البوابة- ايـاد خليفة
اعتبر الشيخ محفوظ نحناح رئيس حركة مجتمع السلم في الجزائر أن ما يجري في البلاد ما هو إلا نتيجة الانسداد السياسي والتفرد باتخاذ القرار على حد تعبيره.
وقال الشيخ نحناح لـ "البوابة" إن ملامح الانفجار كانت واضحة وقد استغلتها أطراف حاقدة على البلاد والشعب الذي نبذها في أكثر من مناسبة.
واستنكر الشيخ نحناح تدخل المؤسسة العسكرية بالشؤون المدنية والسياسية على الرغم من تلميحاته بعدم وجود مؤسسات حزبية قادرة على ملء الفراغ والقيام بواجباتها تجاه أبناء الجزائر.
وتحدث الشيخ نحناح الذي كان مرشحا في الانتخابات الرئاسية لدورتين متتاليتين عن موجة وتيرة العنف المسلح إلى البلاد وتحدث صراحة عن وكلاء لأصابع خارجية يعبثون باستقرار البلاد.
تشهد الجزائر منذ عدة أسابيع أحداثا وتوترات في منطقة القبائل، باعتقادكم ما هي الأسباب التي دعت لتفجر الأوضاع على هذا الشكل؟
- إن ما جرى من الأحداث في بعض ولايات الوطن هو إفراز من إفرازات الانسداد السياسي والإصرار على العقلية الأحادية والإسراف في الانفراد بالبطولة. ولعلكم ممن تتبع تصريحاتنا قبل وقوع الأحداث حينما نبهنا لمخاطر الانفجار لأن مؤشراته كانت مائلة للملاحظ المتمرس، غير أن هناك أطرافاً ترفع قميص عثمان لاستغلال الغبن الاجتماعي إلى تفجير قنابل موضوعة في وجه الوحدة الوطنية وهوية الجزائر العربية الإسلامية وتحاول إثارة نعرات عرقية وإثنية لتوفير أجواء الاصطياد في المياه العكرة.. وهذه الأطراف أصبحت تمارس عمليات انتقامية من الشعب لأنه لم يعطها أصواته، ومن الدولة لأنها خرجت عن وصايتها المهيمنة، وقد كانت إثارة عملية الفتنة داخلياً مدعومة بمحاولات متعددة للتدخل الخارجي مثلها بوضوح التدخل السافر للاتحاد الأوروبي الذي كنا نرغب أن يتعامل مع دول الجنوب في إطار شراكه محترمة تضمن المصالح المشتركة للطرفين بعيداً عن أي شكل من أشكال الاحتقار أو الهيمنة وبعيداً عن عقدة الاستثمار التي لا تزال متمكنة من بعض الأطراف داخلياً وخارجياً.
ولذلك فما حدث في هذه الولايات الجزائرية هو إفراز لأزمة معقدة تدخلت فيها الأسباب والعوامل إلا أن تفطن المجتمع في باقي الولايات ووقوف أهل العلم والدين والأعيان وتحرك المجتمع المدني ومجهودات الطبقة السياسية قللت من مخاطر الفتنة وعملت على تطويقها بالمواقف والمبادرات المتعددة.
وبمناسبة الحديث عن أزمة الجزائر الأخيرة، فإنها لا تخرج عن سياق الاستفادة من الضعف المؤقت التي تعيشها أوطاننا العربية والإسلامية التواقة للتموقع الجيد في سلم قيم الحضارة الجديدة، والأمر الذي يستدعي فينا التفكير العميق في مجريات الأحداث المتفقة مضموناً المختلفة جغرافياً كما هو الشأن في إندونيسيا وباكستان ومصر والعراق والسودان ومقدونيا والألبان، إذ حالة التوتر القائمة حالياً لا يفسرها سوى ضعف الأمة ورغبة العولمة في التأثير المطلق في العالم.
كنتم أول من قدم مبادرة لحل المشكلة المذكورة، ما هي تفاصيلها وهل تعتقد أنه من الممكن الحل بعيدا عن تدخل المؤسسة العسكرية؟
- إن المؤسسة العسكرية مؤسسة استراتيجية عملت في الجزائر على بناء الدولة الوطنية كما عملت على حمايتها من الانهيار وهي تنتظر بروز مدارس سياسية مدنية قوية قادرة على إدارة شؤون الدولة لتتفرغ بعدها نهائياً لدورها الدفاعي عبر جيش احترافي. ومع تقديرنا للدور الحساس الذي تلعبه هذه المؤسسة في مثل المراحل الانتقالية التي تعيشها، إلا أننا لسنا ممن يدعون إلى إقحامها في الصراعات السياسية كما تفعل الأقليات الأيديولوجية بقدر ما نطالبها بحماية الدستور وحدود الجمهورية ومقوماتها وثوابتها ووحدة الوطن ورعاية حقوق المواطنة.
أما عن مبادرتنا فهي تستند على معرفتنا بطبيعة التوازنات داخل السلطة والمجتمع وعلاقاتها بالتوازنات الإقليمية والدولية، كما تستند على إدراكنا بمطالب الجماهير وإنشغالاتهم وكما تعلمون نحن حركة تتحرك في عمق المجتمع وممثلة في جميع ولاياته ولها مشاركة متميزة في مؤسسات الجمهورية وهي من خلال ذلك تنتج القراءات الواقعية للأوضاع وتحاول أن تقترح ما يدفع بالديمقراطية إلى نقطة اللارجوع وبالإقلاع التنموي الحقيقي إلى أن يصبح واقعا يعبئ الجميع ويبني جدار الثقة المهدوم بين الحاكم والمحكوم. ولا يمكن لأي حل للأزمة الجزائرية أن يستبعد هذا الطرف وهو المؤسسة العسكرية عنه، لأن التهديدات الإرهابية والعرقية ومحاولة التدويل والعلاقات الأقلية المغاربية والمتوسطية والأطلسية تفرض اتخاذ الموقف المحكم الذي تضمن فيه البلاد مصالحها العليا كشأن باقي الدول الأخرى.
ومن غير المعقول استثناء الجيش من معادلة التحولات، كما أنه ليس من المعقول أن يحشر الجيش أنفه في كل التحولات باستبعاد الطبقة السياسية التي تحاول الحفاظ على المكسب الديمقراطي ودعم كل توجه سياسي يضمن السيادة الوطنية ويقضي على الشرعية المعطوبة وإنهاء المرحلة الانتقالية المصحوبة بالمخاض العسير والآلام الحادة.
هذا وان بعض الأطراف تسعى لزعزعة كل مؤسسات البلاد والعودة إلى نقطة الصفر لأن بعضها لم يقتنع بالاستقلال وبعضها الآخر لا يقتنع إلا بمؤسسات وفق هواه ومزاجه وآخر يعمل على هدم ما هو موجود وثمة آخر يعمل على فرض مشروع مجتمع أثبت التاريخ ووحدة المصير والآمال وكل المواعيد الانتخابية، أن الصندوق انتخابي يلفظ الأقلية مهما تكن قوة نفوذها ونفاذها فراحت تمارس لعبة طروادة وتتحرش بالأغلبية وتكسر إرادتها بشتى الحيل ولو بقلب الطاولة !!
ونحن في حركة مجتمع السلم ندرك بعمق وبحكم التجربة الجزائرية منذ الثورة المباركة أن محاولة استثناء المؤسسة العسكرية من الحل أو التحول السياسي هي محاولة مخفقة سلفاً، والبراغماتية تفرض علينا أن لا نقفز على الحقائق ملاحقين الأوهام والحماقات والعقلانية والرصانة تقول لنا بأن الجيش يعتقد أنه محرر البلاد وحامي استقلالها ومعطي الإشارة نحو التحولات، وقد صاحب هذه الممارسات نفسيات وممارسات إشباعيه تفرض عليه التخلي التدريجي عن هذه النفسية والعودة إلى الثكنة مكتفياً بما سطره الدستور وقوانين الجمهورية وهذا الذي يفرض على الطبقة السياسية أن تجتنب الراديكالية من جهة وأن يجتنب الجيش كسر الإرادة الشعبية وأن تكون الديمقراطية مطية التأهيل لاستلام الحكم، إذ أن التطرف العسكري والحزبي السياسي والمدني مدعاة للمزيد من التعفن والمآسي والآلام وزرع القابلية للتفتت والتهيؤ للاستعمار الجديد المتمثل في العولمة والصهيونية وثالوث البنوك العالمية وفرض التدخل !!.
إن جميع الأطراف اليوم تبحث عن مخرج وهو ما يفسر كثرة المبادرات هذه الأيام وهو في حد ذاته نوع من الاستجابة الأولية لموضوع المبادرة كفعل سياسي. ونحن في حركة مجتمع السلم يهمنا بالدرجة الأولى أن يلتقي الجزائريون على الحدود الدنيا من الأفكار والمواقف لتجاوز الأزمة والمرور بالوطن إلى شاطئ النجاة ولذلك نحن متريثون في الإعلان عن المبادرة إلى أن تتوفر أكبر قدر من عوامل الاستجابة والقبول.
ولذلك أبقينا دورة مجلس الشورى الوطني مفتوحة لمناقشة التطورات ومتابعة موضوع المبادرة، وإثراء الأفكار والمقترحات الكفيلة بإيجاد ضمانات النجاح، إذ أن المبادرة التي لا تتوفر فيها شروط تصبح صيحة في واد ونفخة في رماد ما فتئ المروجون للفتنة ينفخون في نارها، ويحرصون على ديمومتها بشتى الوسائل حتى يستمر اقتياتهم منها وحتى تمرر عبر أدخنتها جملة من المشروعات المشبوهة:
- كمشروع مجتمع أو مشروع التطبيع أو مشروع انعدام الأمن القومي أو مشروع التخويف من الفعل السياسي الذي يكون فيه الإسلام طرفاً فاعلاً أو مشروع الاستقواء بالتيارات المقطوعة عن مجتمعها أو مشروع اختلال التوازن الدولي في المنطقة ومشروع إنهاء الطبقة الوسطى في المجتمع وإيجاد طبقة الأقلية المدللة الحاكمة والأغلبية المنبوذة المحكومة.
تحدثت القيادة الجزائرية عن أصابع خارجية لعبت دورا فاعلا بإشعال الأزمة الأخيرة، هل من الممكن أن تكون هذه القراءة صحيحة أم أن عبارة التدخل الخارجي هي شماعة التبرير؟
- ضلوع الأطراف الخارجية في أزمة الجزائر أمر مفروغ منه بل أصبح من بديهات الوضع، إلا أن اتهام أطراف محددة يقتضي من السلطة الإفصاح عن الحقائق وهو ما ينتظر أن تقره لجان التحقيق المكلفة بذلك لأن الرأي العام الوطني والدولي أصبح لا يقتنع بالعموميات في مثل هذه المواضيع.
ولذلك نحن في حركة مجتمع السلم ندعو باستمرار شركاءنا الأجانب ومنهم فرنسا إلى ضرورة معرفة التحولات العميقة الحاصلة في المجتمع والكف عن بناء المواقف من خلال بعض الوكلاء الذين أصبحوا يضرون بمصالح ومصالح الشعب ومصالح الشريك الأجنبي نفسه وإعادة التفكير في قواعد جديدة تحقق المصالح المشتركة وتوفر أجواء الأمن والاستقرار في حوض المتوسط وفي جميع المناطق من أجل عالم يسوده السلم والتنمية ولن يتم تصحيح الأوضاع إلا بالدفع الإيجابي نحو الديمقراطية ودعم التوجه الديمقراطي الحقيقي والكف عن سياسة الاعتماد عمن لا يمثلون شعباً ولا يكونون رأياً ولا يمارسون ديمقراطية حتى داخل فئاتهم وأحزابهم. إذ أن اعتماد السياسة القديمة في ظل التحولات الجديدة لا يخدم أي مصلحة على الإطلاق ويقلص من فرص الحوار الجاد والإيجابي.
مع تطور الأحدات بالاتجاه السلبي باعتقادك ما هي الركائز التي تقوم عليها نهاية أزمة القبائل؟
- بالحوار والعمل الديمقراطي الناضج والفعل الانتخابي النزيه الخالي من التزوير والتحايل وبالتطلع إلى المستقبل والتخلص من عقد الماضي وبالتمسك بإسمنت الوحدة الوطنية الإسلام الذي ظل طول العصور حامي الأمة من الانقسام في مواجهة المعتدين الغاصبين، وإنه من الخطأ الاستراتيجي الكبير أن يستبعد الفعل الديمقراطي والانتخابي في القضايا الكبرى لأي مجتمع، كما أنه من الخطأ استبعاد العامل الذي ربط الجزائريين بعضهم ببعض طوال هذه القرون أو محاولة الاستقواء بغير التراث العربي والإسلامي درءا لمفسدة الأجنبي وتفتيت الوحدة الوطنية أو محاولة الضغط بمواقع النفوذ لتذليل الطريق أمام مشروع مجتمع أثبتت الجزائر العميقة والانتخابات والآلام ووحدة التاريخ والمصير بطلانه.
كما أن من الخطأ الكبير اعتماد مغالطة شيطانية تثير الأمازيغي على العربي وتحويل المجتمع الموحد إلى مرمى السهام الأجنبية ليحل الأجنبي محل أبناء البلد كحكم سياسي أو ثقافي أو لغوي بين أبناء الوطن، الأمر ظهرت بوادره بحدة في هذه الأيام للأسف !!.
ومن الخطأ الكبير أن يتحول البلد بكل أبنائه المنتمين لحضارة واحدة إلى أداة طيعة على مستوى السلطة أو الأحزاب في يد الأجنبي ليمعن في زرع سياسة التآكل والتدمير الذاتي عبر الاختراقات التي يمارسها بمكر وذكاء سهلهما التواطؤ أو الغباء.
ومن الخطأ الكبير أن تعتمد سياسة الاعتماد على أفراد وتيارات باستبعاد الممارسة الديمقراطية وتجاوز الحقائق المجتمعية أو بدفع السلطة ضد مجتمعها أو بعض من شعبها.
موضوع آخر يتعلق بعودة أعمال العنف بعد أن هدأت لفترة وجيزة في أعقاب قانون الوئام، ما هي الأسباب التي أعادت نشاطات الجماعات المسلحة إلى قمتها؟
- عودة إعمال العنف هو إفراز آخر لأزمة الانسداد والإصرار على العقلية الأحادية والانفراد بالبطولة، لأن قانون الوئام كان في حاجة إلى خطوات أخرى في بداية الأمر، وكان لا بد من عمل سياسي واقتصادي واجتماعي لمعالجة أسباب الأزمة وجذورها وعدم الوقوف عند إفرازاتها ومظاهرها، ولكن الرئيس عجز عن اتباع الوئام بضماناته القانونية والاقتصادية فوقع الاختلال الذي يتغذى من السلبيات.
وبغض النظر عن الذين يحركون العمل المسلح وأهدافهم وخلفياتهم، فإن عوامل الاحتقان والتعبئة لبعض الشباب في اتجاه العمل المسلح كثيراً ما يعاد إنتاجها وتنميتها بسبب الممارسات الخاطئة للسلطة وإصرارها على تهميش المجتمع وممثليه من أحزاب ومجتمع مدني مفيد ومحاولة الاكتفاء بالخطب أو الأسفار إلى الخارج أو الاعتماد على الأقليات والإصرار على فرنسا فقط.
هذا وإن قولكم عودة أعمال العنف، فإننا نصرح بأن العنف لم يتوقف حتى يعود مرة أخرى، رغم أن فريقا من المسلحين وهم الجيش الإسلامي للإنقاذ أدرك أن لعبة التضاغط وكسر المفاصل إلى ما لا نهاية هو طريق مسدود فراح يعلن الهدنة من جانب واحد ويضع السلاح وينخرط في المجتمع، وهو أسلوب ينبئ عن حسن نية يفترض أن يلتحق بهذا الموقف مماثلوهم من حاملي السلاح الذي استهواهم فقه الاستحلال واستمرار مسلسل الدماء فراحوا يركبون رؤوسهم، فلا هم اقتدوا بنظرائهم ولا هم استجابوا لنداءات العلماء ولا نداء الضمير، واختاروا استئصال من يخالفهم على طريقة الإستئصاليين الذين وإن اختلفوا في المنهج والمواقع لكنهم متفقون على مواصلة المواجهة وإراقة الدماء وكأنهم في حاجة إلى من يدعم هذه الفلسفة، فانطلقت محاولات التدمير والتخريب تحت مسمى الهوية الأمازيغية التي نعتقد أنها والعربية شقيقتان وليستا ضرتين، بنتا معاً حضارة واحدة وشعباً واحدا وقاتلتا جنباً إلى جنب وهما كالجسد الواحد لولا الهوس والبدعة اللذان يتغذيان من عجز النظام السياسي على توفير الأمن والراحة والعمل والتمدرس والصحة والنقل والتعبير والحريات واحترام الحقوق، وما دام النظام عاجزاً، فإن شروط رحيله متوفرة إلا بالعودة إلى الإدارة الشعبية والفعل الديمقراطي النزيه—(البوابة)