قبل سنوات، اظنها خمس، لملم خالي العزيز، حقائبه البغدادية المحملة بالتمر وبالطرشي وبالمكاتيب وبالمحبة واذ ترجل من الحافلة المنهكة التي قطعت به وبالذين معه أزيد من الف كيلومترحتى محطة (عمان) كنت انتظره صحبة الزوجة والعيال الاحفاد، طششنا علي خديه بوسات ساخنات كأنهن الفراق، فرد علينا بمثلها وتشمم عطر الاحفاد وانزل من عينيه دموعاً وشوقاً يقصر العمر ويقصف الروح.
في مفتتح ايامه العمانيات، اسرني خالي بطريقة تشبه الوشوشة، وهو القادم من البلد، معبأ بالخوف وبالهواجس وبيافطة (ان للجدران آذاناً) قال انه مندهش ومستغرب اذ اكتشف ان ازيد من نصف الشعب الاردني، يشتغل لصالح مخابرات بلاده. قلت لخالي بنفس كمية الدهشة التي دلقها علي، كيف عرفت ذلك؟ قال لقد رأيتهم في الشوارع وفي المقاهي وفي سيارات الاجرة العامة والخاصة يتأبطون ويحملون ويتحزمون بجهاز (لاسلكي) وكان خالي يقصد بالطبع التلفون النقال او المحمول او الموبايل الذي يستخدمه الناس هناك كجزء من متطلبات الحياة وليس شكلاً او ديكوراً.
اخبرت خالي بالقصة كاملة فأطرق وتفكر وضحك وكاد ان يموت قهراً علي بلد ــ هو العراق ــ ينام علي بحر من ذهب ويصحو علي شحة وقلة حيلة ونضوب حيل وعظيم عوز ــ تذكرت تلك الحكاية القصيرة جداً وانا اعيش مشهداً بلدياً جديداً ساح فيه جهاز الموبايل علي الناس وتلقفته الايدي - القادرة علي الدفع في البدء ــ واستعدت ايضاً، كيف تم اعدام الشباب الواعد بتهمة حملهم جهاز (ثريا) وهي الماركة الاشهر المعروفة في مداولات مجلس الوزراء البائد، حيث حامل "الثريا" كمن يحمل فضيحة او جريمة او هو (جاسوس) او (خائن) واشياء اخرى تؤدي الى تحويل ربطة العنق الملونة الى حبل (جنفاص) تموت على محيطه آخر الشهقات. الموبايل اليوم، في بلدنا الجديد او الذي نتمني ان يكون جديداً، صار ظاهرة حضارية يستحقها وتستحقها رعية البلد الذي لم يعد بوسعه تكرار سفر النزيف.
الناس تستخدمه هنا، ليس كنتاج او كمظهر من مظاهر البطر والبطرنة، بل لانهم أجلوا وغيبوا وتم التعامل معهم ــ داخلياً وخارجياً ــ على انهم عمالة رخيصة وحاشاهم فعلى ساحاتهم انولدت اول قصيدة واول اغنية واول قانون أن حملت الهاتف النقال، عليك ــ في البدء- ان تدافع عن نفسك كونك متهماً بـ (التفييك) وهذا واحد من مصطلحات انولدت على هامش زمن (ام الهزائم الخالدة). ان حملته ــ ايضا ــ عليك ان تحسب حساب اصدقائك وجلاسك الذين تصير روحهم وقلقهم في العائلة بعد منتصف الليل او منتصف الكاس الامر الذي يؤدي الي خسارتك مبلغ البطاقة الاولى في شحن الجهاز.
الشبكة ــ ايضاً ــ لم تستقر بعد، فلا تتفاجأ ان اتصلت بعمتك للاطمئنان علي صحتها وصحة قدر (الباجة) فيجيبك احدهم بصوت غليظ او مبحوح: اخي النمرة غلط!
ظاهرة الهاتف النقال في اولها، ظاهرة حضارية ومشروع قفزة او مقترح دردشة او علامة صحة او اشارة الى انفتاح الابواب التي كانت موصدة على شعب لايستحق الا السعادة والسلام
