عمان – غادة الكاتب
تصادف اليوم الذكرى الثامنة والعشرون لاستشهاد الأديب الفلسطيني غسان كنفاني الذي اغتالته اسرائيل في 8/7/1972، بتفجير سيارته التي كانت تقله مع ابنة أخته لميس في بيروت.
تقول زوجته آني، المرأة السويدية الرائعة التي واصلت حمل الرسالة بأمانة، ونذرت نفسها منذ لحظة استشهاد غسان وحتى الآن للمساهمة بما تملك من جهد وقدرة في تعبيد الدرب الذي اختطه غسان، وقضى من أجله :"يوم السبت 8 تموز 1972 جلسنا أطول من المعتاد، نحتسي فنجان قهوة على شرفة بيتنا في الحازمية، تحدث غسان في أمور كثيرة، كعادته، واستمعنا باهتمام أنا وشقيقته فايزة كعادتنا، الى حديث عن ذكريات طفولته في فلسطين، وقبل أن يغادرنا في الساعة الحادية عشرة الى مكتبه، أصلح القطار الكهربائي لعبة ابننا فايز المفضلة، وكان على لميس ابنة أخته ان ترافقه لزيارة أقارب لنا في وسط بيروت".
وتضيف:"بعد دقيقتين دوّى صوت انفجار هائل، حطم زجاج النوافذ، وهز البيت بعنف، صرخت دون وعي، غسان!!، و دون وعي نزلت الدرجات بسرعة لأجد سيارتنا الصغيرة أشلاءً ممزقة، رأيت لميس ملقاة على بعد أمتار من السيارة جثة متفحمة هامدة، ورأيت وسط الركام ساق غسان اليمنى مبتورة وملقاة بين الأنقاض، صرخت بفزع، غسان!! غسان!!
علمت في ما بعد أنهم وجدوا أشلاءه في الوادي وعلى أغصان الأشجار،وحين نقلوها بعيدا عني!! أيقنت أنني فقدت غسان الى الأبد!!".
ويذكر شهود أن آني حملت ابنها فوق قبر أبيه ساعة الدفن، وقالت له بصلابة:" أنظر جيدا، هذا والدك، إيّاك أن تنسى أن اليهود قتلوه، إياك أن تنسى هذه الصورة".
كعوش:كان أهم أضلاع المثلث الجليلي
وللكاتب الصحفي محمد كعوش من صحيفة "العرب اليوم" الأردنية، شهادته حول كنفاني حيث يقول:" عرفت غسان جيدا عن كثب، عرفته كاتبا ورساما، وسياسيا، حيث كان مبدعا على كافة هذه الصعد لدرجة الحسد". وأضاف:" أزعم بأنني آخر من ودع غسان قبل الشهادة، فقد زارني في يوم جمعة، في مكتب"الدستور" اللبنانية، قبل استشهاده بيوم واحد، والوقت قبل الغروب بقليل، وأخبرني بفرح لا يوصف أن فيلم "المخدوعون" فاز بجائزة تقديرية، والفيلم هو قصة كنفاني "رجال في الشمس" من إخراج توفيق صالح، ثم قال لي وهو يكاد يطير من الفرح:"تصور أن الفيلم فاز ولم أشاهده بعد"، وجلس قليلا، ثم ودعته، ليذهب إلى منزله في الحازمية شرقي بيروت. وفي اليوم التالي ظهر السبت علمت بنبأ استشهاده".
ويضيف كعوش:" إن استشهاد غسان في مثل هذا اليوم تماما، هو مجرد مصادفة، لقد استشهد بسبب موقفه السياسي والعقائدي والفكري، فقد ظل يدق على جدار الخزان طوال حياته، حتى استشهد، كي لا يسأله أبو الخيزران " لماذا لم تدق جدار الخزان؟".
ويؤكد كعوش أنه " بفقدان الساحة الفلسطينية لغسان، فقدت أهم أضلاع المثلث الفلسطيني الجليلي، الذي شكل كنفاني قاعدته، وكان ضلعه الأول ناجي العلي، والضلع الآخر محمود درويش، هؤلاء الثلاثة هم من شكلوا مثلث الإبداع الفلسطيني" مضيفا أن "غسان هو الذي منح ناجي العلي فرصته الأولى، وهو أول من قدم محمود درويش للقارئ الفلسطيني" وختم كعوش بقوله: بفضل غسان كتبت أشعار درويش على جدران مخيمات اللاجئين في لبنان، فله الرحمة وله المجد".
أبو نضال: كان ابن الحياة وعاشقها
يقول الناقد نزيه أبو نضال حول غسان :"قبل أن ألتقي بغسان كنفاني في بيروت كنت قد تعرفت به في أوائل الستينات في القاهرة من خلال روايته "رجال في الشمس" هذا العمل الفني العظيم أصابني بدهشة لا توصف، أعدت قراءة الرواية مرة ثانية، ثم سارعت في اليوم التالي، ولا أزال اذكر، الى المكتبة القومية في الجيزة وحصلت على كل الإنجاز الأدبي الموجود لغسان، ومن يومها ارتبطت بهذا الفنان الكبير بعلاقة حب لا توصف".
ويضيف:" ثم كانت لقاءاتنا في بيروت في مكتب مجلة الهدف في إعلام منظمة التحرير الفلسطينية مع الشهيد كمال ناصر وعدد من الكتاب الفلسطينيين، حيث كنا نشكل أعضاء في اللجنة التحضيرية للمؤتمر الأول للكتاب والصحفيين الفلسطينيين في بيته في سن الفيل، وكان اللقاء الأخير في موقع الجريمة حيث تشظى غسان وانتشر فينا حضوراً حياً ومقيماً.
غسان الفنان،غسان الإنسان،غسان الشهيد،هذا الغسان الواحد له قدرة هائلة على الاستحواذ.
تراه دائماً هادئاً وباسماً ومشحوناً بالتفاؤل والثقة ، ولكن عينيه الوادعتين تخفيان نفاذاً وتصميماً على الحياة والموت والاقتحام".
ويقول أبو نضال:"غسان كنفاني هو ابن الحياة وعاشقها، ولكنه يعيشها على ضفاف الموت الفلسطيني، ولذلك فهو يعيشها بعمق، ويحيا كل ذرة من تفاصيلها الصغيرة والكبيرة، والحياة الفلسطينية على ضفاف الموت تعطي الزمن نكهته الخاصة باعتباره قيمة نوعية وليس قيمة كمية،غسان الفلسطيني لا يعيش الزمن امتداداً ولكنه يعيشه عمقاً وكثافة.
إن ساعات الانتظار الطويلة والعقيمة لما سيأتي به الغد هي خارج قاموس الحياة اليومية عند غسان، فالآتي هو اللحظة التي نعيشها ونصنعها في آن وهذه الخصوبة الحية والمتنوعة والمتجددة هي عالم غسان كنفاني وهي سر تميزه وامتيازه.كما أن قوة الحياة عند غسان تقوم على روح التحدي .. تحدي الحياة من أجل تغييرها،وتحدي الموت من أجل حياة أجمل.
وهذه القدرة على التحدي تعني قبل كل شيء أن صاحبها قد نزع من نفسه فتيل الخوف ، واندفع في الحياة جسوراً مقتحماً لأنه امتلك اليقين بأن الموت الفلسطيني هو أقصر السبل الموصلة إلى الحياة".
حياة مكتظة بالتعب والإنجاز
ولد غسان كنفاني في عكا عام 1936 وهو أحد لاجئي نكبة الـ48 ، وقد سخر أدبه وقلمه لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، وكان أول من غير صورة اللاجئين على المستوى العام، إذ حولها من صورة تستدر العطف والشفقة، إلى منبت للمناضلين والأبطال.
واضطرت ظروف المعيشة القاسية غسان للعمل في المطابع، والمطاعم، لمساعدة أهله، إلا أن هذه الظروف جعلت غسان الشاب أكثر إصرارا على إكمال تعلميه، حيث انتسب إلى جامعة دمشق ليتخرج بدرجة البكالوريوس في الأدب العربي.
عمل غسان رئيسا لتحرير مجلة "المجلة" في بغداد، قبل رحلة شاقة قام بها للكويت للعمل في مجال التدريس، عانى فيها الجوع والعطش، وهي الرحلة التي أوحت له برواية "رجال في الشمس".
وفي عام 1959 اكتشف كنفاني إصابته بمرض السكري، وكان مصابا بالروماتيزم، وألم المفاصل، لكن ذلك كله لم يثنه عن إكمال مشواره الأدبي المتنوع بين المسرح، والقصة القصيرة، والنقد، والرواية، الذي سخره غسان لتعريف العالم بالقضية الفلسطينية، واللاجئين.
تزوج كنفاني عام 1961 من آني ، التي أنجبت له ابنا في العام التالي أسماه على اسم والده فايز، حيث عرف عن غسان حبه الشديد لعائلته، وتعلقه بأخته الكبرى فايزة.
بعد موته عرفنا مقدار حب كنفاني للأديبة السورية غادة السمان، وذلك من خلال رسائل إليها نشرتها السمان بعد رحيله بسنوات طويلة، وكانت هذه الرسائل شهادة أخرى على مكانة هذا الأديب وأدبه.
استشهد كنفاني شابا عن عمر يناهز الـ36 عاما، قضاها محمولا في قلوب الناس، وحاملا همومهم وقضيتهم، في فكره، وقلبه، وقلمه، حتى قضى بانفجار.
من قصصه القصيرة :مجموعة "موت سرير رقم 12 " و"أرض البرتقال الحزين" و "عالم ليس لنا" و" عن الرجال والبنادق".
ومن رواياته:"رجال في الشمس" و"الشيء الآخر" و"ما تبقى لكم" و"أم سعد" و"العاشق" و"برقوق نيسان" و"الأعمى والأطرش" ، التي منها روايات لم تكتمل.
وله مسرحيتا "القبعة والنبي" و" الباب" إضافة إلى دراسة عن الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال1948 ، صدرت بنفس الاسم - -(البوابة)