نص خطاب الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات:

تاريخ النشر: 18 ديسمبر 2001 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

"بسم الله الرحمن الرحيم" 

"إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد" 

"صدق الله العظيم" 

أخوتي أخواتي، أبناء وبنات شعبنا الفلسطيني المناضل.. 

يا شعب الجبارين.. 

يا أمهات الشهداء وآبائهم وإخوانهم.. 

يا من قدمتم أعز ما نملك، من فلذات الأكباد على طريق الحرية والاستقلال، طريق فلسطين والقدس الشريف، يا جحافل الأسرى والجرحى والمعتقلين .. يا من بصمودكم، وجراحكم، بألمكم ,, وأملكم، سطرتم أمثولة نضال قل نظيرها في هذا العصر، وفي هذا العالم حتى أصبحنا – بإذنه الله_ قاب قوسين أو أدنى من القدس الشريف .. من القدس الشريف .. من القدس الشريف..عاصمة دولتنا الفلسطينية المستقلة. 

يا أحبائي في المدن والقرى والمخيمات، في فلسطين وفي الشتات، يا صناع ملحمة النضال الوطني ومعجزة الصمود المجيد، وأصحاب الفضل الأول والأخير، في الحفاظ على قضيتنا الوطنية والقومية، والحفاظ على أهدافنا المشروعة والعادلة وبالضمانات الأكيدة لتحقيقها. 

أحييكم من القلب والوجدان وكل عام وأنتم بخير 

في هذه الأيام المباركة .. أتحدث إليكم، حديث القلب إلى القلب والعقل إلى العقل .. عن الحقائق الساطعة كما هي .. لنفكر معاً، في كل شأن يهمنا جميعاً، ولنرشِّد معاً قراراتنا، وتوجهاتنا، وإني لعلى يقين، من أن هذا الشعب "شعب الجبارين" يمتلك من سداد الرؤيا، وصفاء الوعي وقوة الإرادة والصمود ما يؤهله لتجاوز الصعاب والتحديات لتثبيت حقوقه وحماية مقدساته المسيحية والإسلامية وحتمية نصر شعبنا الأكيد على أرضه الحرة المباركة، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين مسرى نبينا محمد (ص) ومهد سيدنا المسيح (ع). 

وإن وحدتنا الوطنية هي الأرض الصلبة التي نقف عليها وهي التي تحمي مسيرتنا على مدى العقود من جهادنا وصمودنا الوطني المجيد، وهي التي وفرت لخيار السلام الدائم والعادل والشامل كل مقومات الحماية، وضمانات الحقوق، وعناصر التقدم الحثيث نحو أهداف الإجماع الوطني، دون تنازل أو تفريط ودون غياب للأولويات السليمة، في القرار، وفي الممارسة. 

لذا .. فإنني ومن موقعي وباسم القيادة الفلسطينية، أجدد التأكيد على المفهوم العميق والواضح للوحدة الوطنية، على أنها وحدة جميع الفصائل والقوى الوطنية، ووحدة القوى الشعبية وشرائح المجتمع كلها على قرارات وخيارات الإجماع الوطني، التي جسدتها مجالسنا الوطنية والتشريعية والمركزية، نعم التي جسدتها مجالسنا الوطنية والتشريعية والمركزية. 

ولهذا كانت منظمة التحرير وما تزال هي الخيار الأساسي لشعبنا في الوطن والشتات، والذي يجمعنا .. ويقود كفاحنا، ويجسد شرعيتنا، ويتحدث باسمنا وكذلك سلطتنا الوطنية التي تبقى كما أراد لها الشعب الفلسطيني، القاعدة الصلبة لدولتنا الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف بإذنه تعالى، من خلال مجلسها التشريعي المنتخب وجميع مؤسساتها بما فيها القضائية والقيادية ومن خلال شرعيتها التي لا تنازع عبر صناديق الاقتراع، وعبر الإجماع الدولي على الاعتراف بها، والتعامل معها كنموذج للتعامل المستقبلي مع دولتنا الفلسطينية، وأغتنم هذه الفرصة لأؤكد مجدداً على خيارنا الديمقراطي واستعدادنا لإجراء الانتخابات الديمقراطية في قطاع وفي كل وجهة البلدية والتشريعية والبرلمانية حال توفر الظروف الملائمة والآمنة لذلك. 

ونظراً لمكانة السلطة ومغزاها الراهن والمستقبلي، فإن حكومة شارون تشن حربها الشرسة ضدها، ضد مؤسساتها، ومنشآتها، ضد أفرادها وضباط شرطتها وأجهزة الأمنية، وضد البنية التحتية التي عملنا جاهدين مع الأشقاء والأصدقاء، لإعادة بنائها، ضد مواطنينا وضد ممتلكاتنا، ضد مدارسنا ومستشفياتنا، والحقول والمساجد والكنائس والمزارع بما فيها أشجار الزيتون، الشاهدة على عراقة هذا الشعب وعمق جذوره في الأرض والتاريخ. 

نعم.. أنها حرب على الشعب وسلطته، وموارده وأمنه الشخصي والاجتماعي والاقتصادي، وعلى حلمه المشروع في بناء مستقبله بدون احتلال ودون اضطهاد وبدون إذلال. 

إنني ومن عمق هذه المعاناة، وهذا الصمود الأسطوري لشعبنا، ومؤسساتنا، أقول، إن هذه الحرب الباغية، التي تشنها إسرائيل لن تكسر شوكة شعب الجبارين ولن تنال من عزيمته وكبريائه الذي لا يمكن أن يهان.. لا يمكن أن يهان، والتاريخ خير شاهد على ما أقول. 

وأود يا اخوتي في هذا الظرف أن أؤكد بأننا لن نسمح لكائن من كان، بأن يزعزع مشروعنا الوطني والقومي والحضاري الكبير، أو يضع العراقيل في طريقه، أو يشوه صورته، ويزور مضمونه الوطني العربي الناصع البياض. 

لن نسمح بغير سلطة واحدة على هذه الأرض، وفي هذه المجتمع والوطن، سلطة حين تتخذ قرارها فلا بد أن يحترم.. فلا بد أن يحترم، وحين تقطع عهداً فلا بد وأن يوفى .. وحين تبرم اتفاقا أو تتخذ مبادرة فلا بد من توافر ، نعم المصداقية الكاملة لموقفها. 

إننا أيها الأخوة، أعلنا حالة الطوارئ وقمنا بسلسلة من الترتيبات والإجراءات وسنستمر بها بما فيها إعلان التشكيلات غير الشرعية ذات النشاطات الإرهابية خارجة عن القانون، وأقدمنا على مبادرة وقف إطلاق النار، ويتعين على الجميع احترام هذه المبادرة والتقيد بها، "الإسرائيليين لا يحترمونها ولا يريدون وقف إطلاق النار، ولكن علينا أن نحترم نحن ما نقوم به"، نعم احترام هذه المبادرة والتقيد بها، وإنني اعلم علم اليقين، بكل ما يرمي إليه شارون، من عدوانه العسكري المتصاعد وحصارهم لمدننا وقرانا ومخيماتنا واحتلاله لمناطقنا مستغلاً هذه العمليات التي تحدث ضد المدنيين الإسرائيليين والتي أدنّاها وندينها. 

إن هذا الصراع المعقد الذي نحن فيه، لا يسمح ويجب أن لا يسمح بهز مصداقية القيادة وقراراتها، ولا يجب أن نسمح أو نمنح لشارون ومؤسساته العسكرية كل ما يحتاج من مبررات لتصعيد عدوانه وتزويده بما يساعده على وصم نضالنا التحرري المشروع والشجاع بالإرهاب وقتل المدنيين .. 

إنني أؤكد مجدداً اليوم، الوقف الشامل والفوري لجميع الأعمال المسلحة، وأدعو مجدداً إلى وقف تام لأية عمليات وأعمال وخاصة الهجمات الانتحارية التي أدناها دائماً وسنحاسب كل مدبريها والمخططين لها، وكذلك إطلاق الهاونات التي لا هدف لها سوى إعطاء المبرر للهجمات الإسرائيلية ضدنا ضد شعبنا ضد أطفالنا ونسائنا. 

وإن أي خروج على هذا القرار سيعد مساً وإضراراً بالمصالح الوطنية العليا لشعبنا ولأمتنا العربية وسيتم ملاحقة الخارجين عليها بصلابة. 

إن الهدف من ذلك هو تأكيد مصداقية توجهنا وخياراتنا بغية استعادة الهدوء لتنفيذ توصيات ميتشل وتفاهمات تينت والعودة إلى طاولة المفاوضات التي تشكل ويجب أن تشكل الوسيلة الوحيدة لحل الصراع. 

إنني على يقين من صلابة الإجماع الوطني على هدف الحرية والاستقلال وبناء الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، وفي إطار قرارات الشرعية الدولية بما فيها 242، 338، 425، و194 الخاص باللاجئين، ومبدأ الأرض مقابل السلام. 

أيتها الأخوات أيها الاخوة.. 

إننا هنا نقف على أرض الرباط .. دفاعاً عن شرف الأمة وثغورها وذوداً عن كرامتها، ومقدساتها المسيحية والإسلامية. 

وإنني لأتوجه بكل مشاعر الشكر والامتنان لكل من قدم لنا من الأشقاء والأصدقاء في العالم الدعم والإسناد السياسي والمعنوي والمادي، سواء على الصعيد الشعبي أو الرسمي، وإنني اشعر كما يشعر كل فلسطيني، بثقة كبيرة، حين تنعقد الإطارات العربية والإسلامية وعدم الانحياز والدولية الأخرى بدعوة منا أو من أجلنا. 

إنها لرسالة متجددة للعالم بان الفلسطينيين ليسوا وحدهم، وان أمتهم العربية وأصدقائهم في العالم، ملتزمين بهم وبصمودهم وبأهدافهم، ولحماية أطهر مقدساتهم المسيحية والإسلامية في أرض الرباط الأرض المقدسة، الترسنطة. 

أيتها الأخوات أيها الاخوة: 

لا بد لنا أن نعي تطورات الوضع الدولي، خاصة بعد الأحداث الإرهابية في نيويورك وواشنطن في 11من أيلول/سبتمبر الماضي، وتأثير ذلك على قضيتنا وحقوقنا وسوف نحرص على الدوام على أن نظل على تماس دائم مع جميع القوى المؤثرة في هذا العالم، كما نحرص على فهم المتغيرات المتسارعة، والتعامل معها بكل وعي ورصانة وتوازن وكذلك الحفاظ على الزخم الدولي تجاه قضيتنا وحقوقنا، في وقت يتزايد فيه التحريض المغرض علينا، وتتكاثر المحاولات الظالمة لوصم صمودنا التحرري المشروع، المشروع لإنهاء الاحتلال والمؤيد تماماً من الشرعية الدولية بوصمه بالإرهاب، وأستطيع القول بكل فخر واعتزاز، أننا بصمود أبنائنا، وتضحياتهم، وبإدارتنا الواعية للصراع المعقد فوق كل ساحاته، تمكنّا من إفشال جميع محاولات تزوير أصالة نضالنا ونبل أهدافنا، وسجلّنا على الصعيد الدولي، إنجازات غير مسبوقة. 

إن الرؤيا التي طرحها الوزير كولن باول حول القضية الفلسطينية والتي وضع مقدمتها الرئيس جورج بوش حين أعلن التزامه بدولة فلسطين أمام الأمم المتحدة، وكذلك الموقف الأخير الواضح والحاسم من قبل الاتحاد الأوروبي وروسيا والأمم المتحدة والدول العربية والإسلامية ودول عدم الانحياز، والمجتمع الدولي الصديق، لهو تعزيز فعّال لعدالة كفاحنا، وحتمية نيلنا لجميع حقوقنا الوطنية والمشروعة. 

كما أن حفاظنا على متانة وقوة صداقاتنا وتحالفاتنا مع دول وشعوب العالم قاطبة، لهو أيضاً دليل صحة وعافية لشعبنا ونضاله. 

والآن..أيها الشعب الفلسطيني الصامد الجبار، باسمكم سأوجه رسالة إلى الإسرائيليين جميعاً، رسالة شديدة الوضوح، وأقول إننا بدأنا معكم الحوار منذ عقود، ويتذكر بعضهم ذلك، وكافحنا مع قوى السلام، جنباً إلى جنب، وفي ظل ظروف صعبة، وفي مواجهة تحريم قانوني وسياسي من قبل العديد من الحكومات الإسرائيلية، من أجل جعل الحوار أساساً للتفاهم المشترك، وجعل المفاوضات السياسية سبيلاً لبلوغ النتائج المرضية للطرفين، ومع إصرارنا المشترك على الحوار وصلنا إلى محطات مدريد وأوسلو وغيرها من محطات الطريق نحو السلام، سلام الشجعان من أجل أطفالهم وأطفالنا. 

والآن..أجدد سياستنا بمواصلة الحوار، ودعوة حكومة إسرائيل إلى الإقلاع عن وهم قدرة الدبابات والطائرات على تحقيق ما يجب أن يتحقق بالتفاهم والمفاوضات، إننا لا نطلب المستحيل، ولا نشكل تهديداً لوجود إسرائيل، إننا نريد استعادة أرضنا التي احتلت في العام 1967 بما فيها القدس الشريف، والشرعية الدولية معنا في ذلك، نريد انسحاب القوات الإسرائيلية من هذه الأراضي، بما فيها المستوطنات، والشرعية الدولية معنا في ذلك. 

نريد التطبيق النزيه والأمين للاتفاقات التي أبرمت بيننا، وإكمال المفاوضات حول قضايا الوضع الدائم، دون إهدار الإنجازات الأولية التي توصلنا إليها في أوسلو، وواي رفير، وكامب ديفيد، وشرم الشيخ، وباريس، وطابا، والقاهرة وغيرها. 

إننا نريد وبكل صراحة دولة فلسطينية، حقيقية بكل ما للكلمة من معنى، وعاصمتها القدس الشريف، إلى جانب دولة إسرائيل، أما الدبابات التي تملأ مدننا وقرانا، والطائرات التي تقصف على نحو تدميري لا تجيزه الشرعية الدولية، ولا أي عرف حضاري أو خلق عسكري، والحصار بكل أشكاله، والذي تقوم به الحكومة الإسرائيلية، والعقوبات الجماعية المحرمة دولياً، إن ذلك لن ينال من إرادة وشكيمة وعزيمة الشعب الفلسطيني. 

إنني أجدد دعوتي لشعب إسرائيل ولقواه السياسية ومؤسساته وحكومته، إلى العودة فوراً إلى مائدة المفاوضات، وإلى العمل الفوري لإنهاء هذه الإجراءات اللاإنسانية و الخطيرة ضد شعبنا، والتي لا تؤدي سوى إلى المزيد من التعقيد والابتعاد عن الأمن والسلام والاستقرار في المنطقة كلها. 

أخيراً .. 

إلى أحبتي أبناء شعبنا العظيم شعب الجبارين على أرض الوطن وفي الشتات أحييكم وأشد على أياديكم، لنزرع على ضريح كل شهيد شجرة زيتون، فكل ما تهدم سيبنى بإذنه تعالى، وبعزيمة الشعب، وكل الآمال الجميلة ستتحقق بإرادة الله، العلي القدير. 

وإن النصر آت آت..وإن النصر صبر ساعة. 

"بسم الله الرحمن الرحيم" 

( وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا) 

(إن الله لا يخلف وعده) 

صدق الله العظيم 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته 

وإلى اللقاء في القدس الشريف .. في القدس .. عاصمة دولة فلسطين