عزت الراميني
بات واضحاً بأن السياسة التي اتبعها باراك قد أخفقت حتى من وجهة نظر المحللين السياسيين الإسرائيليين، وأمام هذا الواقع لم يعد أمامه إلا تقديم المزيد من التنازلات، إما لصالح حكومة طوارئ بمشاركة الليكود ووفق شروط شارون، أي حكومة برأسين، وإما المزيد من تدليع حزب شاس وإرضائه ضماناً لشبكة أمان في الكنيست، بدون ذلك سيسقط باراك إلى هوة سحيقة تضع نهاية غير حميدة لمستقبله السياسي والحزبي وتراثه العسكري، وبغير ذلك فلا مناص له إلا العودة إلى المفاوضات والقبول بانتخابات مبكرة تطبخها الانتفاضة الفلسطينية على نار هادئة أحياناً وحامية تلسعه أحياناً أخرى.
يلعب باراك في هامش ضيق جداً كأنما يسير على حبل غير مشدود، فإقناع الفلسطينيين بالعودة إلى طاولة المفاوضات ووفق شروط الفلسطينيين بعد الانتفاضة هو خيار مرجح أكثر من غيره، وإذا ما قورن بانتخابات مبكرة فهو أهون الشرين بالنسبة لباراك.
وهنا سيحسب كل طرف حصاد الحقل لديه بحيث يتواءم مع حسابات البيدر، ولعل ما يدفع الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي إلى خيار المفاوضات، هو اعتباره خياراً لا مفر منه في نهاية الأمر.
ومحصلة الحسابات تتجلى في الجانب الإسرائيلي بالخروج من مأزق باراك مع تنامي نزوع المجتمع الإسرائيلي نحو التطرف واليمين ومطالبته بحل دموي إزاء الانتفاضة، وهو ما لا يقدر عليه حيث يهدد ذلك حزب العمل وسياساته بالانشقاق المحتوم، إذا ما توغل أكثر من ذلك في استخدام القوة وإراقة الدماء، وكذلك تخلصه من لعبة المقامرة مع الأحزاب الصغيرة غير مضمونة النتائج، مضافاً إلى ذلك كله فشله السياسي بتوصله إلى اتفاق عقب محادثات كمب ديفد ومحاولته الإيحاء للرأي العام الإسرائيلي بأنه قدم كل ما يمكن تقديمه للفلسطينيين محملاً عرفات مسؤولية الفشل، دون أن يبرهن على ما قدمه من تنازلات، الأمر الذي كشفه الإسرائيليون بوضوح تام.كما فشل خياره العسكري الذي قاده موفاز في محاولة لإخماد الانتفاضة مستخدماً ترسانته العسكرية دون جدوى مما سبب له خسارة على كل المستويات.
فقد خسرت إسرائيل علاقاتها العربية فاستدعاء السفير المصري وتجميد الأردن لعودة سفيرها إلى إسرائيل وقطع العلاقات التونسية والعمانية والمغربية والقطرية مؤخراً من نتائج الفشل السياسي والعسكري لباراك وحكومته إضافة إلى ذلك فقد تنامي التخوف الأميركي في وصول المنطقة إلى حالة الانفجار الإقليمي مهدداً وحاملاً مخاطره على المنطقة والمصالح المختلفة فيها بعد أن حركت الانتفاضة الشارعين العربي والإسلامي.
إضافة إلى تغير نسبي في مزاج الرأي العام العالمي لصالح الفلسطينيين ناهيك عن الاستنزاف البشري والأمني والاقتصادي والدبلوماسي التي تعانيه إسرائيل بفعل الانتفاضة وتعالي الأصوات الإسرائيلية المطالبة بالحل السياسي مع الفلسطينيين والتي وصلت إلى حد دعوة المستوطنين بالعودة إلى إسرائيل والطلب من الجيش الإسرائيلي بعدم حمايتهم وتزايد القناعة لدى الكثيرين منهم بأن الضفة والقطاع مناطق محتلة لا بد من إعادتها للفلسطينيين.
كل ذلك لا يحمل إلا معنا واحدا يصب في خانة الهزائم الاستراتيجية لباراك وحكومته الأمر الذي يدفعه اضطراريا للتفكير الجدي بمخرج سياسي لا يعدو عن العودة إلى طاولة المفاوضات مع الفلسطينيين.
ومؤشرات ذلك بدأت في التصريحات التي أطلقتها اولبرايت وزيرة الخارجية الأميركية بطلب عقد مفاوضات بين الطرفين برغبة من عرفات على حد قولها وموافقة الإسرائيليين على ذلك وتجسد هذا في لقاء أمين عام الرئاسة الطيب عبدالرحيم مع نائب وزير الدفاع الإسرائيلي افراهام سنيه في ابرز والذي كان هدفه كسر حلقة الجمود القائمة منذ فشل محادثات شرم الشيخ وتفاهمات بيرس عرفات حيث حقق هذا اللقاء بعدا سياسيا تجلى باتفاق الجانبين على تنفيذ اتفاق شرم الشيخ وكبادرة حسن نوايا تمخض عنه أيضا فكا جزئيا للحصار الإسرائيلي الاقتصادي على الفلسطينيين بالبدء الفوري بتزويد قطاع غزة بالمشتقات البترولية التي نفذت تماماً.
كل هذا يدلل بالقطع عن استجابة صاغرة لباراك للعودة إلى المفاوضات مع عرفات الذي قال عنه في وقت سابق بأنه غير شريك في عملية السلام.
أما على الصعيد الفلسطيني فيبدو الآمر مختلفا قليلا إذا ما عرفنا بأن الهدف الذي اندلعت فيه الانتفاضة وتكرس دون أي لبس هو نيل الحرية والاستقلال وشكل هذا الهدف القاسم المشترك الأعظم لألوان الطيف السياسي الفلسطيني بما في ذلك السلطة الوطنية إلى حد كبير، إلا أن الرؤية لتحقيق هذا الهدف تتفاوت من طرف إلى آخر يجمعها في هذا الشأن استمرار الانتفاضة وتصعيدها موضوعيا.
ألا أن الجانب الفلسطيني الرسمي يدرك بأن وزنه التفاوضي أفضل بألف مرة عما كان عليه الأمر قبل الانتفاضة ولعله بذلك يحقق شيئا أفضل وفق منطق البرغماتية السياسية التي عودنا عليها ياسر عرفات وإدراكا من هذا الجانب أيضا بأن ما يمكن تحصيله من حزب العمل مكسب قد لا يتحقق إذا ما جاء حزب الليكود الذي رفض العملية السلمية برمتها فالسلطة المحت إلى استعدادها للعودة إلى طاولة المفاوضات دونما شروط كما جرى باجتماع الطيب عبدالرحيم وأفرام سنيه.
في الوقت الذي يرى فيه طرف أخر في السلطة بضرورة تحديد شروط تستند على مرجعية جديدة مع إبقاء المزج بين المفاوضات والانتفاضة.
فيما تأخذ أطراف الحركة الوطنية موقفاً مغايراً يستند من جهة للعودة إلى طاولة المفاوضات على أساس الشرعية الدولية لتنفيذ قرارات مجلس الأمن ذات الصلة وتحت رعاية الأمم المتحدة في ظل استمرار الانتفاضة وتصعيدها كأقصر الطرق لتحقيق أهدافها.
الانتفاضة فيما يرى طرف آخر بأن خيار المقاومة المسلحة وتصعيد الانتفاضة هو المسبيل الوحيد بعد أن أثبتت المفاوضات عقمها بالملموس في ظل موازين قوى مختلة لصالح الإسرائيليين وفي ظل الانحياز الأميركي لها.
هذه معطيات الخريطة السياسية الفلسطينية العامة فيما يتعلق بالمفاوضات والموقف منها إلا أن قراءة هذه الخريطة وفقاً لمعادلة النفوذ السياسي والتنظيمي والجماهيري الأكثر تماسكاً يصب في إطار بوتقة السلطة الفلسطينية والجانب الرسمي فيها آخذين بعين الاعتبار التفاوت الحاصل داخلها والذي يمكن حسمه لصالح الطرف الرسمي بتعديلات شكلية قد يلجأ إليها الرئيس عرفات.
وهذا ما يخلق تعارضات في الشارع الفلسطيني الذي قدم تضحيات جسام وتجلى بوحدة وطنية ميدانية يخشى عليها بالرغم من دورها القيادي بفعاليات الانتفاضة.
كما ويخشى أيضا من توسيع المسافة التي اقتربت إلى حد الالتصاق بين السلطة وحركة الشارع الفلسطيني وقواه الوطنية والإسلامية خصوصاً بعد أن تعرضت قوات ومقرات السلطة للقصف.
ولا أدل على ذلك من موقف الاتحاد الديمقراطي فدا حليف السلطة والمشارك في حكومتها الذي رفض العودة إلى طاولة المفاوضات ورهنها بالرعاية الدولية تحت إشراف الأمم المتحدة لتنفيذ قراراتها 242 و 338 و 194 ومن الملفات أيضاً صدور بيان سياسي صادر عن القوى الوطنية والإسلامية بتاريخ 25/11/2000 بمناسبة يوم التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني اختصر توقيعه على تسع قوى ورفض توقيعه كل من حماس وحركة الجهاد الإسلامي وطلائع حرب التحرير الشعبية قوات الصاعقة والقيادة العامة وهذا محظور علينا أن نعمل من أجل تلافيه حرصاً على الانتفاضة من جهة وتحقيق مكاسب سياسية تليق بمستوى التضحيات التي دفعت حتى الآن.
من هنا نرى أن الاقتراب الجدي نحو المفاوضات بعد رفض شارون لتشكيل حكومة طوارئ بات أمراً واقعياً في المدى المنظور تؤسس لانتخابات إسرائيلية مبكرة خصوصاً وأن عدداً متزايداً من قادة حزب العمل وعلى رأسهم يوسي بلين وصفوا باراك بكارثة تحيق بالحزب والدولة.
وأخيرا فإن اقتراب باراك من المفاوضات هو اقتراب أكبر باتجاه انتخابات مبكرة ويتناسب طردياً إذا ما قدم أية تنازلات لصالح الفلسطينيين.