محمد-

تاريخ النشر: 03 فبراير 2010 - 08:54 GMT

 خالد ابو الخير

 

لي صديق أقدم من أبي الهول.. هاديء القسمات كأنه بعض ترنيمة بابلية ، ظلت عصية على فك رموزها.

 

محمد .. وهذا هو اسمه، تحيرني إلى درجة الجنون جلسته المستوحدة على شرفته المطلة على الشارع العام غارقاً في السكون، فيما العالم يتحرك ويتغير والفصول تتعاقب.

 

وعلى خلاف كثير من الأصدقاء والمعارف الذين تبدلوا وتغيروا وهاجروا وتزوجوا وصاروا أرباب بيوت غارقين حتى آذانهم في مسؤوليات لا تنتهي. لم يتبدل أو يتغير وما زال ممكنا أن أباغته في الثالثة صباحا جالسا على ذات الشرفة يحتسي الشاي ويمعن في التدخين. يدعوني إلى الصعود وادعوه إلى النزول لوقفة عابرة على الرصيف.

 

عرفت محمداً مذ كنت في السابعة من عمري، وكان اكبر مني بسنتين او ثلاث. لكنه، كما تفيد ذاكرتي كان مختلفا عن الأولاد الآخرين. لا اذكر مثلا انه شاركنا اللعب. بيد أنه شاركنا أمورا أخرى: التجول دون هدف في البرية المجاورة مثلا.. أحيانا على ظهور الدواب. وتأمل الصخر والمنحدرات وسيل عمان، ومشاركتنا بكرم حاتمي سجائره، فتعلمنا التدخين على يده، وهو فضل ينبغي أن ينسب إليه.

 

أصدقاؤه الذين يرافقهم كانوا طائفة من غرباء السلوك. منهم محمود مثلا، الذي عرفناه كواحد من الفدائيين الأوائل اعتقل وعذب في السجون الإسرائيلية وإصابته لوثة. وكان يحظى بشفقة الحي، لكنه كثيرا ما كان لا يقدّر قيمة ما يقدم اليه، فتراه يرتدي ملابسا جديدة يتمرغ بها في الرمال.

 

وسعيد، ذلك الأسود  الكهل الفكه الذي يقابل كل الناس بابتسامة، وكل ما يفعله طيلة يومه ان يحاول أن يضحك الاولاد بنكاته اللاذعة وعباراته التي كانت تخرج عن العرف احيانا. كثيرا ما كنا نجتمع في كوخه المبني من قطع الكرتون والخيش لندخن ونتسامر ونتداول آخر أخبار الحرب مع اسرائيل التي كانت على العتبة دائما في ذلك الوقت.

 

وكان سعيد متزوجا من امرأة لا تقل غرابة عنه، اقل سمرة منه، لكنها اكثر قبحا وذات لسان سليط. تشاركنا جلسات السمر تلك، وتضحك من قلبها على نكات سعيد وحكاياته المضحكة. تمضي نهارها في زيارة نساء الحي سواء رغبن بزيارتها او لم يرغبن. وتعود بما تيسر. ينتابها مرض ما، عجز أطباء ذلك الزمان عن شفائه. أحيانا كانت تأتيها "الحالة" في أحد البيوت او الشارع فتأخذ بالصراخ و"نتف" شعرها وتمزيق ملابسها، فنهرع نحن الاولاد لمناداة سعيد الذي يقبل سريعا وعلى وجهه علامات الجد. ويحملها برقة غريبة الى الكوخ.

 

أطلت الحديث عن أصدقاء محمد.. لكن ذلك برأيي ضروري لإطلالة أوسع على شخصيته.

 

لم يعرف عن محمد أنه مر بمرحلة المراهقة، وليس بمقدور أحد الادعاء أن الجنس الأخر عنى له شيئاً..

 

حاز  الثانوية العامة بعد جهد جهيد استغرق نحوا من أربع سنوات أو اكثر. واذا كان الناس يسافرون الى الغرب او الى دول عربية لإكمال دراستهم فإن محمد ذهب إلى بلد بعيد لم يكن من الدول التي تستقطب الطلبة.

 

لم يكمل دراسته في الفلبين، وعاد لا يجر اذيال الخيبة، فبالنسبة له، كل الأمور سواء. درس أو لم يدرس.

 

يصعب تحديد الوقت الذي استهواه فيه التصوف، لكنه لطالما روى لي قصة زاوية في ركن قصي من ماركا الشمالية كان يرتادها، وتعلم فيها أشياء كثيرة، منها السير على الماء ومحادثة الجن ومصادقته، والتحليق الى يوتوبيا بعيدة عنا نحن المثقلون بالحياة.

 

تأكد لي بعد أن حققت في الموضوع أن ليس في ماركا الشمالية ولا الجنوبية زاوية صوفية قط!.

 

أحيانا كان  ينطق بأفكار غريبة وإنما بلهجة واثقة، مثل: الدمار آت فلتعتقلني الشرطة إذا شاءت. أو أتركوني مبلولا على حبل غسيل.

 

وأحيانا: كلهم يطاردونني، وأنا أخوك، لا يمكن أن يقبضوا بي.

 

وحين تطول الجلسة كان يروي قصصا عن مطاردين له نجح في التملص منهم.

 

 مرة فوجئت بأن بيته يعج بطالبي العلاج : نساء وشيوخ وأطفال. وعرفت منهم أن محمداً يعالج بالإعشاب والقرآن، أما هو فشرح المسألة بساطة: هم مؤمنون بي، وما احتاجه هو مكنسة!.

 

قيل لي أيضا أن محمداً شارك في إخراج دفائن من الأرض. بل إنني فوجئت به مسافرا إلى غير دولة عربية لذات السبب. في رحلات يكتنفها الكثير من الغموض.

 

غير انه استقر أخيرا في العقد الأخير من الزمان ولم يعد يسافر أو يستقبل كثيراً  من الناس. صار أميل للسكون، أراه في كثير من الأحوال جالسا على الشرفة يطالع الشارع والسيارات التي تمضي إلى غايتها أو منهمكا بتنظيف سيارته المرسيدس التي يرجع موديلها إلى عقد السبعينات.

 

 

 

ورغم أن كل أشقائه وشقيقاته تزوجوا وأنجبوا ظل محمداً وحيداً، لا يقبل شريكاً.

 

 

 

الأسبوع الماضي جلت بسيارتي كالعادة في الحي القديم، وشاهدته جالسا في مكانه الأثير، بعد أن زرت الحي مرات عدة قبلها ولم المح سوى الكرسي الفارغ على الشرفة الشاسعة.

 

سلمت عليه فرد السلام. وسألني ان اصعد ، لكني طالبته بالنزول متذرعا بضيق وتأخر الوقت.

 

اعرب عن فرحته برؤيتي وحدثني عن حرب كبرى وطاحنة ستجتاح المنطقة وقال انه جهز نفسه لها. فقاطعته مشيرا إلى ازدياد وزنه فأجاب: الم تعرف.. لقد تركت الدخان.

 

اسقط في يدي، فهو من علمنا هذه العادة ، لكنا  تداولنا في أحوال كثيرة ثم سألته إبان استرجاعنا لشطر من ذكرياتنا المشتركة عن محمود، فقال جذلا: لقد رايته قبل يومين في وزارة الداخلية.. اخبرني انه عائد إلى غزة. لكن محموداَ لم يكن الشخص الذي نعرفه. مرتديا بدلة وربطة عنق. وفي أحسن حال.

 

عبرت عن استغرابي للحال التي آل إليها محمود، ثم قلت مداعباً ,وقد لاحظت اكتناز خديه : أتعرف يا محمد انك تشبه أبا الهول.

 

ضحك كثيراً وقال: آفة العلم النسيان، أنت تنسى.. أبو الهول يا صديقي هو الذي يشبهني!.