سأهرب الليلة من الغمّ البلدي ، صوب الهمّ الشخصي . سأؤجل الطقطوقة الوطنية التي مردت قلبي وكبدي ، وأذهب الى المشكل الخاص . ألمناسبة ، هي في ذلك الإرتفاع المروّع في مقياس درجة الكآبة . أحزان خاصة جداً ، بعضها لا أدري سرّ منبعه .
شكاوى ومناحات قد تقترب من جرف البطر ، أو الدلع . عندي - مثلاً - نظّارتان ، واحدة لإيضاح شاشة التلفزيون المسخمة ، والثانية لتكبير حرف الكتاب ، أما في الشارع ، فأسير لابساً عيناي المتعبتين ، فإن شفتُ صديقاً مزعجاً ، ثقيلاً ظله ، طفرتُ نحو الرصيف الآخر ، فإن عاتبني ، ستكون إجابتي واضحة وقوية وواثقة ومفحمة : والله يا صاحبي الطيب الجميل ، إن العتب على النظر .
أقول قولي المشع هذا ، وأثنّي عليه ، بصلية بوسات فوق خد الصاحب ، وإذ أتركه ، فإنني سأكون فريسة سهلة لوسواس مصحوب بمغص الصداقة .
قبل ستة شهور ، انطبق باب سيارة الأجرة على اصبع كفي الوسيط ، وبعد رحلة آلام مميتة ، تقفلع الظفر المعطوب ، وتضعضع أساسه ، بعد أن نما تحته ، ظفر وليد . لم تطل فرحتي طويلاً ، بهذه الإضافة الممتعة ، حيث أن الظفر الجديد ، يغور الآن في ساقيتي اللحم ، المحفورتين على جانبي رأس الإصبع .
ثمة ارتفاع باهظ ، في عديد الأسنان المنخورة بحلقي . خمسة أسنان مسوسة ، اثنان منهم ، لا شفاء لهما ، سوى الخلع ، والباقيات ، بالمقدور تدبّر أمرهن بالتحشية . منذ سنتين ، والطبيب الفنان علي زيني ، يلحّ عليّ لزيارة عيادته ، من أجل أعمال الشلع والحشوة والتجسير ، وببلاش ، لكنني لم أزره حتى اللحظة . أنا منشغل جداً بالمسألة الوطنية ، وأتمنى أن تنخلع وتتسوس وتتعفن ، كل أسنان السياسي الأفندي ، أو المشرول ، أو المعقّل ، أو المعمّم ، الذي يقول ، أنه منزرع على مسافة واحدة ، من جميع الأطياف والأصول والفصول .
ثلاث زرعات حلوات منعشات حنونات مورّدات ، متن دفعة واحدة ، لأن الولد نؤاس ، كان سقاهن أول البارحة ، بماء غسل الملابس . طبعاً ، نؤاس الكبد ، لم يقصد أبداً ، تفليش قلب أبيه . عدد شعرات لحيتي البيضاء ، صار أعظم من عديد الشعرات السود ، وهذا سيلغي تماماً ، فكرة الصعود على سطح الدار ، وتلاوة قصيدة نثر مفخخة ، لبنت الجيران . ما زلت تحت تأثير الصدمة القوية التي سبّبها لي ، منظر كاسر من مناظر فلم الاسبوع الفائت . ألفلم يحكي قصة الليلة الأخيرة من حياة الفوهرر هتلر .
إمرأة كاسرة ، أظنها زوجة الكذاب غوبلز ، في مشهد تسميم ، سلة ملونة من أطفال مخبأ هتلر الحصين . قالت أنها لا تريد أن يقع الأطفال ، طرائد أو فرائس لجند الحلفاء .
جاءت وهي تشيل فوق يمينها ، دورق عصير مسموم ، قالت للصغار ، أن هذا الشراب الطيب المنعش ، سيعينهم على النوم .
ألمخرج القاسي ، أظهر الأولاد والبنات ، وهم يكرعون العصير ، مزفوفاً بابتسامات رضا وامتنان . ثمة طفلة تحمل وجهاً ملائكياً منيراً ، يبدو أنها شعرت بالريبة ، فرفضت شرب العصير المسموم ، إلا أن المرأة الحديدية ، فتحت بالقوة المفرطة ، حلق البنوتة البديعة ، وملأته بالعصير المسموم .
سأكتفي بهذا القدر من توصيف الواقعة ، لأن ما تبقى من المشهد ، سيشجعني على العودة الى العراق ، والارتقاء نحو الطبقة الأخيرة ، من ملوية سامراء ، والتطويح بجسدي الضئيل الذي يشتهي الليلة بقوة ، الاتحاد بالأرض .
في الواقع ، عندي كومة دسمة من المشاكل ، لكن صلتي الطيبة بكم ، توجب عليّ ، أن أتمنى لكم ، قهوة صباح لذيذة ، من دون قراءة جريدة ، أخبارها قد تتسبب في قرقعة معدة مهينة . فيمالله .
عمّان حتى الآن