دأبت وسائل الإعلام الغربية على تضخيم أي شيء له علاقة بالعراق، ولكن من المستغرب أن يمر إجراء اتخذه صدام حسين في مطلع الأسبوع الماضي دون أن يلاحظه أحد خارج العراق. فقد بعث صدام تحذيرا واضحاً إلى الأكراد في شمال العراق من خلال عملية بسيطة وهي وقف تدفق وقود التدفئة إلى كردستان وهي ثلاث محافظات عراقية تتمتع باستقلال الأمر الواقع منذ عقد من الزمن. وتعاني الجبال الكردية من برد قارس في هذا الوقت من السنة مما جعل أسعار وقود التدفئة ترتفع بحدة بسبب تدافع السكان عبر الثلوج الكثيفة لشراء ما تبقى من مخزون هذه المادة في الأسواق.
لا يساور القادة الأكراد أدنى شك بشأن الرسالة التي أرسلها صدام لهم. فبقطع إمدادات وقود التدفئة، يرسل صدام رسالة واضحة للأكراد يقول فيها إنه غاضب من قرب قيام المعارضة العراقية بعقد مؤتمر لها في المناطق التي يسيطر عليها الأكراد داخل العراق. وكان من المقرر أن يقوم 65 من أبرز المعارضين لصدام بالتجمع في مدينة صلاح الدين وهي منتجع جبلي، في 15 كانون الثاني/يناير الحالي ولكن الاجتماع تأجل حتى الخامس من شباط/فبراير القادم.
قال أحد زعماء الأكراد المخضرمين الذين زاروا واشنطن مؤخراً، "صدام غاضب جداً". "إنه يحذرنا من خلال قطع إمدادات الوقود بأنه ينظر إلى عقد مؤتمر لأناس يخططون للتخلص منه على أنه دليل قاطع بأن الأكراد انضموا إلى أعدائه. ولكنه يريدنا أن نعلم أنه يراقب تحركاتنا وأنه لا يزال يستطيع الرد علينا".
ظل صدام يحتقر المعارضة العراقية في الخارج علنا مشدداً على أنها لا تحظى بالدعم من داخل العراق، ولكنه كان ينظر إلى الأكراد بجدية تامة. وكانت مغامراته الأولى في السياسة الخارجية عام 1975 حين تنازل عن بعض الأراضي العراقية لإيران لإقناع الشاه آنذاك بسحب الدعم للأكراد العراقيين الذين كانوا ثائرين على حكمه. ومنذ عام 1991 اضطر لتحمل كردستان مستقلة افتراضيا. ولكن دباباته تدخلت عام 1996 في الحرب الأهلية بين الحزبين الكرديين الرئيسين واحتلت مدينة أربيل، عاصمة الأكراد في جولة قتالية واحدة في الصباح ثم تراجعت القوات العراقية بسرعة قبل أن تتدخل الولايات المتحدة.
يعلم الأكراد أن (صدام) قد يهاجمهم ثانية ولكن بحسب ما يقول هوشيار زباري، زعيم كردي مخضرم، فإنهم لا يعتقدون بأنه سيفعل ذلك. ويوضح الزعيم الكردي أن (صدام) ليس غبيا كي يوفر للولايات المتحدة ذريعة لشن حرب عليه تتطلع إليها الولايات المتحدة منذ مدة. ولسوء الخط بالنسبة للأكراد فإن هذا المنطق سوف يتغير عندما تندلع الحرب. ويعتقد معظم أعضاء المعارضة الكردية أن استراتيجية صدام ستكون الدفاع عن بغداد الكبرى. ولكنه إذا تمكن من شن هجوم محدود في كردستان فإن ذلك سيكون كافياً لجعل عدة ملايين من الأكراد يهربون إلى إيران وتركيا كما حدث إبان حرب الخليج عام 1991.
قبل اثني عشر عاماً ألقى العراقيون الدقيق من طائرات الهيلوكبتر لإعطاء الأكراد انطباعاً بأنهم يستخدمون أسلحة كيماوية في كردستان. لا أحد على الأرض سينتظر حتى يفحص المسحوق الأبيض الذي ينهمر عليهم وما إذا كان قاتلاً أو غير ضار.
ويخشى الزعماء الأكراد بأن يقوم صدام بالثأر منهم إذا اندلعت الحرب ولكنهم قلقون أيضاً من أن بغداد تنتظر إليهم بجدية أكثر من واشنطن حيث أن الأميركيين يعطون الأولوية لتجنب إغضاب الأتراك بسبب خشيتهم التقليدية من كل شيء كردي. وقد وجد الرئيس الأميركي جورج بوش مؤخراً وقتا لديه ليقابل ثلاثة من المعارضين العراقيين المفكرين وليس زعماء أكراد كانوا في واشنطن في نفس الفترة أمثال برهام صالح، رئيس وزراء الاتحاد الوطني الكردستاني.
إن مثل هذه الأمور الصغيرة سواء كانت حقيقية أو خيالية تثير الشك في عقول الأكراد بأن الولايات المتحدة سعيدة لرؤيتهم كرمز للدعاية ولكنها مصممة على حرمانهم من أي تأثير حقيقي قبل وبعد غزو أميركي للعراق. وينتظر الأكراد إلى هذا الأمر بأنه غير عادل. ويسيطر الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني على غرب وشرق كردستان التي تبلغ مساحتها حجم سويسرا ويحتفظ كل من الحزبين بجيش يتكون من 15000 مقاتل يمكن تعزيزهم بعدة آلاف من الميليشيا القبلية. ويشير كلاهما إلى أنهما الوحيدان بين المعارضة العراقية اللذان انتخبا ديمقراطياً وأنهما يتمتعان بدعم شعبي قوي. أما القوة الأخرى الوحيدة المعارضة لصدام على الأرض والتي تحالفت منذ مدة طويلة مع الأكراد فهو المؤتمر الأعلى للثورة الإسلامية في العراق وهي جماعة شيعية تتخذ من جنوب العراق مقراً لها وتدعمها إيران ولديها 5000 مقاتل.
وبسبب أنهم جزء من المعارضة المسلحة والمنظمة والموجودة داخل العراق فإن الأكراد ملزمون بلعب دور كبير في عراق ما بعد صدام.
وفي جلساتهم الخاصة يسخر الزعماء الأكراد من جهود واشنطن لبناء جيش معاد لصدام قوامه 5000 رجل (تعاقدوا مع 300 رجل حتى الآن) مقارنين ذلك بعشرات ألوف الأكراد المدربين والذين يمكن الزج بهم في ميدان المعركة. ولكن هناك أيضاً قيوداً على ما يستطيع الأكراد عمله.
فهم يفتقرون إلى القوة السياسية والعسكرية التي ترقى إلى مستوى الطاجيك في تحالف الشمال في أفغانستان الذين أخبروا واشنطن بأن باستطاعتهم الاستيلاء على كابول وقاموا بالفعل بذلك عام 2001 وجعلوا من أنفسهم القوة المسيطرة في البلاد.
لكن الأكراد لا يرون أنفسهم حكاماً وحيدين للعراق. فلديهم الآن دولة مستقلة بحكم الأمر الواقع في كردستان تتمتع بحماية منطقة حظر الطيران التي فرضتها الولايات المتحدة ويأملون بالمحافظة عليها في عراق ما بعد صدام تحت اتحاد فيدرالي فضفاض.
إذا كان الأكراد بهذه الأهمية والقوة المعارضة لصدام، لماذا لا تحبهم الولايات المتحدة بشكل أكبر؟
والجواب على ذلك يكمن في صعوبة السيطرة عليهم والخشية من إقدامهم على احتلال مدينة كركوك النفطية (طالب بها الأكراد منذ زمن بعيد) بالإضافة إلى المعارضة التركية. كذلك فإن استمالتهم تعطي مزيداُ من القوة للمعارضة العراقية مما يجعل من الصعب على الجناح المدني في البنتاغون مساندة من يختارونه من العراقيين للسيطرة على المسرح السياسي بعد سقوط صدام.
أما بقية المعارضة العراقية مثل المؤتمر الوطني العراقي الذي يحبذه المحافظون الجدد في واشنطن، حزب العهد الوطني العراقي والضباط العراقيون الأحرار (في المنفى) فإن هذه الحماية تعتمد على المعونات التي تقدمها لهم وكالات المخابرات الأجنبية.
يمقت زعماء المعارضة الأكراد جماعات المعارضة هذه بسبب انقساماتهم واعتمادهم على المساعدات الأجنبية دون دعم من داخل العراق.
وعلى فرض استحالة تنظيم حركة معارضة تحت الأرض بسبب عنف ونشاط أجهزة صدام الأمنية، فإن مثل هذا النقد يبدو غير عادل بعض الشيء. ولكن الأكراد يعكسون العداء للمعارضة التي تدعهما الولايات المتحدة التي تبدو وكأنها تعيش داخل جزء من العراق لا يزال تحت حكم صدام. هل تستطيع الولايات المتحدة أن تهمش المعارضة المسلحة داخل العراق؟ قد يكون ذلك ممكنا إذا سارت الأمور في الغزو واحتلال العراق على ما يرام بشرط أن يجلب ذلك فوائد مباشرة للعراقيين. أما إذا لم تسر الأمور كما هو مخطط لها فإن واشنطن قد تكتشف أن الحلفاء الأكراد تحولوا إلى أعداء.
