مهرجان جرش: خمسة شعراء يضيئون قناديل الشعر

تاريخ النشر: 29 يوليو 2000 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

نزيه أبو نضال- عمان 

 

في ثالث أيام الشعر وضمن فعاليات مهرجان جرش التقى الجمهور الأردني بخمسة شعراء : 

شوقي عبد الأمير، وكاظم جهاد من العراق، عزة بدر من مصر، وابراهيم الخطيب وجعفر العقيلي من الأردن، وأضاء كل منهم على طريقته قنديلا من الشعر فتوهج المهرجان وتفاعل الجمهور. 

ممدوح عدوان الذي كان من المقرر أن يشارك في أمسية اليوم اعتذر بظرف قاهر ووعد بالحضور لا حقا للمشاركة في فعاليات الشعر. 

وكان الحضور الليلة أكبر، وبدأ تفاعله أكثر مع الشعر خصوصا مع قصائد إبراهيم الخطيب الساخرة. 

شوقي عبد الأمير  

من غربة امتدت أكثر من عشرين عاما حضر الشاعر العراقي شوقي عبد الأمير مسكونا بوجع المنافي وبآلام شعبه المحاصر.. فيهرب إلى المرأة/ العراق/ الجنوب : 

"سيدتي : 

هذي الليلة  

أخفي زمني وأناشيدي في رغوة أقداحك 

انتظر الموجة مني تسقط في اخدودك 

جرة نسوان القرية غيمات 

شربت من أهوار جنوبك 

وأنا منذ قرون أرعى قطعان الحكمة بين تضاريس جنونك 

هذا جسدي قدح من رمل 

بشقق في برد أفولك 

وطريقي فأس الحفار" 

إلى أن يقول :  

"وفي آخر الوهم  

سيدتي : 

سيستل نهر دمي ويسيل  

فأمنحه جرفه والنخيل 

وأكتمه ما يقول القتيل" 

 

وللخلاص من هذا الزمن المهزوم يتشبث الشاعر بالقرمطي الثائر على سلطان الظلمات : 

"قال لي القرمطي،  

السواد ذراعي  

أقطعها  

وأقول وداعا  

لفرسان هذا الهزيع الأخير 

فلن ينحني الرمح فوق الفريسة  

إذ تتناسل في الطعنات  

أنا الحجر الأسود المتخثر  

في وطن شائخ هدمته القبائل في رحلة الأنبياء 

أنا الحجر المتمدن كالظل في راية للخليفة  

أنا الفرس المتوارث أصهل عبر المدائن 

عند نساء سمرقند  

الجنان التي عانق البدو عارية  

والجزيرة عاقرة  

لم يعد غير وجهي  

بيرقا أسودا وقافلة أبابيل 

-سيدي القرمطي، 

أتيت إلى دكة في تخوم الصحارى  

وكانت بقايا بلاد ومجزرة  

من ربوع الخلافة  

وأفياؤها جزر كالمنافي  

بنيت لها سجفا وأسكنتها عقر داري  

- قال لي القرمطي، 

ردائي نار  

وصوتي فاتحة للرماد  

ولكنني خرسٌ يرتدي الأبجدية  

والعربية لا تقرأ الحلم في الصلوات 

ولا تعرف السم في غيمة  

صدأت مثل سيف البدو والطعنات  

-سيدي القرمطي، 

على هيكل الحرف أفضي إلى حدث وبلاد  

أكون لها شجرا  

وهجيرا  

على هيكل الحرف أسند شاهدتي  

أمدد هذا القتيل المسمى عراقا  

وأجثوا على جمرة من ردائي عناقا  

لحاء عرائي"  

 

عزة بدر  

اختارت الشاعرة المصرية عزة بدر أن ترتد إلى زمن الشقاوات الأولى ومراييل المدرسة وكراساتها، وحيث من هناك تبدأ رحلة العشق الأولى للأستاذ وسط زحمة التلميذات العاشقات، فلماذا تكبر؟ هل لنتلقى الضربات من هراوة الأب والأخ كما تقول بقصيدتها الثانية " أهوي من حالق" : 

زاحمت التلميذات  

بالمريول الأزرق  

بالفستان الكاروهات ! 

من نافذتي  

راقبتك كي أركض  

جذلي بالمريول الأزرق  

بالفستان الكاروهات ! 

لا مست النجمات 

استوقفت الساعات ! 

لم تهمس كيف أراك ؟!  

 

عبثا زاحمت التلميذات  

وشققت الصف  

الفصل هو فصلي  

أنت الأستاذ ! 

ناولتك كراساتي  

ضيعت الأقمار  

والأصفار بالعشرات ! 

كل النجمات تولي  

تذوي في الهامش"  

ثم تنتقل في قصيدتها الثانية لترصد مصائر البنات حين يكبرن: 

"أهوى من حالق  

فزعا من طرق الباب  

فزعا من تحتي الأرض"  

من يكبح خوفي الآن "؟  

ثم تقول: 

"من علمني هذا الخوف الجامح  

من طرح الأشجار  

من أعلى أعلى أعناق النخل  

من ثمر حلو الأعذاق  

من يقتل شوقي المقدام  

نجماتي الحبلى بالوعد  

علا الأسوار على الغزلان  

أنت ؟ 

أمي ؟ 

أحيانا كان أبي !  

وأخي بالهراوة يهوي  

بالفأس  

فوق القلب الضائع"  

 

ابراهيم الخطيب  

في شعر ابراهيم الخطيب موقف شديد الثبات والالتزام، لكنه لا يعبر عنه بغضب، أو بلغة نارية، بل يلجأ إلى السخرية والمفارقة فيقيم مع الجمهور شراكة قوية ومرحة، تجعله يقاطع بالتصفيق ويستعاد مرارا، كما حدث مع قصيدة لعنة الذئب: 

 

"قالوا نكث الذئب بوعده  

قلت لهم ومتى كان الذئب نباتيا 

ومتى جف الدم عن نابيه وخده 

هو لا يرد المرعى خوفا أو طمعا 

هو لا يرد المرعى إلا ليطوف فيسعى  

فالشاة بلا جهة  

والحمل بلا جاه 

وله ممن ولاه ومن والاه 

ولا خوف على غده أو صيده 

ولهذا قر عينا  

قد تختلف المائدة ولا تختلف القاعدة  

الذئب هو الذئب  

لا يخرج أبدا من جلده "  

 

كاظم جهاد  

الشاعر العراقي كاظم جهاد القادم من باريس أيضا مثل زميله شوقي عبد الأمير اختار لنفسه طريقا شعريا خاصا حتى تكاد بعض قصائده تشبه النثر، ولكننا نجده في قصائد أخرى يقترب من ايقاع الموسيقى يحقق من خلاله التواصل المفقود، وكما اختار كاظم جهاد قصيدة النثر فقد اختار كذلك موضوعات خارج دائرة المألوف كما نلمس ذلك من خلال قصيدته غرفة في الطابق الثامن بباريس : 

:يتقاسم الآخرون كعكة مجدهم الكرتوني  

وأنا ههنا حاضنا نبتتين  

أتساءل عن سر الخضرة  

طاردا فكرة الإنقذاف إلى إسفلت الشارع  

جثة مهشمة، مكفرا  

دفعة واحدة عن خطاياي  

مبرقا لأمي : كوني بسلام، 

مندهشا : كم الكون واسع أخيرا 

في غرفة ! 

جاعلا من العالم أوسع بستان  

يمكن أن ينعم به إنسان متوحد، 

نازفا في الداخل لحروب تتهيأ  

باكيا لضحايا لا أعرفها  

صارخا صارخا صارخا صا.. 

 

جعفر العقيلي  

الشاعر الأردني الشاب جعفر العقيلي بحث الليلةعن صوته وحضوره وسط شعراء كبار وتجرأ أن يقول جملته الشعرية بلا تردد، كما في قصيدته "وطن كرتون":  

"وطني  

خارطة كان  

نعلقه  

في حصص الجغرافيا  

فوق.. جدار الصف 

بحدود، 

من جهة الشرق: عصا الأستاذ  

وشمالا: سور المدرسة  

وغربا : أسلاك شائكة  

وجنوبا: يخنقه الخوف  

وطني ظل  

مجرد طبشور، 

وخيال هش  

وخطوط 

نمحوه عن اللوح 

إذا خرج الأستاذ  

ونطوي  

وطن الكرتون -كعادتنا- 

قرب.. غبار .. الرف"— (البوابة)