المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية الحالية إلى طريق مسدود، وقد زاد باراك على ذلك بالتهديد بتشكيل حكومة طوارئ إسرائيلية في حال فشل المفاوضات، وهو الفشل المتوقع بسبب رفض الفلسطينيين التنازل عن حقهم السياسي والتاريخي والديني في القدس.
وهناك من يقول بأن للولايات المتحدة يد فيما جرى اليوم في الأقصى، أو أنها على علم مسبق بقرار المجزرة. ويستعيد أصحاب هذا الرأي مواقف المبعوث الأميركي إلى لبنان عام 1982 فيليب حبيب الذي كان يطلب من شارون زيادة حدة القصف الإسرائيلي لمناطق الوجود الفلسطيني لكي تضطر القيادة الفلسطينية لتقديم التنازل المطلوب أميركيا وإسرائيليا.
ومهما يكن من أمر القرار الإسرائيلي، فإن الواضح أن الموقف الفلسطيني لا يتغير بمجزرة ، وأن الورقة التفاوضية الفلسطينية تصبح أثمن وأكثر أهمية حين تكون مبللة بالدم، وأن التنازل عن القدس وهم لا يوجد خارج رؤوس الإسرائيليين. لذلك يبقى الاشتعال منذرا بحريق كبير ، ويبقى الفلسطينيون يناورون بين درب السد الإسرائيلي ودرب الصد العربي، ويقفون على أول طريق الحريق في مواجهة إسرائيل، لكي يتجنبوا درب الغريق الذي ترسمه الرسميات العربية للخطوة الفلسطينية.
وإذا صدق المثل فإن الفرج سيتبع الضيق .. والفرج الفلسطيني لا يتجسد بأكثر من رفع العلم على أسوار القدس .. هل هو حلم ؟ ربما يكون كذلك، لكن كل إنجازات التاريخ كانت أحلاما.
