شهدت ندوة مصرية حول حرية الإبداع توترا عصبيا أدى إلى اشتباك بالأيدي حسب صحيفة "الاتحاد" الإماراتية أمس.
وقالت الصحيفة أن الناقدة فريدة النقاش أدارت الندوة التي عقدت في القاهرة مؤخرا، وشارك فيها عدد من النقاد، والصحفيين، والمفكرين المصريين الكبار، وقد تحدث د.صلاح فضل أستاذ النقد الأدبي بجامعة عين شمس في الندوة قائلا: "الإبداع في كل العصور لا يمكن له أن يحلق بغير جناح الحرية، ومن هنا فإن أي رقابة أو مقص لهذا الجناح هو قتل للإبداع" وأضاف:" إن عهد الانفتاح الإسلامي على جميع الخطابات، هو الذي سمح للثقافة الإسلامية أن تملك خطابا إبداعيا، لا يتصادم مع خطاب الآخر الفقيه، أو الملتزم، أو غيرهما ممن يرون نظم الحياة بشكل مثالي، أو متخيل".
وأكد فضل أنه في التراث العربي القديم والحديث، شواهد لا تحصى من كتابات، عبرت عن قدرة الكاتب على الخيال، دون أن تمس جوهر الدين أو التدين عند هؤلاء الكتاب، الذين لا يمكن التشكيك في قناعاتهم الدينية، وذكر منهم أبا العلاء المعري، وقال:" لو أعدنا قراءة رسالة الغفران، فسوف نجد قدرة هائلة على تحريك الخيال، لكن المعري كان يدري أنه يخاطب بشرا، استقرت لديهم أعراف دينية عميقة، وهي نفس فكرة الرحلة إلى العالم الآخر، التي ابتكرها من جديد، ووصل به الأمر في بعض مشاهدها إلى حالات من التوحد الخلاق الخيالي، لكنه كان يستشهد ببعض آيات الذكر الحكيم".
وحول ما أثاره حزب العمل من ضجة بسبب إعادة نشر رواية "وليمة لأعشاب البحر" للروائي السوري حيدر حيدر قال فضل:" إن الذين أشعلوا حريقا من اجل رواية "وليمة لأعشاب البحر" حتى كادت نيرانه تأكلهم، هؤلاء المهيجون للمشاعر الدينية، أظن أن ثقافتهم العربية الإسلامية غير عميقة، لأن كتب الفقه والملل فيها ما يمثل مساحة واسعة للحرية لا نمتلكها الآن إزاء المحرمات".
وأشار فضل إلى أن للمبدع الحق في كتابة إبداعه في أقصى هامش لحريته، وللقارىء الحق في أن يقبل أو يرفض، لأن القراءة دائما عقد بين كاتب وقارىء، ولابد أن يكون القارىء مسؤولا عما يفعل، وتساءل:" ماذا ينتظر القارىء من كتاب فن متخيل، هل يريد ان يعيد التعرف على ما كان يعرف فعلا؟ أم يريد الدخول إلى عوالم جديدة ومعارف جديدة، ونماذج جديدة؟".
التكفير.. قضية محسومة
أما المفكر الإسلامي جمال البنا فقال:" هناك دائما قوى عميلة تعارض حرية التعبير وتتربص بها، ثم إن قضية التكفير محسومة، لأن القرآن الكريم قررها بصريح العبارة، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، لكن هناك دائما من يخالفون ذلك ويقدمون أسانيد منطقية، ويرون أن من مس الثوابت الدينية برأي، دون سخرية أو استهزاء، يمكن أن ترد عليه الحجة بالحجة والبرهان بالبرهان" وأضاف:" إذا كان العمل يتضمن قذفا يحاكم صاحبه بالقضاء، والقضاء وحده هو الذي يقرر ذلك، وإسلاميا يمكن أن يترك لحاله، ومن القرآن ما يدعو لذلك "انك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء"،إن الحرية في اختيار الإسلام تنبع من الحق في الاختيار، فلا قيمة لإيمان يُجبر صاحبه عليه، ولا تجوز محاكمة كتاب، والحل إما الرد أو الإهمال، أو القضاء إذا كان يتضمن قذفا".
ويعتقد البنا أن الخطر الحقيقي على حرية التعبير، يأتي من النظم السياسية، وحول أزمة "الوليمة" قال:" من حق طلبة الأزهر أن يتظاهروا، ومن حق صحيفة "الشعب" أن تقول ما تشاء، لكن أن تغلق الحكومة الصحيفة، وحزب العمل فهذا ما أريد التنبيه إليه"، وتساءل:" لماذا تحارب الأنظمة السياسية حرية التعبير التي كفلها الإسلام إما بالإيمان أو بالكفر".
وعلق محمود أمين العالم بقوله :"في ثلاثينات القرن العشرين كتب مفكر هو إسماعيل أدهم كتابا عنوانه (لماذا أنا ملحد) فرد عليه مخالفون في الرأي وكتب أحدهم مقالا عظيما بعنوان( لماذا أنا مؤمن)، ولم يكن بينهما إلا الحجة التي يقارعون بعضهم بها، لم يكفروا بعضهم ولم يشهروا السلاح في وجه بعضهم، مثلما يحدث في السنوات الأخيرة التي أصبحت مرتعا للمخربين والجهلاء، يفتون بغير علم في قضايا لم يدركوا بعد أبعاد فتاواهم فيها". وأضاف :" هناك محاولة للاستيلاء على سلطة الضمير، لماذا تتفجر اليوم مشكلة حول رواية أدبية، ونحن نعيش حالة مجتمعية بائسة من الجهالة والتسطيح والسياسة التعليمية الخاطئة". وتساءل:" أين الديموقراطية الحقيقية؟!هذه هي قضية القضايا، ومن جوهر هذه القضية وفي اللب منها حرية الإبداع التي تعكس حرية النوع الإنساني عموما".
وتمنى العالم أن يجري الجميع حوارا فكريا خلاقا يخرج بهم من محنة الارتداد إلى الوراء ليتفرغوا لمشاريعهم ومستقبلهم، ولمواجهة قضاياهم الملحة.
نموذج تونسي
وعن تجربته مع المنع تحدث المخرج المسرحي التونسي عز الدين المدني قائلا:" لقد مررت، عبر تجربتي الطويلة مع الإبداع، بعدوان في تونس مثل هذا العدوان الآن، حين كتبت رواية اسمها (الإنسان الصفر) في أوائل الستينات نشرتها مسلسلة في مجلة متخصصة لكنهم صادروها وأحرقوا أعداد المجلة، وكتبت الجزء الثاني وقدمته لمجلة أخرى في الـ 1968 تحديدا، لكنهم فعلوا نفس الأمر، ومع مطلع عام 1971، كتبت جزءا ثالثا لها وصادف المصير نفسه، و لم أتوقف، فكتبت بعد ثلاثين عاما الجزء الرابع ونشرته ولن أتوقف أبدا" وتساءل المدني:" لماذا يظل هناك ظلاميون يخيفهم الإبداع، ففي تونس يلعب مشايخ جامع الزيتونة دورا كبيرا في تحويل تونس إلى مكان معزول عن العالم، وكأن الإسلام مرادف للعنف والجهل، وهو ليس كذلك لو كانوا يعلمون".
وأكد المدني أنه لو أكمل رجال الأزهر الجهد الإسلامي المعتدل ،الذي بدأه الإمام محمد عبده، ما كانت هناك مشكلات في كبت للحريات من قبل الإسلاميين المتشددين".
برلمان للمثقفين
وتحدثت مقدمة الندوة فريدة النقاش عن فكرة برلمان للمثقفين طرحها محمود أمين العالم،و هي لجمع شملهم وبلورة قضاياهم والدفاع عنهم، وطالبت بالتصويت عليها، وأشارت على من يريد المشاركة بترك اسمه لإبلاغه بموعد الاجتماع التأسيسي.
وعلق حمدي صباحي مقرر اللجنة الثقافية في نقابة الصحفيين المصريين على موضوع "وليمة " حيدر بقوله:" لقد صدرت هذه الرواية في بدايات الثمانينات مع بداية عمل المقاومة اللبنانية فهل كانت هذه المقاومة ستنجح في دحر العدو الصهيوني، إذا كانت قد توقفت عند سطر أو أكثر من سطور هذه الرواية؟". وأضاف:" لقد قرأت هذا العمل منذ ثماني سنوات ولا يمكنني أن أخالف مشاعر الأمة وثوابتها الأساسية، خاصة وأن سطور هذه الرواية المعترض عليها لا تمثل غير إسفاف مباشر"، وأكد أنه لا يصح الدفاع عن هذه السطور بحجة حرية الإبداع، لأنها سطور لم تضف للنص شيئا واعتبرها إسفافا خالصا.
وأشار :" إذا كنا نريد ان نتحدث عن الحرية، فلابد أن نطالب الدولة بإطلاق حرية تكوين الأحزاب وإصدار الصحف، وندين إغلاق حزب العمل وصحيفة "الشعب" أولا قبل الدفاع عن هذه السطور، لأنها في النهاية تمثل ثوابت الأمة التي لابد منها كي يظل احترامنا لأنفسنا باقيا للأجيال الجديدة".
ثقافة الخوف
أما الدكتور محمد السيد سعيد نائب مدير مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية فقال:"إن الغرض من هذه الحملة هو: إشاعة ثقافة الخوف بين الناس، وترويع المثقفين العزل وتهديدهم بالقتل، وإشاعة أجواء الرقابة الذاتية الداخلية" وأضاف أنه يرى في هذه الحملة إهدارا لصورة مصر كمنارة للثقافة، وكمصدر من مصادر الحرية، حتى لا يكون هناك اجتهاد في الفكر، وأن فيها مطالبة بعودة مصر ولاية عثمانية ، وإهدارا لصورة الدين الحنيف وإظهاره بمظهر العنف الدموي، والتكفيري- -(البوابة)