القاهرة – محمد البعلي
بعد فصل نائبي الوفد أيمن نور ومحمد فريد حسنين واحتدام أزمة حزب العمل تفجر الحديث مرة أخرى حول مستقبل الحياة الحزبية في مصر، فأزمة الوفد جاءت تتويجا لسلسلة من الأزمات الداخلية والخارجية التي ضربت معظم الأحزاب المصرية.
فبالإضافة إلى القيود المفروضة على العمل الحزبي سواء من قانون الطوارئ أو غيره من القوانين المقيدة للحريات فإن الصراعات الداخلية تعصف بهذه الأحزاب، فمثلا الحزب الناصري احتدم به الصراع منذ فترة بينما سمي بتياري الشباب والشيوخ وكان على رأسهما حمد بن صباحي الصحفي الشاب من جهة وضياء الدين داود رئيس الحزب الحالي وانتهى الصراع إلى خروج تيار الشباب من الحزب ويسعون حاليا إلى تأسيس حزب جديد باسم حزب الكرامة، أما حزب العمل فقد شهد انشقاقات عديدة في السنوات القليلة السابقة فاسم الحزب الأصلي حزب العمل الاشتراكي وكانت ميول وتوجهات الحزب قومية يسارية، وفجأة قفز الإسلاميون على ظهر الحزب (بالتنسيق مع رئيسه إبراهيم شكري) مما أدى إلى خروج اليساريين من الحزب على دفعات، وحزب الوفد منذ تولى د. نعمان جمعة رئاسته شهد حالات طرد وانسحابات عديدة كان أهمها طرد رئيس تحرير جريدة الحزب (الوفد) سعيد عبدالخالق، وانسحاب ياسين سراج الدين رئيس الهيئة البرلمانية للحزب سابقا، ولم يكن طرد النائبين د. أيمن نور وفريد حسنين سوى حلقة من مسلسل بدأ منذ شهور، والوضع في العديد من الأحزاب الصغيرة شديد الشبه، فأحزاب الأحرار والعدالة و الخضر والأمة تشهد صراعات على المناصب وصلت في معظم الحالات إلى القضاء.
"البوابة" حاولت استطلاع آراء عدد من قيادات العمل السياسية والحزبي في مصر لمعرفة وجهات نظرهم في تأثير هذه الأزمات على مستقبل العمل الحزبي.
منير فخري عبد رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد حاليا رفض الحديث حول الأمر خاصة وأن أحداث الوفد الأخيرة ما زالت ساخنة وأكد أن الصمت في الوقت الحالي أحوط.
أما أبو العز الحريري نائب حزب التجمع فقد بدأ حديثة مؤكدا على أن مستقبل العمل الحزبي مرتبط بحرية تكوين الأحزاب وحرية الإعلام وحياديته، وأكد أيضا أنه لا توجد حياة حزبية مع قانون الطوارئ ولا مع مصادرة النقابات المهنية والعمالية.
أشار الحريري أيضا إلى ضعف إمكانيات الأحزاب ومواردها المالية منبها إلى أن الدول الديمقراطية تمول الحياة الحزبية.
أما عن الأزمات التي عصفت بعدد من الأحزاب مؤخرا فيؤكد الحريري أن ذلك أمر طبيعي يتفق مع تكوينه هذه الأحزاب فهي أحزاب هشة وغير موحدة الفكر وتقبل في عضويتها أي شخص، لذلك فما يحدث فيها أمر غير مستغرب، فمثلا محمد فريد حسنين النائب الوفدي المفصول معروف بأفكاره الناصرية ومع ذلك قبله حزب الوفد، أما حزب العمل فكان يراهن دائما على الورقة التي يراها رابحة، ومع المد الإسلامي تحول من حزب اشتراكي إلى حزب "إخواني" وكان من الطبيعي أن تتركه قواعده الاشتراكية عندما تحول إلى حزب "إخواني"، وعن الأوضاع داخل حزب التجمع (ذي التوجهات اليسارية) فإن الحريري يشير إلى أن الحزب لديه أرضية فكرية موحدة وهو الحزب الوحيد الذي يدار بالانتخاب، وعما يقال من سيطرة الممارسات الديكتاتورية داخل حزب التجمع فإن "أبو العز" العزيزي ينفى ذلك ويؤكد أن التجمع لا يسمح بتواجد ديكتاتوري داخله ولكنه لم ينف تركز القيادة داخل الحزب في يد عدد قليل من الكوادر، وأكد أن السلطات والصلاحيات التي يحوزونها راجعة لعظم حجم إسهاماتهم في العمل الحزبي وتفرغهم شبه الكامل له.
من جهته يتناول أحمد حسن أمين تنظيم الحزب الناصري الحياة الحزبية من زاوية أخرى فهو يشير إلى أن الأحزاب في مصر تنقسم إلى أحزاب أيديولوجية وأحزاب عائلية، والأخيرة تقوم على العلاقة الشخصية غير المنضبطة ولا يهتمون بالقضايا التنظيمية مما يجعلها عرضة للأزمات والانفجارات ، أما الأحزاب الأيديولوجية فهي مهتمه بالأدبيات التنظيمية والقيادية لذلك من الصعب أن تحدث فيها انفجارات، صحيح تحدث مشاكل ولكن توجد قواعد تنظمها ويمكن لأي عضو في الحزب أن يعود عند الخلاف إلى اللوائح الحزبية والمؤتمر العام وهو أعلى سلطة في الحزب.
حول احتدام بعض المشاكل في الحزب الناصري لدرجة أدت إلى خروج بعض رموز التيار الناصري من الحزب علق أحمد حسن أن اعتبار من اعتبروا من الرموز مسألة نسبية فمن يراه البعض من الرموز لا يراه البعض الآخر كذلك، ولكن الصحيح أنه حدثت مشاكل في الحزب الناصري وتمت معالجتها وأدى ذلك إلى خروج واستقالة بعض الأعضاء.
وعن كيفية خروج الأحزاب من وضعها الحالي أوضح أحمد حسن أن هناك جانبين الأول يتعلق بالأحزاب نفسها والثاني يتعلق بالدولة، فأولا الأحزاب تحتاج إلى التخلي عن قوقعة رد الفعل على قرارات الحكومة إلى مناقشة السياسات المنتجة لهذه القرارات، يجب أن تخرج الأحزاب من قوقعة مهاجمة وزير والدفاع عن وزير فتهاجم سياسات أو تدافع عن سياسات.. والسياسات هنا بمعناها الشامل اقتصادية اجتماعية الخ.
ثانيا: لا بد أن تعصم الدولة الأحزاب من اللجوء للخارج بحثا عن التمويل، فلا بد من مساعدة الأحزاب ماليا من ميزانية المجتمع.. فالعمل الحزبي يحتاج إلى إمكانات لا بد أن يوفرها النظام لأن الأحزاب جزء من النظام وليس من خارجه.
"البوابة" طرحت المسألة أيضا على المستشار مأمون الهضيبي المتحدث الرسمي باسم الإخوان المسلمين في مصر والذي بدأ حديثه بالإشارة إلى أن نظام الحكم في أي دولة يكون بين أمرين إما نظام حكم فردي وشمولي وإما نظام حكم ديمقراطي، والنظام الشمولي يتخذ صورا مختلفة جوهرها واحد، فيتخذ أحيانا بعض الإجراءات في سبيل عمل نوع من التهدئة أو التغطية.. فـ "هتلر وموسوليني" مثلا كان لديهما مجلس شيوخ ونواب ولكن لب الموضوع ظل هو الحكم الفردي، وهذا النظام ما زال موجودا في مصر منذ عهد عبدالناصر أحيانا تخف شدة القبضة أو تغلف بجوانتي من الحرير ولكن الجوهر واحد، فرئيس الجمهورية لديه كل السلطات ولا ينازعه في بعضها إلا الهيئة القضائية والتي غالبا ما يعصف بأحكامها. والمثال الأخير على ذلك هي مسألة جريدة الشعب التي صدرت أحكام نهائية بعودتها وتم العصف بها.
يضيف الهضيبي أن الأحزاب والحياة السياسية مرتبطان بجوهر الحكم السياسي في البلد؛ فالأحزاب معناها التعدد السياسي والفكري وتداول السلطة، وإجراء انتخابات لمعرفة رأي الشعب في البرامج والتوجهات وقدرات القيادة.
وهذا التعدد لا قيمة له إلا إذا كان باب تداول السلطة مفتوحا، وهذا أمر غير وارد في مصر، فالأحزاب داخل حدود معينة من الحرية لا تتعداها والشخص الباقي في السلطة لا يتغير ونسبة الخطأ إلية غير واردة، ورئيس الجمهورية لا يسأل حتى أمام مجلس الشعب ولا يسأل حتى في الجرائم العادية، حتى تكوين الأحزاب داخل النظام الشمولي في مصر أمر صعب وتحت إشراف رئيس الجمهورية، والقدر الصغير من الحرية المتاح لها محدود بحدود قاتلة ومن يحاول تخطي هذه الحدود يمثل أمامه حزب العمل كرأس الذئب الطائر التي علمت إخوان الحكمة، ولكن ذلك فالحياة الحزبية في مصر محدودة ولا أمل في ازدهارها إلا إذا تغير النظام من شمولي إلى ديمقراطي التعددية فيه حقيقية، وتداول السلطة يتم بشكل سلمي وبدون ذلك تصبح الأحزاب كلها صورية—(البوابة)