مخيمات لاجئين في قلب إسرائيل

تاريخ النشر: 13 ديسمبر 2000 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

 

قامت الحركة الإسلامية في إسرائيل فورا بعد توقيع اتفاقية أوسلو بإعادة تقييم استخدام الأموال التي تجمع من المسلمين للأعمال الخيرية. ووفقا للترتيب الجديد للأولويات، فإن مقادير أقل من الأموال تصل إلى المناطق بينما تخصص أموال أكثر للمدن التي تسكن فيها أعراق مختلفة في إسرائيل.  

ويعكس هذا التغيير إدراكا بأن المقيمين في المدن مختلفة الأعراق هم الأضعف والمهملون أكثر من غيرهم، علاوة على أنهم مهمشون وأكثر الناس عرضة للتهديد من ناحية سياسية. وكان ما فهمته الحركة الإسلامية قبل سبع سنوات، لم تدركه الحكومة الإسرائيلية إلا هذه الأيام.  

وهناك ثلاث مدن مختلطة هي عكا والرملة واللد من بين إحدى عشرة مدينة تشملها خطة الأفق، وهي برنامج إسرائيلي جديد يهدف إلى تحديد مشاكل المجتمعات الضعيفة بدقة. ولم تكن هذه المدن مشمولة من قبل بسبب أن سكانها "مختلفو الأعراق" بل بسبب ضعفها. ومن الممكن، بالطبع، الجدال بأن المدن الضعيفة تشبه بعضها البعض؛ ولذا فإنه لا يوجد هناك فرق بين كريات ملاخي واللد. ومن جهة أخرى وعلى النقيض من البلدات الأخرى التي تم تحديد مشاكلها، فإن المدن المختلطة كانت في يوم من الأيام مدنا عربية كبيرة انهارت بعد قيام إسرائيل. ولدى سكان هذه المدن العرب ذاكرتهم التاريخية، ولكن لا يوجد الآن سوى بعض الآثار الباقية مما كانت يوما ما مراكز تجارية وثقافية مزدهرة وحياة سياسية نشطة.  

تغفل خطة تحديد المشاكل هذا الجانب باستثناء ملاحظة تشير إلى الرملة واللد كمدن لديها إمكانية التعامل مع قضية التعايش بنجاح. أما بالنسبة لعكا فليس هناك بين سكانها حتى تظاهر بهذا الشأن.  

وتستند الخطة بمجملها إلى استيعاب السكان العرب كرغبة في تحسين الوضع العام للناس في تلك المدن. ولا تشير بشكل خاص إلى الحاجات الحضرية للسكان العرب.  

المدن المختلطة – وبصورة أكثر دقة – المدن اليهودية ذات الأقلية العربية – هي رمز للصراع الإسرائيلي الفلسطيني برمته. ويعكس التباين الحضاري الذي يعيشه الشعبان، على المستويات التخطيطية والعملية، رغبة يهودية في تهميش العرب.  

ويتم اتخاذ خطوات عملية بهذا الشأن في بعض الأحيان وفي أحيان أخرى تتخذ خطوات رمزية. وتفتقد معظم المدن المختلطة إلى إشارات باللغة العربية للشوارع وبعضها ليس فيه أية إشارات على الإطلاق وحتى بالعبرية ترشد الناس إلى المناطق العربية المجاورة. وفي معظم الحالات تم استبدال أسماء الشوارع العربية بأسماء عبرية مشحونة بمعان صهيونية (مثل هاجانا، هابالماخ، هيرزل، ووايزمان) قصد منها محو الماضي.  

ويتم "تجاهل" السكان العرب في بعض الأحيان بطريقة رمزية. فمثلا لا يظهر اسم منطقة بارديس سنير المجاورة للد على أية خريطة خاصة بالمدن. فالسكان في هذه المنطقة الذين يضمون مئات العائلات لا يعتبرون في الواقع أحياء في نظر السلطات التي لا تعيرهم أي انتباه. ويتم التعبير عن الحياة الثقافية العربية بصورة ضئيلة في المدن المختلطة. فليست هناك أية مراكز ثقافية عربية أو متاحف توثق الحياة العربية. وكحد أقصى، هناك مراكز اجتماعية إلا أنها لا تصلح لإشباع رغبات السكان العرب الضعفاء.  

وينظر إلى المدينة عادة على أنها المكان الذي تتوفر فيه لسكانها وسائل النقل والمزيد من الفرص أكثر من أي مكان آخر. ولكن الأمر بالنسبة للعرب المقيمين في المدن المختلطة في إسرائيل ليس كذلك، إن ميزات الإقامة في المدن تخدعهم. تحول المدن المختلطة سكانها العرب إلى مستأجرين ثانويين، حيث يعيش 60% من العرب في المدن المختلطة في منازل تملكها الدولة وهي ممتلكات هجرت عام 1948 حسبما ذكر تقرير صدر عن الأمم المتحدة منذ سنتين. وخلافا للأماكن الأخرى في العالم، حيث أن المدينة مرادفة للتقدم، إلا أن الصفوة من سكان عكا العرب يرسلون أبناءهم وبناتهم إلى المدارس في قرى عبلين والجْدَيدة المجاورة.  

ويدرس معظم طلاب المدارس الابتدائية في الرملة وحيفا في مدارس خاصة، وذلك بسبب غياب البنية التحتية في المدارس التي ترعاها الدولة. كذلك فإن الأزمة التي تحدق بالمفكرين العرب شديدة أيضا وبشكل خاص في المدن المختلطة، حيث أن هؤلاء لا يجدون فرص عمل مناسبة. والسكان العرب في المدن المختلطة هم أفقر من أولئك الذين يعيشون في القرى.  

وتشبه المناطق المجاورة للمدن كالعجمي في يافا (أفقر منطقة مجاورة لتل أبيب) والحراكيفت في اللد وجواريش في الرملة مخيمات اللاجئين. إنه من الصعب تصور وجود هذه المناطق في قلب دولة إسرائيل في العام 2000م.  

مهمشو الهامش:  

من الصعب فهم السياسة التي أدت إلى إيجاد هذا الوضع –إن كانت هناك سياسة- والاستمرار به لما يزيد على 52 عاما. تقول الدكتورة حوالة أبو بوكر من يسرائيل فالي كوليدج "في رأيي، هناك سياسة مؤسسية بحكم الأمر الواقع بعدم التجديد".  

"هناك سياسة لمأسسة هذا الإخفاق، وهي النزعة لمنع السكان العرب من إعادة تأهيل أنفسهم. وإذا كان الأمر غير ذلك، فكيف يمكن تفسير حقيقة أن المشاكل التي يحتاج حلها قليلا من الأموال لا تزال قائمة منذ 52 عاما؟".  

من الطبيعي أن تكون المنظمات الوطنية والدينية قد استغلت هذا الفراغ الاجتماعي والثقافي. وتحاول قيادات شابة ظهرت بالتدريج في كافة المدن المختلطة استغلال المؤسسات الاشتراكية المستقلة لإبراز التاريخ المميز لكل مدينة، وتشكيل صورة لمجتمع مدني ينتمي إلى شعب مشتت ومهزوم يتكون غالبيته من اللاجئين. ويقومون بهذا العمل دون مساعدة من منظمات تمنح لهم تغطية ودون ميزانية تستحق الذكر وبدعم جزئي فقط من مواطنيهم العرب في هذه المدن.  

ليس لهذه المبادرات فرص للتغلب على الضعف السياسي الملازم للسكان العرب في المدن المختلطة. فالسكان العرب يعتبرون من الناحية السياسية "مهمشي الهامش" وذلك حسبما ذكره البروفيسور مجيد الحاج وهو عالم اجتماع من جامعة حيفا. وخلافا للقرى العربية، فإن السلطات المحلية في المدن المختلطة هي في أيدي اليهود على الدوام، وأن مقدرة السكان العرب على التأثير عليها هامشية. فالسكان العرب في المدن المختلطة - خلافا لإخوتهم في القرى العربية - ليس لهم تمثيل في اللجنة العربية العليا للمراقبة، وبالتالي فإن هذه المنظمة التي تشكل مظلة للعرب في إسرائيل لا تستطيع العمل بالنيابة عنهم فيما يتعلق بالموازنة والمنافع الأخرى. ويقول مجيد الحاج "إن السكان العرب في المدن المختلطة كما أراهم هم من أكثر الجماعات تهميشا، إن لم يكونوا أكثرها في إسرائيل.  

يقول الدكتور عزمي بشارة، رئيس التحالف الوطني الديمقراطي (بلد) الذي كتب كثيرا عن الموضوع: "إن غياب المراكز الفاعلة في هذه المدن يعيق ظهور حركات سياسية عربية حديثة في إسرائيل". ويضيف بشارة أنه "في الدول الأخرى، حصل التحديث للأنظمة السياسية في أرض خصبة في البيئة الحضرية. ليس لدينا ذلك". ويقول بشارة "إنه حتى الناصرة لا تعتبر مدينة عربية في هذه الحالة".  

ويعتقد الكثيرون من العرب في إسرائيل أن إنشاء مدينة عربية جديدة فقط، يمكن أن ينقذ السكان العرب في المدن من إحباطهم ويساعدهم على التنمية والتقدم ضمن المجتمع العربي الإسرائيلي بمجمله.  

يقول الدكتور ثابت أبو راس، محاضر في الجغرافيا السياسية في جامعة بن غوريون بالنقب إن "بمقدورنا تأسيس مدينة عربية حيوية تجذب المتعلمين من شعبنا وتقدم لهم ما يحتاجون إليه من حاجات وطموحات الكثيرين من الشباب العربي في إسرائيل. ويقول إن إنشاء مثل هذه المدينة لا تمنعه السلطات وحسب (منذ عام 1948 لم يتم إنشاء أية منظمة عربية جديدة –سواء في المدن أو الريف)، بل يتم معارضته من قبل الجماهير العربية." 

ويقول معارضو الفكرة إنه قبل التركيز على تنمية مدينة للنخبة، يجب تنمية المجتمعات العربية القائمة.  

برزت فكرة إنشاء مدينة عربية حديثة في العديد من منتديات التخطيط اليهودية العربية خلال العامين المنصرمين. وقد ازدادت هذه الفكرة زخما بعد أعمال الشغب التي اندلعت في أم الفحم بعد تخصيص الأراضي هناك عام 1998م.  

وقد شارك البروفيسور أورن يفتاخل، رئيس دائرة الجغرافيا والتنمية البيئية في جامعة بن غوريون في بعض هذه المناقشات.  

يقول يفتاخل: "تعتبر المدن العربية القديمة في حكم المنتهية الآن، ومن المهم للفلسطينيين الذين هم مواطنون إسرائيليون أن يكون لهم مدينة حيث يستطيعون النمو والتقدم دون تقييدهم بالبنية القبلية". ويضيف أن التركيبة الريفية في المجتمع الفلسطيني في إسرائيل تقف حجر عثرة في وجه تطوير مجتمع سياسي.  

ويحتاج كل مجتمع إلى مساحة حضرية يمكن تكوين الإبداع فيها. إن قطع الرأس الحضري للفلسطينيين الذين هم مواطنون إسرائيليون هو ضربة مميتة لمجتمعهم، وبالتالي تصبح المسألة مشكلة المجتمع الإسرائيلي برمته".  

تستمر التنمية في إسرائيل حكرا على أسماه يفتاخل "بالعرقية" – "وهو نوع من الحكم يساعد مجموعة عرقية واحدة في التوسع في منطقة متنازع عليها بين أعراق عديدة". ويدعم نظام الحكم هذا الأهداف الإقليمية والاقتصادية والسياسية للمجموعة العرقية المهيمنة وتملي قواعد اللعبة العرقية البنية الطبقية.  

وكلاء التهويد:  

تظهر علامات العرقية ماثلة للعيان في المدن المختلطة. ومن الواضح أنها لا تقمع وتهمش السكان العرب وحسب، بل تحول الناس إلى مهاجرين جدد في هذه المدن كأدوات للتهويد. ففي الخمسينات جرى إرسال المهاجرين من الدول الشرق الأوسطية إلى المدن المختلطة والمناطق المجاورة لها ليشكلوا حاجزا بين مناطق السكن العربية والمناطق التي تعيش فيها الصفوة الحاكمة.  

وجرى منذ التسعينات استخدام مماثل للمهاجرين من رابطة الدول المستقلة. وتوجد حاليا نسبة عالية جدا من المهاجرين من جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق في كافة المدن المختلطة. ويعيش معظم هؤلاء في مناطق قريبة جدا من المناطق التي يسكنها العرب.  

وتأتي الغالبية العظمى من هؤلاء من الطبقات الضعيفة وهو وضع يساعد أيضا في الإبقاء على التقسيم الطبقي.  

ويبدو استخدام المهاجرين بهذه الصورة شيئا مدهشا في عصر الاستيعاب المباشر حيث يزعم بأنه لكل مهاجر الحق في اختيار المكان الذي يود العيش فيه. ومن جهة أخرى فإنه ما من شك أن ذلك يحدث. ويحصر التخطيط الإنشاني، وهو العنصر الرئيسي في توزيع المجموعات السكانية، المهاجرين في المدن المختلطة في مشاريع إسكانية رخيصة.  

وفي الوقت الذي تستخدم فيه المدن المختلطة كمحطة للتوقف الطارئ فقط للشعب اليهودي والذين يسارعون لمغادرتها حالما يصبحون أقوى قليلا، فإن المهاجرين يجدون الأمر صعبا في الحصول على حركة إضافية في هذه المدن. ولذا فإن شعبا ضعيفا من المهاجرين يجد نفسه محاصرا في مدينة مع شعب عربي ضعيف. وفي هكذا بيئة فإن الفرد من السكان لا يتصادم مع الآخر وحسب، بل إن الإهانة تتبعها إهانة أخرى مما يغذي العداء المتبادل والخوف.  

وفي كثير من هذه الحالات، فإن جهل المهاجرين الجدد يتم استغلاله أيضا. فالمهاجرون المقيمون في غاناي أفيف المجاورة لمدينة اللد لم يعلموا عند وصولهم أن هناك عربا يعيشون في المدينة. وحينما وجدوا جيرانهم العرب من بلدة بارديس سنير وراكيفت المجاورة والذين يعيشون على الجانب الآخر من الطريق، شعروا وكأنهم كانوا ينامون مع عدو. وقال المقيمون في الهادار بالقرب من حيفا والذين لديهم علاقات أفضل مع جيرانهم العرب إنهم لم يكونوا على علم حين وصولهم بأن الأحياء المجاورة لهم مختلطة. إن استخدام المهاجرين من أجل التهويد هو أمر واضح أيضا في الناصرة العليا التي تذكر بأنها مدينة مختلطة. إنها هذا شيء صحيح ليس بسبب علاقتها بالناصرة وحسب، بل أيضا بسبب العدد الكبير من العرب الذين يعيشون فيها.  

ويعترف مسؤول رفيع المستوى في مكتب رئيس الوزراء بالحماقة في إرسال المهاجرين إلى أماكن ضعيفة واصفا هذه الطريقة "بالرخيصة في البداية والمكلفة فيما بعد". ومن جهة أخرى فإن الصورة المرسومة بالفسيفساء للمدن المختلطة لا تزال في مرحلة التكوين، حيث يستمر القادمون الجدد الضعفاء في التدفق للعيش بين أناس ضعفاء مخضرمين.  

يمكن فهم الكثير بشأن النسيج الإنساني الهش في هذه المدن من المناشدات الغاضبة التي قدمها السكان اليهود في هذه المدن في الأسابيع الأخيرة إلى مكتب مايكل كلينر(حيروت). وقد اشتكى بعضهم من تحرش العرب بهم وأشار البعض الآخر إلى ضعف الشرطة واشتكى آخرون من تدمير ممتلكاتهم وتسلم تهديدات. يعمل كلينر حاليا على عقد منتدى بشأن المدن المختلطة التي يمكن أن تسوء مشاكلها الفريدة من نوعها وتتحول إلى ظاهرة عنصرية.  

ظهر تعبير "ميليشيا" بالفعل إلى السطح في الأحاديث اليهودية الخاصة في المدن المختلطة.  

بعد أعمال الشغب في الشهور الأخيرة. ويحاول عصام مكحول (حداش) تشكيل هيئة عربية لممارسة الضغط من أجل المصالح العربية في المدن المختلطة. وتشير كلتا العمليتين بوضوح إلى أن قضية المدن المختلطة تتخذ وضعا خاصا ضمن القضية الشاملة للعلاقات بين العرب واليهود خاصة إذا ما وضعنا في عين الاعتبار نزعة المؤسسة اليهودية منذ حين للتغاضي عن المشكلة والافتقار إلى اتخاذ أية سياسة واضحة بشأنها.  

التركيز على المصلحة العامة: 

بعد 52 عاما، يمكن القول إن مشاكل المدن المختلطة لم تجد لها حلا وحسب، بل إنها ساءت بالتدريج.. فالمزيد من المدن أصبح فعليا ذا انتماء قومي مزدوج. وهذه الحالة تنطبق على بئر السبع التي تفصل حدودها البلدية بوضوح بين العرب واليهود، ولكن تجربتها تماثل المدن المختلطة. تمثل المدينة بالنسبة للعرب واليهود على حد سواء "عاصمة للنقب" ويأتي إليها الأكاديميون والمحترفون من الجنوب. وقد احتوت أحدث خطة لهذه المدينة قدمت إلى الحكومة على تعبير "العاصمة ذات الانتماءين القوميين".  

لا يزال صانعو السياسة يتجاهلون وجود أمة في رابع أكبر مدينة إسرائيلية. وبالرغم من أن سبعة آلاف عربي يعيشون هنا، إلا أن بلدية بئر السبع ترفض منح ترخيص لفتح مدرسة عربية في المدينة وحتى بناء مسجد.  

وفي الحقيقة فإن السلطات فخورة بسوق بئر السبع البدوي. ويرحب بالتعابير الخاصة بالفلكلور الشرق أوسطي في المدن المختلطة. فالجميع يحب زخرفة وادي نسناس المجاور، ومطاعم السمك في يافا ومهرجان المدينة القديمة في عكا وحتى سوق اللد. وكل يهودي تقدمي له مطعم حمص مفضل في إحدى المدن المختلطة. المشكلة أن كافة هذه الأشياء التي تجعل العرب يشعرون وكأنهم يعيشون على أرض هندية مقبولة من قبل المؤسسة اليهودية فقط طالما أنها لا تترجم إلى مطالب حقيقية للتعددية الحضارية.  

التعددية الحضارية هي طريقة وحيدة ممكنة لتطوير مدينة مختلطة. وتحتاج الدولة إلى تحديد رؤيتها لمستقبل المدن المختلطة ضمن صورة واسعة للعلاقات بين الشعبين اللذين يعيشان في دولة إسرائيل. تحتوي المدينة المختلطة كعالم مصغر في ثناياها على كافة الاختلافات الممكنة بشأن التعايش المشترك، وهو نوع من الورشة يمكن استنباط الحلول منها.  

تصرفت الدولة لمدة 52 عاما وكأنها توقعت أن السكان العرب يمكن أن يفهموا قصدها في النهاية ويغادروا أماكنهم. وبدلا من ذلك، فإن اليهود هم الذين غادروا. إن رد فعل الصهيونية بتهميش العرب، أهمل السكان اليهود أيضا. وقد دهش كبار المسؤولين في مكتب رئيس الوزراء حين علموا أن تخفيضا مقداره 15% في ضريبة الدخل منح لسكان عكا في محاولة لإيقاف هروب السكان اليهود من الجزء الشمالي من المدينة، قد أدى بالفعل إلى جذب المزيد من العرب من المناطق المجاورة للمدينة.  

يجب أن تنأى أية سياسة حكومية في المدن المختلطة بنفسها عن التركيز باستحواذ على التوازن السكاني. وبدلا عن ذلك، فإن الوقت قد حان للتركيز على المصلحة العامة للشعبين اللذين يعيشان معا، مع إبداء الاحترام للمصالح الخاصة لكل مجموعة.  

وسيقدم هذا الموقف الجواب الطبيعي على مسألة الفصل أو المزج بين السكان أن الاختلاط بين السكان في المناطق المجاورة ليس بالضرورة علامة نجاح، وكذلك فإن الفصل بينهم ليس علامة فشل. كان الاختلاط بين السكان من أعراق مختلفة في الأحياء المتجاورة قصة نجاح نسبية في بعض الأماكن كما هو الحال في منطقة عين هيام المجاورة لحيفا. وقد فشلت المؤسسة اليهودية حينما حاولت استخدامهم بقوة لإيقاف "التهديد السكاني".  

إن قاعدة متميزة تستند إلى أساس وخالية من القيود، يدعمها القانون والممارسة الفعلية (مثال على القيود طلب السكان اليهود في غاني أفيف المجاورة لمدينة اللد بعدم بيع شققهم للعرب)، يمكن أن تؤدي إلى فصل طبيعي بين الشعبين ولا يكون ذلك بالضرورة شيئا سلبيا. وسوف لن تصلح الأمور في مكان يشعر فيه كلا الشعبين أنهما مكرهان على العيش معا—(البوابة)—(عن صحيفة هآرتس- الإسرائيلية- 11/كانون الاول/ديسمبر)