نص كلمة الرئيس التونسي زين العابدين بن علي

تاريخ النشر: 23 أكتوبر 2000 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

أصحاب الجلالة والفخامة والسمو 

أصحاب المعالي والسعادة 

أيها السادة والسيدات 

أود في البداية أن أعرب عن خالص الشكر والتقدير لفخامة الرئيس حسني مبارك لمبادرته بالدعوة إلى عقد هذه القمة العاجلة على أرض مصر الشقيقة وفي ضيافة شعبها العربي المناضل‏.‏ فأمتنا تمر بمرحلة دقيقة وظرف خطير بما تشهده الأراضي الفلسطينية من أحداث تهدد أمن المنطقة واستقرارها ومستقبلها وتنذر بإعادة شبح الحرب والصراعات المسلحة إليها‏.‏ 

وإن مؤتمرنا مدعو في هذه الدورة الاستثنائية إلى اتخاذ موقف حازم‏،‏ يكرس وحدة الصف العربي والتضامن الفعلي من أجل تأمين المصير المشترك لشعوبنا‏.‏ 

 

فخامة الأخ الرئيس‏:‏ 

إن انتهاك الحرم القدسي الشريف والاستفزازات الإسرائيلية المتكررة‏،‏ واستعمال السلاح في وجه الأطفال الأبرياء والمواطنين العزل‏،‏ والمطاردة العنصرية للمواطنين العرب الفلسطينيين‏،‏ تمثل كلها انتهاكات صارخة لحرمة المقدسات ولحقوق الإنسان‏،‏ وعدوانا سافرا‏،‏ بالنظر إلى كل القيم والأعراف الإنسانية‏.‏ 

وإن تونس لتؤكد مجددا‏،‏ إدانتها الكاملة لتلك الأعمال‏،‏ ومساندتها المطلقة لنضال الشعب الفلسطيني الشقيق وصموده في وجه الإحتلال‏.‏ وهي ترى أن المسؤولية العربية كبيرة في الدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني‏،‏ حقوقه في الأرض‏،‏ والدولة والقدس الشريف عاصمة وعودة اللاجئين‏.‏ 

وإذ نذكر بإجماع قمة القاهرة سنة‏1996‏ حول رفض أي مساس بمعالم القدس العربية أو بوضعها القانوني‏،‏ والتشديد على أن تحقيق السلام الشامل والعادل في الشرق الأوسط لايكون إلا بحل قضية القدس وتسوية أوضاع اللاجئين الفلسطينيين‏،‏ فإننا نؤكد أن إسرائيل بانتهاكها لمبادئ القانون الدولي‏،‏ هي المسؤولة عن نسف عملية السلام؛ فأعمال قتل الأطفال الابرياء التي شاهدها العالم بأسره على كل القنوات التليفزيونية تدين إسرائيل بكل وضوح‏،‏ وتدعو الضمير الإنساني والمجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان إلى يقظة حقيقية عميقة تقطع مع التعامل بسياسة المكيالين في قضايا الشعوب‏.‏ 

وإننا نهيب براعيي السلام والاتحاد الأوروبي واليابان وبدول مجموعة عدم الانحياز‏،‏ والأمم المتحدة والمنظمات والمؤسسات الدولية‏،‏ أن تضطلع بمسؤولياتها في حمل إسرائيل على الالتزام بقرارات الشرعية الدولية المتمثلة في القرار الأممي وقراري مجلس الأمن‏242‏ و‏338‏ ونعتبر أن السكوت عن الممارسات العنصرية التي تقوم بها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني‏،‏ والتغاضي عن استهتارها بالقيم الإنسانية وبحقوق الإنسان،‏ يشكل إخلالا بالمبادئ والمعايير الكونية التي أجمعت عليها البشرية‏.‏ 

 

وقد وقفت بلادنا دائما إلى جانب الشعب الفلسطيني الشقيق‏،‏ واحتضنت قياداته المناضلة في أدق الظروف‏،‏ وساندنا الإخوة الفلسطينيين ودعمناهم في كافة مراحل مسيرتهم‏،‏ معتبرين أن خيارهم هو خيارنا‏،‏ وأيدنا المسيرة السلمية منذ بدايتها وأسهمنا في تقدمها‏،‏ في ضوء احترام الشرعية الدولية والتزام جميع الأطراف بالاتفاقات المبرمة‏.‏ 

وإذ نشير إلى الموقف العربي الذي أعلنته قمة القاهرة سنة‏1996‏ في بيانها الختامي‏،‏ والذي يؤكد تمسك الدول العربية بالسلام كخيار استراتيجي‏،‏ فإنه لابد من التأكيد مجددا أن استمرار إسرائيل في نسف عملية السلام وتنكرها للشرعية الدولية ولتعهداتها يدعو إلى إعادة النظر في كل خطوة نحو التطبيع‏،‏ تكريسا لمبدأ الربط الوثيق بين هذا الاتجاه وبين تقدم المسيرة السلمية الذي أجمعنا عليه في تلك القمة‏.‏ 

وإننا إذ نؤكد قبولنا للمبادرات السلمية ودعمنا للمجهودات المبذولة في ذلك الاتجاه‏،‏ فإننا نشير مرة أخرى إلي أن كل مبادرة ستظل منقوصة‏،‏ إذا ما لم تعالج الأوضاع التي أدت إلى الأحداث الأخيرة معالجة جدية‏،‏ ولم تستكمل التسوية الشاملة بالشرق الأوسط جميع مراحلها‏،‏ ولم يقع التغلب على كافة العقبات التي تحول دون تحقيق سلام شامل وعادل ودائم لكل شعوب المنطقة‏.‏ 

إن التسوية السياسية والأمنية في منطقة الشرق الأوسط‏،‏ تستدعي موقفا عربيا حازما حتى تحمل إسرائيل على الانسحاب التام واللامشروط من كافة الأراضي العربية المحتلة‏.‏ 

 

فخامة الأخ الرئيس‏:‏ 

إن انقاذ خيار السلام العادل والدائم والشامل يتطلب قبل كل شيء الانسحاب الفوري وغير المشروط للقوات الإسرائيلية من الأراضي الفلسطينية‏.‏ 

وإننا مدعوون في هذا الظرف الحرج إلى مساندة السلطة الوطنية الفلسطينية والوقوف الثابت إلى جانبها ومساعدتها دبلوماسيا وسياسيا واقتصاديا في صمودها وفي حال استئناف المفاوضات‏.‏ 

وهو ما يستدعي وضع خطة عملية للتحرك العربي لدعم القضية الفلسطينية في مختلف الفضاءات الدولية من خلال تكوين لجنة للغرض‏،‏ على غرار اللجنة السباعية تتولي ذلك الدور وتتابع تنفيذ مقررات هذه القمة‏.‏ 

وإن ما يثير انشغالنا في هذه الظروف الخطيرة التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط هو أنه على الرغم من كل الاتفاقات المبرمة بين الجانب الفلسطيني والجانب الإسرائيلي وآخرها ما صدر عن قمة شرم الشيخ‏،‏ لا يزال الوضع متأزما والعنف مستمرا‏.‏ 

لذلك فإن تونس تدعو إلى إيفاد قوة فصل دولية إلى مناطق التماس والمعابر بين الفلسطينيين والإسرائيليين تسهر على حفظ الأمن والسلام بين الجانبين وتمنع من تجدد الاصطدامات بينهما‏،‏ كما تدعو إلى الإسراع بتكوين لجنة دولية محايدة لتقصي الحقائق وتحديد الطرف المسؤول عن اندلاع أحداث العنف الأخيرة‏.‏ 

 

وتؤكد تونس من ناحية أخرى حق الشعب الفلسطيني في الحصول علي تعويضات عادلة من إسرائيل عما لحقه من أضرار وخسائر جسيمة بسبب الحصار المفروض على أراضيه وحرمانه من وسائل العيش الضرورية‏.‏ 

وحرصا على تعزيز نجاح مساندتنا للسلطة الوطنية الفلسطينية نقترح على هذه القمة‏،‏ بعث صندوق عربي للتضامن مع الشعب الفلسطيني يمكن سلطته الوطنية من المقومات الأساسية للصمود وإعادة البناء والاستعداد للمستقبل‏.‏ 

وإن تونس ستظل دائما سندا ثابتا قويا للقضايا العربية‏،‏ ونصيرا لاتفتر عزيمته للشعب الفلسطيني في نضاله من أجل تقرير مصيره واسترداد حقوقه المشروعة كاملة‏،‏ كما ستظل متمسكة بالشرعية الدولية مرجعا للتعامل مع مختلف التطورات‏.‏ 

وإذا دعت تونس دائما إلى ضرورة انتظام اجتماعات القمة العربية‏،‏ فإنها تساند وضع آلية تؤمن ذلك الانتظام‏،‏ حتى نتمكن من تفعيل مبادئ التعاون والتضامن والعمل المشترك بين دولنا وشعوبنا‏.‏ 

وإني على يقين بأن ما يحدونا جميعا من إيمان بتلك المبادئ وحرص على وحدة صفنا سيمكننا من مواجهة التحديات المطروحة أمامنا وتجاوز الفتور العربي الحالي‏.‏ في إطار رؤية استراتيجية موحدة وعلاقات تعاون مبنية على الثقة والاحترام المتبادل‏.‏ 

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته‏.‏