هل يستطيع بوتين تحديث روسيا؟

تاريخ النشر: 11 نوفمبر 2000 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

لندن -جستن كيي  

 

بعد ثمانية أشهر من فوزه الساحق في الانتخابات الرئاسية الروسية، لا يزال المحكّمون محتارين في وصف هذا الزعيم. وفيما يتعلق بطريقته وطموحه، فهو مختلف عن سلفه يلتسين الذي لا يمكن التنبؤ بأفعاله، والذي كان مخمورا على الدوام، كذلك فإنه يتميز عن رؤساء المكتب السياسي الذين حكموا روسيا في السبعينات والثمانينات. ويشبهه الكثيرون من الروس بالقيصر بطرس الأكبر الذي أسس سانت بطرسبيرغ كنافذة لروسيا على الغرب، والذي دخل التاريخ كرجل تحديث عظيم للبلاد. ومع ذلك فإن التاريخ ليس دليلا. 

يقول نيكلاس سندستروم، المحلل الروسي في المصرف الاستثماري الدولي "شودر سالومون سميث بارني" إنه "في تاريخ روسيا، كان الزعماء إما مجددون - مثل بطرس - أو محافظون يعدون رجالات بلادهم للمستقبل أو بالاعتداد بعظمة روسيا السابقة". 

حقا إنه أكثر من ذلك. فقبل فوزه، وعد بوتين الروس "بدكتاتورية القانون" ولكن هذا، كان بهدف الحصول على الدعم من روسيا التي تعبت من الفساد، وما يشبه الفوضى في السنوات الأخيرة، كذلك كانت هجماته على تسلط "القلة" أمثال فلاديمير جيزنسكي، وبوريس بيروزوفسكي غير واضحة، هل يريد أن يلجم ظاهرة المحسوبية الفاسدة التي ازدهرت في عهد يلتسين، أم أنه يسعى للحد من حرية الصحافة والمعارضة؟ هل هو نتاج تلك السنين التي قضاها يعمل إلى جانب الناصح المخلص، أناتولي سوبشك الراحل، رئيس بلدية بطرسبيرغ الإصلاحي في بداية التسعينات؟ هل من الممكن أن يكون نتاجا مثاليا لخلفيته كرئيس لجهاز كي جي بي، وحزينا على الاتحاد السوفياتي الذي فقد قوته وهيبته؟ هل هو بيروقراطي غير واضح من الداخل كما هو من الخارج، كما ظهر على السطح؟ أم أنه واقعي صلب، تشكّل بفعل الانحدار الذي شهدته روسيا في النواحي الاقتصادية والاجتماعية والروحية خلال التسعينات، ومدرك بحرارة لما يجب عمله من أجل الحيلولة دون انحدار البلاد نحو وضع دول العالم الثالث؟ 

في الحقيقة يبدو بأنه يمثل كافة هذه الأشياء وله شعبية بها. حقا، فإن الأحداث المثيرة كغرق المدمرة النووية كورسك في آب / أغسطس الماضي، والحريق الهائل الذي شب في برج أوستانكينو بموسكو، لم تفعل شيئا يحد أو يهز شعبيته. وقد راهن كثيرون على أن الأخطاء الفاضحة والمراوغة التي رافقت أزمة كورسك، مضافا إليها قرار الرئيس بوتين الأولي بالاستمرار في إجازته، يمكن أن ينذر بتغيير هائل في الطريقة التي ينظر فيها الروس إلى زعيمهم، لكن ذلك لم يحدث إطلاقا، فقد أشارت استطلاعات الرأي إلى أن الكوارث، بالرغم من أنها كشفت النقاب عن الضعف المحرج لروسيا الجديدة، فقد أحدثت بالكاد تغييرا قليلا في الدعم الشعبي الذي كسبه بوتين أثناء القمع الدموي للتمرد الشيشاني في العام الماضي. 

وقد قال أكثر من 50% من الذين أخذت آراؤهم بأنهم إما راضون جدا أو راضون عن رئيسهم. ويعكس هذا إلى حد ما غياب زعيم بديل. فرئيس الوزراء السابق يفغيني بريماكوف يعتبر الآن كبيرا جدا في السن، والزعيم الشيوعي غينادي زيوغانوف يعتبر رجل الأمس، بينما يعتبر الاصلاحيون أمثال بوريس نيمتسوف وغريغوري يافلينسكي غير مقبولين بشكل كبير. ومن جهة أخرى، فإن شعبية الرئيس بوتين المستمرة تعكس حقيقة أنه نجح في أن يمثل كل شيء بالنسبة لجميع شعبه. 

ويقول روي أليسون، رئيس البرنامج الروسي في المعهد الملكي للشؤون الدولية إنه "ليس هناك دليل قاطع على أن لديه فلسفة". ويضيف أنه "عوضا عن ذلك فإن لديه أهدافا وهو يبذل طاقته للوصول إليها. إن أهدافه الهامة جدا كفيلة باستعادة القدرة الروسية في المجالات الرئيسية كالقوات المسلحة، ويعني هذا تعزيز القوة". 

ويوحي فيليب بول، الذي يرأس قسم الأسواق الناشئة في مصرف بيرنغ استثماري في لندن بأن حافز بوتين الوحيد هو العمل على جعل الانحدار الروسي يرتد. ويقول: "إن روسيا لا تستطيع أن تكون قوية سياسيا إذا بقيت ضعيفة اقتصاديا، ولهذا السبب، فإن الإصلاح الاقتصادي هو الطريق إلى نهاية وليس النهاية بحد ذاتها، مضيفا أن الديمقراطية هي جزء من الصفقة. 

وماذا عن تصرف الرئيس بوتين أثناء أزمة الغواصة كورسك؟ يعتقد أليسون أن ذلك كان مؤشرا على "افتقاره للخبرة في القيادة"، فلا عجب في ذلك من شخص قضى معظم حياته بعيدا عن الأنظار، بالرغم من أنه يعتقد أيضا أن ذلك عكس طبيعته في الإصغاء إلى الجميع، ولكنه في النهاية يتصرف بناء على آخر نصيحة أسديت له. وألمح أليسون إلى أن "من الممكن أن يكون للرئيس مستشارون جيدون، ولكن يبدو واضحا هنا أن السبب كان يكمن في عدد وليس نوعية النصائح". وأضاف أنه "سيكون من الأهمية بمكان رؤية مدى سرعته في الإفادة مما حدث". 

وفي ما يتعلق بالاقتصاد، فإن من سوء الحظ أن الرئيس بوتين أصغى لأصوات خبرائه منذ البداية. كان المراقبون متشجعين لتعيين أندرزج إلارينوف كرئيس للمستشارين الاقتصاديين، ولتعيين جيرمان غريف مسؤولا عن الاقتصاد على المدى البعيد، ولتعيين نائب له هو أليكس يوليوكيف: كل هؤلاء إصلاحيون. وقد توقع رئيس الوزراء السابق فيكتور تشيرنوميردن في مؤتمر رئيسي لدعم الاستثمارات في روسيا بعد انتهاء الانتخابات، ولكن قبل تسلم بوتين الرئاسة: " إن روسيا تقف على عتبة حقبة جديدة من التحول الاقتصادي… وأنا أتوقع استقرارا ماليا ونموا اقتصاديا مبنيين على حقوق ملكية أقوى". 

كانت توقعات تشرنوميردن ذكية، فقد ترأس بوتين أكثر الاستراتيجيات المتماسكة والمخططة في الإصلاح الاقتصادي التي عرفتها روسيا ليومنا هذا، وقد بدأ بإصلاح النظام الضريبي الذي ظل متأخرا لمدة طويلة، وتم إدخال نسبة ضريبة دخل ثابتة مقدارها 13%، وتم زيادة الرسوم على المحروقات والتبغ، وجرى تخفيض كبير هذا الخريف على الدعم المقدم للإسكان والمرافق، وفي المرحلة الثانية من الإصلاح، التي تحل في الأسابيع المقبلة، وعد بإجراء إصلاحات في البنوك والضريبة المفروضة على المؤسسات والتقاعد. ومن الأمور الهامة تطبيق الإصلاحات على الاحتكار في وزارة السكك الحديدية، وخدمات الطاقة الموحدة وشركة غازبروم، وسيتم تحسين أنظمة هذه المؤسسات الإدارية قبل إجراء أي تفكيك محتمل فيها. كذلك من المنتظر صدور قانون جديد بشأن ملكية الأراضي، مما سيساعد على خلق سوق عقار تحتاج إليه البلاد بشدة.  

وخلافا لسلفه، فإن الرئيس بوتين كان محظوظا لوجود عدد من العوامل التي تعمل لصالحه. فبالإضافة إلى شعبيته المتواصلة، فقد ساعده نمو اقتصادي كبير، حيث ارتفع الناتج الإجمالي القومي 7.5% في النصف الأول من عام 2000، وارتفع الإنتاج الصناعي بأكثر من 10% كما أن نمو الاستثمارات ازداد بحوالي 17.3% في الستة شهور الأولى من هذا العام. وهناك عامل إيجابي آخر وهو تعاون الدوما (البرلمان) وهو أكثر البرلمانات مرونة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي السابق. 

حقا يبدو، جدول أعمال الرئيس بوتين مبنيا استنادا إلى شرعية سياسية طويلة البقاء، تشمل إصلاحات سياسية رئيسية، على الأقل تلك التي تعتبر أمورا مركزية لأهدافه المتمثلة في إيجاد دولة قوية. 

وستشمل التغييرات الرئيسية هنا قانونا جديدا بشأن الأحزاب السياسية والتي سوف تحتاج إلى 7% بدلا من 5% لكي تمثل في البرلمان، وسيساعدها هذا بدوره على الانتقال نحو نظام الحزبين أو الثلاثة. وهناك أيضا تغييرات مبرمجة للجمعية الدستورية تم إحداثها لتكون مثيلة للإصلاحات التي أجريت هذا الصيف في الأقاليم، حينما تم تحديد سلطة المحافظين في 89 إقليما روسياً وسبعة مناطق فيدرالية جديدة ومماثلة أيضا لإعادة التنظيم في الأجهزة العسكرية. 

ومن الأمور التي يجب مراقبتها على المستوى السياسي، نتيجة الانتخابات التي ستجري في الأقاليم الخمسة والثلاثين قبل نهاية هذا العام، فمن الممكن أن يظهر من المعارضة أمثال بوريس بيريزوفسكي، ولكن لن يكون له أي وزن إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الدعم الشعبي المتواصل الذي يتوفر للرئيس بوتين. 

ويقول نيكلاس سندستروم من مصرف شرودر سالومون سميث بارني الاستثماري إن "هذه أفضل انطلاقة لروسيا للتحديث منذ نهاية القرن التاسع عشر، ويعتبر الموقف الدولي حاليا مواتٍ أكثر مما كان عليه حينئذ". وأضاف أننا " في السنين القادمة سننظر إلى الخلف، أي إلى الحقبة الحالية كفترة وضعت فيها الأسس الرئيسية لروسيا الحديثة"، والتي تشكل أيضا التحديات التي تواجه الرئيس يلتسين في المستقبل.  

وقد توصل معلق غربي معروف، في تقييم الرهانات، إلى نتيجة مفادها أن بوتين إذا فشل في إحداث التغيير في روسيا فإن هذه البلاد التي تعتبر ضعيفة أخلاقيا واقتصاديا وديموغرافيا ستواجه خطرا حقيقيا في الانهيار التام". 

لذا كيف سيعالج بوتين الفقر المتنامي في روسيا؟ فهناك 50 من السكان يعيشون تحت خط الفقر، كذلك فإن دخل المواطن يقل 40% عن دخله قبل عشرة أعوام، بالإضافة إلى أن متوسط لعمر قد انخفض إلى ما دون التاسعة والخمسين بين الذكور، وأن أقل من 10% من المواليد الجدد يتمتعون بصحة جيدة عند الولادة، كيف يمكنه أن يعالج الفساد الذي أصبح مستشريا وطريقة حياة على كافة الأصعدة في المجتمع، مما يشكل عائقا رئيسيا للنمو الاقتصادي ومثبطا كبيرا للاستثمار؟ كيف يمكنه السعي لتشجيع إعادة ما مقداره 500 مليون دولار على الأقل والتي جعلت روسيا متخلفة في العقد الماضي، أو التفاوت في الدخول الإجمالية الناتج عن سرقة أملاك الدولة من قبل المافيا و "البارونات اللصوص"؟ هذه المهام الهائلة بالنسبة لأي رجل، لا تزال أمام بوتين وهي كفيلة بأن تبقيه مشغولا جدا.-- (دبليو .إن. إل)