دمشق – نبيل الملحم
فيما تعالت الحملة الإعلامية على الزعيم الدرزي وليد جنبلاط من خلال نواب ووسائل إعلام قريبة من دمشق، جدد البطريرك مار نصر الله صفير في خطاب إلى المطارنة الموارنة والرأي العام حملته المطالبة بانسحاب الجيش السوري من لبنان رافعا من لهجة التشدد التي حمل فيها على وجود الجيش السوري، مطالبا بإعادة انتشار الجيش السوري، "لأن هذه الإعادة أمر محسوم قانونا وبالتالي لا يمكن لأي جهة أن تشرعه لأن المواقف السياسية لا يمكنها أن تنتقص أو تلغي الوثائق الأساسية التأسيسية في حياة الدولة"، مشيرا بذلك إلى وثيقة الطائف ليزيد على ذلك فرضه لمقولة "سوريا ولبنان شعب واحد في بلدين"، معتبرا أن هذا التعبير هو الطريق لمصادرة الاستقلال اللبناني، وهو ما زاد حدة التوتر السياسي في لبنان إزاء موضوع تواجد الجيش السوري فيه، الموضوع الذي أطلقته بكركي منذ بيانها الأول لتتابعه في بيان ثان ثم خطبة صفير أمس، فيما كانت مصادر لبنانية على صلة وطيدة بدمشق ابتدأت مساعيها للتخفيف من حدة التوتر ما بين جنبلاط ودمشق، والذي توضحت معالمه عبر التصريحات التي أطلقها الوزير الجنبلاطي غازي العريضي الذي أكد أمس أن "سوريا قد اعترفت بوجود لبنان تماما، وأن وثيقة الطائف تؤكد الأمر، متابعا القول إن "سوريا تسعى إلى تثبيت لبنان في التاريخ والجغرافية" وهو ما اعتبر محالة لاسترضاء سوريا في إطار المساعي لإعادة فتح طريق دمشق الذي أقفل بوجه جنبلاط زعيما، دون أن يقفل في وجهه مواطنا لبنانيا حسب التعميم السوري، وهو التعميم الذي أدى إلى جملة عديدة من القراءات منها ما دخل على خط الصراع العربي-الإسرائيلي، ومنها ما دخل باتجاه اللعبة الدولية، وموقع لبنان فيها حتى جاء من يتصور بأن رفع حدة المطالبة بإعادة انتشار الجيش السوري في لبنان كان بإيحاءات أميركية من جهة، وبهدف الضغط على سوريا للعودة إلى المفاوضات مع إسرائيل، ومنها من اعتبر أن اللعبة تمتد إلى الشانزلزيه الذي يبحث عن تجديد دوره في لبنان، ليذهب أصحاب الاتجاه الأول إلى اعتبار أن التصريحات التي أطلقها وليد جنبلاط جاءت عبر الإيحاءات الأميركية، وهو ما نفاه ديفيد ساترفيلد السفير الأميركي لدى لبنان نفيا قاطعا، فيما استمرت التحليلات السياسية اللبنانية والإقليمية لتأخذ هذا الاتجاه، وهو ما كان قد أشار إليه الوزير اللبناني سليمان فرنجية الذي تربطه بدمشق علاقة تمتد في جذورها إلى سليمان فرنجية الجد الذي اعتبر بأن أمام لبنان واحد من مشروعين، أولهما المشروع الإسرائيلي، وثانيهما المشروع السوري، ليختار السوري ويورث خياره لحفيده المرشح بقوة ليكون رئيسا للجمهورية اللبنانية في استحقاقها المقبل، وبحسب اعتقاد سياسيين لبنانيين فإن الولايات المتحدة فشلت في الضغط على سوريا، مما أدى إلى تراجع جنبلاط عن رفع سقف حملته، ومحاولة التهدئة، والذين يقولون ذلك يفترضون بأن جنبلاط فشل في دفع الصف الإسلامي نحو خيار الضغط على سوريا، وهو ما جعله يبدأ بالتراجعات من خلال تصريحات وزير إعلامه، كما فشل بالرهان على الحماية الأميركية، والتي سجل سفيرها ديفيد سترفيلد تصريحات تنفي صلته بأي من الأطراف اللبنانية، التي شكلت الصف المطالب بانسحاب الجيش السوري من لبنان، مما دفع محللين لبنانيين للقول بأن جنبلاط-صفير هو الحلف المؤهل للتآكل والتشقق من خلال تراجعات شكلها جنبلاط، وسيستمر بالعمل عليها إرضاء للجناب السوري، كما لحلفاء سوريا من اللبنانيين، مما سيؤدي إلى بقاء جنبلاط خارج الصفوف كما إلى عزله لبنانيا فيما دمشق ستكون عاجزة عن التسامح معه إزاء التصريحات التي أطلقها وهو حليف الأمس الذي فض التحالف في مرحلة تعتبرها دمشق المرحلة الأشد حساسية تبعا لمجموعة عوامل أولها ارتفاع حدة التوتر على الحدود مع إسرائيل، مما يرشح المنطقة لحرب محتملة، وثانيها أن اشغال الرئيس السوري بشار الأسد في بداية توليه رئاسة بلاده بملف على هذه الدرجة من الخطورة، يعتبر استهدافا لشخصه، وثالثها أن الموقف جاء من حليف وليس من خصم، هذا بالإضافة إلى المعادلة اللبنانية شديدة الخصوصية والهشاشة معا، والتي لا تسمح بإثارة الحساسيات في وقت يسجل فيه لبنان تحولات عميقة في أعقاب الانسحاب الإسرائيلي من جنوبه، على أن اللافت للانتباه أن دمشق، لا كإعلام ولا كتصريحات رسمية، قد أعلنت أية مواقف إزاء جنبلاط فيما ذهب الحوار إلى مساحته اللبنانية-اللبنانية، مما أدى إلى تيارين لبنانيين رفع سقف أولهما الرئيس إميل لحود باتجاه الحديث أن لا انسحاب للجيش السوري من لبنان قبل تحرير كامل الأراضي اللبنانية، مضيفا إليها الجولان، فيما ذهب الصف الآخر وعلى لسان البطريرك صفير إلى حد رفض حتى المقولات التي لها طابع وجداني وأخلاقي صرف كعبارة "شعب واحد في بلدين"، فيما وقف جنبلاط في وسط المعادلة، الأمر الذي يشير مراقبون إلى أنه سيؤدي لإخراج جنبلاط من المعادلة اللبنانية التي خسر فيها الصف الإسلامي دون أن يربح الصف الماروني، وهو ما عبر عنه مسؤول لبناني رفيع المستوى في قوله لـ "البوابة": "إن جنبلاط انتحر سياسيا".