عمان-(البوابة)
يتعرض الكتاب المبدعون إلى هجمات متعددة تستهدف إبداعاتهم، ورؤاهم ومؤلفاتهم الناجحة، ولكن عندما يكون المبدع امرأة، يأخذ التهجم منحى مختلفا.. خاصة وأن المبدعات يعشن منذ زمن غير قليل معاناة التشكيك في قدراتهن الإبداعية، فتنسب أعمالهن إلى كتاب رجال.
وتطفو على السطح الآن قضية الكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي والشاعر العراقي سعدي يوسف حول رواية "ذاكرة الجسد" التي نسبت في بداياتها إلى الشاعر نزار قباني، ثم نسبت خلال الأيام القليلة الماضية إلى الشاعر سعدي يوسف.
ورغم أن الكاتبة الجزائرية مستغانمي، نفت أمام حضور مهرجان الرباط علاقة سعدي يوسف بذاكرة الجسد، وتبعها نفي من الشاعر يوسف نفسه، إلا أن الجدال لم ينته، وتباينت ردود الكتاب والمبدعين بين مؤيد، ومستنكر ، ومعارض..
البوابة استطلعت آراء الكتاب والنقاد والمبدعين الأردنيين في الموضوع، فأجاب الناقد سليمان الأزرعي:"بادئ ذي بدء فإنني أدين التوجهات الذكورية في حياتنا الأدبية، كائنا من كان صاحب هذه التوجهات، لأنها تقوم في الأساس على ازدراء المرأة وإنكار إبداعها وعدم الإيمان بقدرتها على أن تنتج إبداعا استثنائيا وملفتا"، واشار إلى أن هذا الأمر ربما كان ملازما للأوساط الأدبية لدى الأمم المختلفة، فالموقف الاجتماعي الرجعي من المرأة ينسحب أيضا على إبداعها، "وهكذا تثور العواصف حول الإبداعات النسائية الناجحة والملفتة.. وربما لو دققنا في الأمر لاكتشفنا بأن الفضائح الأدبية الحقيقية في أوساط الإبداعات الذكورية أكثر منها لا بل أضعاف ما يمكن أن يثور حول الكتابات النسائية، مؤكدا أن الموقف المستند إلى الجنسوية هو موقف مخز.
وعن قضية الشاعر سعدي يوسف والكاتبة مستغانمي قال:" قرأت خبرين متناقضين. الأول يؤكد صلة سعدي يوسف "بذاكرة الجسد" لمستغانمي. ولكنه خبر نقل عنه. ونحن في مثل هذه الحالات لا نعتمد على الخبر المنقول بل نعتمد على التصريح الذي يدلي به صاحب العلاقة وهو سعدي يوسف الذي أنكر ما نقل عنه، وأكد أن "ذاكرة الجسد" من صنع صاحبتها". ويرى الأزرعي أن الأمر بحاجة إلى تحقق وتتبع مصدر الخبر والكشف عمن كان وراء هذا الخبر والتأكد من دقة ما نقل عن سعدي يوسف. وأن علينا أن نتوقف عن الاتهامية المجانية والبحث عن فرائس طيبة، وبخاصة عندما تكون الفريسة امرأة.
ويضيف:" علينا أن نحتفي بالإبداع الجيد. وأنا اعترف هنا بأنني أشعر بسعادة مضاعفة وأنا أطالع إبداعا نسائيا كبيرا، لا من باب الشعور بالعطف على المرأة بوصفها تتعرض لامتهان اجتماعي ذكوري ظالم. بل لأن الإبداع النسائي العظيم يؤكد لنا هزيمة فكرة الذكورية في مجتمعاتنا العربية المختلفة، ويؤكد لنا بوادر الولادات التقدمية التي نتوق إليها في أوطاننا".
نبيل حداد:الزبد يذهب
وعن نفس السؤال يجيب الناقد د. نبيل حداد فيقول:"لا أظن أن المسألة تتعلق بالإبداع النسوي (ان جاز التعبير) فحسب، بل تطفو هذه الاشكالية، او الشبه عند كل أديب أو فنان واعد، فحين ظهرت آراء طه حسين نسبت إلى ديكارت وهيبوليت تين، ونال المازني من هذه الشبهات ما ناله، وفي أيامنا هذه نتوقف عند مسألة صنع الله إبراهيم، وتلك الشبهات التي لاحقت فنانا مثل أسامة أنور عكاشة، وقبله نتذكر نصيب موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب من هذه الشبهات".
ويضيف:"المسألة من وجهة نظري لا تتعلق بالجنس المبدع بقدر ما تتعلق بعمر تجربته، وكان الرد دائما تجسده ابلغ تجسيد الآية الكريمة: "وأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض".
وأشار حداد إلى أن المسألة جزء من طريق الأشواك والعراقيل التي تعترض سبيل كل مبدع في بداية الشوط.
رفقة دودين :الاتهام ليس بريئا
أما الروائية رفقة دودين فتقول:"اعتقد أن إثارة مثل هذا الموضوع وفي هذه المرحلة التي تحفل ببعض الإبداعات النسائية المهمة ليس بريئا، وان كنت أتمنى أن يكون كذلك، فأحلام مستغانمي كاتبة قرأت لها ذاكرة الجسد وبعض المقالات والشهادات الإبداعية، ولم أجد أن ذاكرة الجسد تنبو أو تبتعد عن روح وأسلوب أحلام في الكتابة ابتداءً" وأضافت:" مسألة أخرى أود الإشارة إليها وهي أن الأصدقاء من الكتاب يتبادلون النصوص المخطوطة من باب الصداقة والحميمية قبل النشر للقراءة ولإبداء الرأي، فلربما كان الأمر من هذا القبيل، وفي هذه الحالة فإن النص يبقى لصاحبه الذي ابتدعه في الأصل، ولا يلغي أن يرغب الكاتب أو الكاتبة في أن يضمن نصوص بعض كلمات وملاحظات أصدقائه القريبين منه جدا" وترى دودين أن الأمر إذا كان متعلقا بالذكورية والنظرة الدونية للمرأة، واعتبار أن كل إبداع لها يقف وراءه رجل يكتب لها، فهذا ما لا أستطيع قبوله ولا أفهم أن يصادر على أساسه إبداع امرأة سواء أكانت أحلام مستغانمي أم غيرها. وتضيف :"لا اقصد هنا الإلهام أو الدافعية التي تجعل من الكتابة عملية شبيهة بالخلق تحتاج إلى دعائم وعلاقات حميمة".
عبد الله والمرأة الأنثى
ويرى الناقد د.محمد عبيد الله أن المجتمع مازال ينظر للمرأة العربية على أنها محض أنثى، لا تصلح لشيء إلا "كموضوع" لنزوة الرجل، وأما إذا تجاوزت هذا الدور أو الوظيفة فإنها تكون عرضة للشبهات والتشكيك، ويضيف:" هذه هي النظرة القاسية التي يواجه بها نتاج المرأة المبدعة، وحتى عندما تسجن في قفص "الأدب النسائي" فإنها توجه لتكتب "أدبا جنسيا" لا يتعرض إلا للعلاقة بين الرجل والمرأة.. (علاقة الفراش) على الأغلب".. مشيرا إلى أنه قل ما ينظر للمرأة على أنها كائن مكتمل وإنسان فاعل له حضور في المجتمع، ودور عضوي في نسيجه، أو يسمح لها بالقيام بهذا الدور.
وعن قضية مستغانمي ويوسف قال:" ربما تمثل هذه القضية نموذجا ناجعا للنظرة المتخلفة التي يختزنها العربي داخله، وتصبح أكثر فجائعية عندما يكون أبطالها من المتنورين، وبغض النظر عن النفي الإعلامي، فإن التشكيك في مقدرتها وفي كتابتها يحمل مؤشرا خطرا في فقدان الثقة بالمبدعة العربية، فلا بد أن يكون هناك رجل في العتمة، لا بد من أصابع رجل ما، قباني أو سعدي أو سواهما، أما أن تكتب مستقلة عن الرجل فهذا أمر مجانب للمكن وبعيد عن التصديق".
وأضاف:"إنها الرؤية الرجعية التي لا تزال تسود أفقنا، ولا تزال مركونة هناك في أعماقنا البعيدة.. مهما كانت شعارات التنوير ومهما كان بريقها الخادع".
أما الناقد زياد ابو لبن فيقول:" إنّ العقلية الرجعية التي يتمتع بها كثير من الناس ومن بينهم بعض الكتّاب في وطننا العربي تقف سدّاً منيعاً أمام المرأة بحكم أنّها المحرّم الذي يدخله الشكّ والحدّ من قدرتها على التفاعل والتشارك في الحياة، والإبداع يدخل ضمن معطيات الحياة، فإذا كانت المرأة تلك متميّزة في إبداعها ونسيجها الحياتي تُهاجم بشتّى السبل، فمرّة تُتهم بالخروج من قمقم الرجل ومرّة تتهم بالتمرد على ذاكرته ومرّة ثالثة باغتيال العقل، وهذا ما يحدث مع الكاتبة أحلام مستغانمي عند نشر روايتها "ذاكرة الجسد" فيختلق المختلقون مبررات السؤال حول الإبداع والكتابة، ويستكثرون على المرأة كتابة إبداعاً متميّزاً، فيلاحقون السؤال وفي أذهانهم سيف القبيلة الذي يطارد بيوتات (الحريم) وما تلك التسمية إلاّ من باب الحرام، وستر العورة، وحجب الرؤية، وهذا كلّه سيرتدُّ على (فقهاء الظلام)" مؤكدا:"يبقى لحركة التنوير رؤياها للواقع من جديد، واستشرافها للمستقبل، وتبقى الكتابة النسوية مرتكزاً مهمّاً في مواجهة الكتابة الذكورية، وما تلك الحملات المختلقة إلاّ صورة لتشظي الذات، ولانقسامها، وعزلتها".