قال الشاعر محمد عفيفي مطر في أمسية أقامتها له مجلة "أدب ونقد" المصرية التي تصدر عن حزب التجمع التقدمي الوحدوي بالقاهرة، بمناسبة صدور أعماله الشعرية كاملة في 14 ديوانا :"ولدتني أمي في الحقول، ذهبت لتملأ جرتها من ترعة علي بعد كيلو متر من القرية وفاجأها المخاض، وهي تغمس الجرة في الماء، فدخلت حقل الذرة، وولدتني ووضعتني في حجرها ورجعت والدم يشخب علي ساقيها".
وحسب صحيفة "الراية" القطرية اليوم، فقد واصل عفيفي مطر الحديث عن تجربته الشعرية العريضة التي امتدت قرابة 50 عاماً من الإبداع والنشر والتفاعل مع الشعرية العربية، فقال:" لقد اعتبرت نفسي مولودا بين النهر والطمي وتحت الأفق والشمس"، مشيرا إلى ان هذه الولادة كانت لحنا هاديا له كإنسان وكشاعر وكصاحب موقف،وموضحا ان قصائده فاضت بالطمي والنهر والماء.
أما الشمس والأفق فقد أصاباه كما يقول منذ صباه بحرية مسمومة من كراهية السلطة، مؤكدا كراهيته الشديدة ليس فقط للسلطة بل لتجلياتها في التاريخ. وقال في هذا السياق :"أكره السلطة التي قتلت سقراط بالضبط كما اكره السلطة التي قتلت سيد قطب"، وأوضح أن كراهيته هذه هي كراهية مبدئية وليست كراهية مذهبية ولم تكن كراهية من أجل ان يحكم آخرون أو ليحكم أحد، لكنها كراهية مبدئية أصابته وأصابت شعره بالكثير من الشتات والغوص ومغامرة الرفض.
وأضاف عفيفي انه كثيرا ما شعر بأنه يفرض نفسه وذاته على الناس والأفكار دونما انتظار لأي مقابل فكري أو مادي محسوس مؤكدا ان كلماته أكرم على نفسه من أي شيء آخر.
وقال" تمنيت كثيراً ان أكون كما تصورت نفسي في أنني لم أساعد ظالما على ظلم ولا فاسدا على فساد ولم أساعد على كذب". وأشار عفيفي إلى ديوان لم يذكر في أعماله الكاملة لأنه لم ينشر بعد، كتبه للأولاد بعنوان "مسامرة الأولاد كي يناموا" وأوضح مطر انه لم يشعر على الإطلاق في أي لحظة من لحظات الكتابة والعمر أنه أكبر من أي شخص في العمر، مشيراً إلى كونه بين الشبان الأقل سنا، مما جعله دائماً لا يبحث عن طقوس معينة تقربه من الكبار لا في السن أو الوجود أو الزمن أو العصر.
وأكد انه لم يراوده شك في انه انفصل عن أي جيل من الأجيال التي ظهرت منذ الستينات وحتى الوقت الراهن معتبرا نفسه واحدا من كل جيل يأتي،" أنا أغامر مثله أنا أتعلم منه وأعلمه وأقرأه كالتلميذ الذي سيواجه الامتحان غدا أقرأ أصغر شاعر، كما اقرأ أكبر شاعر، وأنا أتعلم من الجميع، ولا اعتبر نفسي خارج أي جيل من هذه الأجيال".
وقال مطر أن من حسن حظه ان الأجيال الشعرية المتعاقبة اعتبرته دائما واحدا منها، حياته كحياة أبنائها، حتى أنهم كانوا دائما معا في مركب واحد.
غير أنه المح إلى ضرورة وجود خلاف فكري في مسألة الفن وأساليب التعبير والحداثة، مؤكدا على أهمية ان يتسع الخلاف وينتشر ليكون حيا وساخنا وقال في هذا الصدد "إن الخلاف مع الآخر هو المعنى الحقيقي لوجود شاعر، يحلم ويحاول ان ينتكس ويعود للوراء ويقفز للأمام" .
وحول موقفه المتشدد من قصيدة النثر ورفضه التعايش معها ودفاعه عن عروض الشعر قال:" بداية يجب أن نعلم أنه ليس بالموسيقى وحدها يحيى الشعر، وليس بغياب الموسيقي يحيى النثر" وتساءل:" هل يكون الكون كونا بغير الموسيقى؟؟ وهل بغياب الموسيقى يكون نثر الصحافة اليومية مماثلا لنثر الكبار أمثال التوحيدي والنفري ومصطفى صادق الرافعي ومحمود شاكر؟".
وأكد عفيفي أن النثر عنده ليس أقل مكانة وإبداعا من الشعر، بشرط ان يسمو في مرافئ الإبداع إلى حدود النشوة الروحية والامتلاء بالحياة، فالإيقاعات الداخلية في النثر العظيم تنتمي إلى لغة، وحركة الأفكار وزحزحة الخطاب إلى مناطق من حرية الخيال والتصوير، ولكنها لا تنتمي للموسيقى بمعناها الرياضي الصارم.
وقال :"إن الخلط بين الإيقاع النثري في النماذج العظمى منه وبين الموسيقي يماثل الخلط بين شاعرية النص ونسق القصيدة"، مؤكداً أن بعض كتاب النثر لجأ إلى آليات منقولة من قصيدة التفعيلة مفهومة ومعروفة في سياقها التفعيلي ولكنها ممسوخة وبلا معنى أو ضرورة في سياقها النثري، مثل تقطيع الجملة الواحدة إلى عدد من السطور والوقفات بغير ضرورة للمعنى أو الشكل.
وأشار عفيفي إلى أن أمه كانت كائنا يعيش على حافة عالمية عجيبة، يختلط فيها الحياتي الصارم والشعري التصويري الحافل بالمجازات والاستعارات، ومنطق الخيال الحر، موضحا أنه كان يسمع ويرى منها صورة من عالم تتداخل فيه الحقائق والأحلام، ونزعة التسوية بين الموت والحياة، وبين الأحياء والجمادات وقال:" ما أسهل ما كانت تنتقل بين مساراتها البليغة للجمادات والطير والحيوان، فكل شيء مسكون بروحه وشخصيته الحية التي تتبادل التأثير والتأثر والفعل والانفعال"- -(البوابة)