أقيمت في القاهرة ندوة موسعة حول رواية"عصافير النيل" للروائي المصري إبراهيم أصلان،أدارتها الشاعرة غادة نبيل وشارك فيها العديد من النقاد بدراسات نقدية وشهادات.
وحسب صحيفة"الراية" القطرية اليوم السبت، فقد شاركت في الندوة الناقدة فريدة النقاش التي اعتبرت ان رواية" عصافير النيل" التي صدرت طبعتها الأولى في بيروت عام 1999، رواية مراوغة، فذة وملتبسة، ويمكن قراءتها في مستويات عديدة، المستوى الأول والمهيمن هو الموت، كما يدخل في نسيجها كل ما يبدو وكأنه حقائق الحياة الجديدة مثل مطاردة المناضلين السياسيين واعتقالهم، والموظف الذي يحال الى المعاش، والمشروعات التجارية الهزيلة بهزال الحياة الاقتصادية لحي فقير، وغير ذلك.
وبينت النقاش أن هذه الرواية ليس لها بنية ثابتة ،كما هو حال جنس الرواية كله، والجديد فيها هو ذلك التماثل بين حالة السيولة الدائمة التي تتخلق بسبب غياب البنية الثابتة، وبين الحالة المجتمعية التي تعيد للرواية تركيبها، وأضافت بأنها صيرورة وحالة انتقال ومعرفة بخبايا أشواق الإنسان التي تتطلع لمطلق مستحيل يعبر عنه عمق الهم الوجودي والحيرة أمام حقيقة الموت الأزلية والصلبة، وهو الموت الذي تتخلق منه الحياة، الموت الخادع لأن الحياة تنبت فيه، وشبهت فريدة النقاش ذلك بالخبز الذي حين يتعفن يخضر لتنبت منه الحياة من جديد، وضربت على ذلك مثل الجدة العجوز "هانم" التي تهيمن على هذه الرواية بكل ما يحمله العجز والترهل والخوف من دلالات، وكذلك فإن هذا الحي الواقعي الذي يرفعه مستوى العقل وشاعريته الى الرمزي إنما يعيش على حافة الماء فتبقى هيمنة المكان ذات مستويات عديدة، ومثلما تكشف لحي بن يقظان انه ما دامت هناك رطوبة وحرارة فلابد أن تتخلق حياة، فإن هذا العالم يقف على الحافة بين الحياة والموت بكل ماديته المتناثرة.
وأكدت النقاش في نهاية هذه الدراسة ،أنه طالما أن الرواية غير قابلة للتنظيم إلا ضمن مستوى مجرد، فإننا نظل نبحث ضمن هذا العالم المتقلب غير المنتظم ونسعى لإعادة تركيبه خائفين من الموت مشدودين للحياة.
وتناولت الناقدة د. منى طلبة في الدراسة الثانية الشكل الفني الذي اختارته هذه الرواية وهو شكل اقرب الى الهرم المقلوب، وأشارت إلى أن هناك حبكة رئيسية تواتينا منذ البداية متمثلة في موت عبد الرحيم الابن، واختفاء الجدة هانم المختلة عقليا، ومع ذلك فالكاتب يسحب من هذه الأزمة أهميتها الرئيسية التي تتصدر الرواية لتتفتت إلى شبكة من الازمات الاجتماعية والوجودية الخاصة بمختلف أفراد الاسرة، وأضافت بأن هذه الحبكات المتداخلة والموزعة على مجموعة من المشاهد التي يفصل بينها فراغ، يقيم المعمار العام لهذه الرواية ولا يخلخله، وأن مثل هذه الحبكات المتكاثرة تشتتنا عن حبكة التية ـ الرئيسية ـ للجدة، فنجد ان الحبكات أو الازمات التي يمر بها الأبطال تشغل مساحة القص، لتبدو في تعقد كل منها سببا كافيا للتلهي عن البحث الجاد عن الجدة، كما تبدو من جهة ثانية في العمق أسبابا غير مباشرة لهذا التية الذي أصابها!
وتؤكد د.منى طلبة في نهاية هذه الدراسة ان ذروة تدرج فصول هذه الرواية فصول التكوين أو فصول الفناء السبعة، نجدها تارة في بدايتها وأخرى في نهايتها، فالبحث عن الجدة الذي شغلنا وعاد بنا الى مشاهد موت أفراد أسرتها الواحد تلو الآخر، صريع الفقر والقهر، يقابله في النهاية البحث عن البلد/ القرية عن قمة اخرى أو عن أزمة اخرى حقيقة غير تلك التي نسعى الى حلها منذ البداية.
وأشار الشاعر حلمي سالم في الشهادة الثالثة إلى تميز إبراهيم أصلان بين أبناء جيله، باعتماده على التفاصيل الصغيرة وابتعاده عن القضايا الكبرى،وأضاف بأن هذه السمة أصبحت الخيار الأساسي وربما الوحيد للكتابة الجديدة الآن، ومن خلالها أصبح أصلان صاحب ثلاث قضايا ريادية هامة هي الوصول الى القضايا الكبرى من خلال الانغماس في التفاصيل الصغيرة والابتعاد عن الغنائية بالمحافظة على مسافة بينه وبين التجربة التي يرصد لها، وختم سالم بأن الشظف أصبح من أهم علامات أو مطامع الأعمال الإبداعية في اللحظة الراهنة.
يذكران الروائي الكبير إبراهيم أصلان كاتب "عصافير النيل" هو رئيس تحرير سلسلة آفاق الكتابة، وصاحب القرار الأول في إعادة نشر رواية "وليمة لأعشاب البحر" التي أحدثت مؤخرا أزمة في الأوساط الثقافية المصرية والعربية - -(البوابة)