بدأت الولايات المتحدة الاميركية رحلة البحث عن بديل للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات يكون مقبولا لديها ولدى حلفائها الاوروبيين والاسرائيليين والعرب.
وكان لافتا على صعيد الموقف الاميركي قرار وزارة الخارجية الاميركية امس، موازاة مواقفها مع البيت الابيض بعد الخلافات التي كانت تظهر للسطح بين الفينية والاخرى والتخبط الذي ظهر خلال اليومين الذين اعقبا خطاب الرئيس الاميركي جورج بوش حول المنطقة.
فقد قال ريتشارد باوتشر، المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، إن الولايات المتحدة تعتقد أن عرفات غير قادر على إصلاح المؤسسات الفلسطينية الرسمية خلال الشهور التي ستسبق موعد الانتخابات المزمع إجراؤها أوائل العام المقبل.
وأضاف باوتشر بنبرة حادة حيال عرفات "لقد خذلنا المرة تلو الأخرى. هل يعني هذا أنه لا تقع عليهم مسؤولية تنفيذ الإصلاحات؟ لا. ولكن هل نعلق عليه الآمال؟ لا."
واكد وزير الخارجية الاميركي كولن باول سعي بلاده الى استبعاد عرفات عن عملية السلام وبحثها عن زعماء فلسطينيين غيره. وقال: "ثمة ثمن ينبغي دفعه لعدم التحرك ضد الارهاب وعدم القيام بشيء من اجل الاصلاح".
وذكر بأنه كانت له "المحادثات الاكثر صراحة" مع عرفات في محاولة لتغيير تفكيره "لكننا لم نلحظ تغييراً او تحسناً".
واوضح ان محاولة تهريب اسلحة ايرانية ودليلاً على ان عرفات امر بدفع اموال الى مجموعة نفذت عملية انتحارية ضد اسرائيل، عززا قرار الادارة الاميركية البحث عن زعماء فلسطينيين آخرين. وأضاف: "هناك آخرون في الحركة الفلسطينية يمكن ان يساعدوا على اجراء تغيير داخلها".
وفي الوقت الذي لم تلق دعوة الرئيس الاميركي جورج بوش الى اقصاء عرفات تأييداً مطلقاً في انحاء العالم، قال باول ان "من المعترف به عالمياً" وبين الزعماء العرب وزعماء آخرين، ان القيادة الحالية للشعب الفلسطيني بزعامة عرفات قد اخفقت. واقر بأن خطاب بوش الذي اقترح فيه قبل ايام انشاء دولة فلسطينية في غضون ثلاث سنوات من دون عرفات "ربما لم تستسغه بعض الاعضاء وازعج بعض الاشخاص"، لكنه يعكس الحقيقة. وشدد على ان "قيادة الرئيس عرفات لم تلب في الوقت الحاضر حاجات الشعب الفلسطيني". ونفى ان تكون لديه خطط للاتصال بالزعيم الفلسطيني او لقائه "ومع ذلك لا اعرف ماذا يخبئ المستقبل". وكشف ان القنصل الاميركي في القدس رون شلايكر الذي يجري اتصالات دائمة مع السلطة الفلسطينية "لم يتحدث مع السيد عرفات في الايام الاخيرة".
البحث عن بديل
وافاد مسؤولون في واشنطن طلبوا عدم ذكر اسمائهم انهم لا يعتزمون ان يختاروا بأنفسهم الزعيم الجديد للفلسطينيين، لكنهم يستطلعون سراً بمساعدة الاوروبيين والدول العربية المعتدلة كمصر والاردن والسعودية آراء الفلسطينيين بحثاً عن مرشحين محتملين. وقال احدهم: "اننا نبحث، لكن احداً لا يريد ان يملي على الفلسطينيين ما عليهم القيام به ولا ان يعطيهم هذا الانطباع (...) نريد، ونحتاج جميعاً، نحن الاميركيين والعرب والاوروبيين، الى شخص نستطيع العمل معه (...) من البديهي ان الفلسطينيين هم الذين يجب ان يختاروا، لكنهم اذا اختاروا واحداً يرفض الاسرائيليون التعامل معه نعود الى نقطة الصفر".
واستشيرت اسرائيل أيضاً انما بطريقة غير رسمية لئلا يعطي ذلك الانطباع ان لاسرائيل ادنى تأثير في اختيار القيادات الفلسطينية.
وكان الرئيس الاميركي جورج بوش جعل اصلاح القيادة الفلسطينية وتنحي عرفات شرطاً لدعم اقامة دولة فلسطينية.
لكن البحث عن بديل "امر بالغ الحساسية" ليس لأنه لا يقتصر على ايجاد شخص مؤهل في المجال السياسي "او في سلك التعليم الجامعي او في عالم الاعمال، بل لأن الفلسطينيين انفسهم يبدون تحفظات كثيرة عن فكرة التصدي لعرفات الذي يجسد كفاحهم منذ اكثر من 40 سنة.
وأبلغ عرفات نفسه الى المقربين منه انه ينوي الترشح للانتخابات الرئاسية في كانون الثاني المقبل. ويعتقد المسؤولون في واشنطن ان خوض معركة ضده قد يبدو غير مفيد ولا يستبعدون ان يفرض عليه القبول بدور فخري اذا ما رفض الانسحاب من المسرح السياسي.
وقال مسؤول آخر: "لا اعتقد ان عدداً كبيراً من الناس سيعترض اذا ما تمتع بوضع يشبه نوعاً ما وضع الملك مع كل التكريم والاحترام ولكن من غير ان تكون له اي سلطة قرار في عمل الحكومة". واضاف ان "المآدب الرسمية وحفلات التدشين والمحادثات البروتوكولية، هذا النوع من الامور" يمكن ان يبقى من اختصاص عرفات.
وسبق لوزير الخارجية الاميركي ان اتصل باثني عشر من نظرائه الاجانب خلال اسبوع وبدأ الديبلوماسيون الاميركيون المعتمدون في المنطقة استطلاع آراء الفلسطينيين لابراز شخصيات مؤيدة للاصلاحات.
وصرح ريتشارد باوتشر هذا الاسبوع: "لا نزال على اتصال بكثير من الاشخاص الذين يمارسون مسؤوليات مختلفة في الكثير من الاوساط لتشجيع اجراء الاصلاحات وتشجيع موقف مسؤول ووقف العنف (...) نعمل مع اشخاص من جميع افراد الشعب الفلسطيني يؤيدون هذه الاهداف سواءا أكانوا في الحكومة ام في مناصب مسؤولية ام غير ذلك". ورفض ان يطرح اسماء، لكنه ذكر ان الشخصيات المعنية هي من اساتذة الجامعات والمصارف وتمارس في الوقت الحاضر مسؤوليات سياسية. وشدد على "اننا لا نختار مرشحين على الاطلاق"، رافضاً الفكرة القائلة بان واشنطن تريد ان تختار، بدلاً من الفلسطينيين، من سيمثلهم أكان رجلاً ام امرأة.
وتجري الاتصالات بواسطة القنصل العام للولايات المتحدة في القدس، رون شليكر. ورفض باوتشر الإفصاح عن أسماء المسؤولين الفلسطينيين الذين تم إجراء الاتصالات معهم.
لا دولة مع عرفات
وذهب أمس مسؤول اميركي رفيع الى حد القول ان الادارة الاميركية ستوقف العمل لاقامة دولة فلسطينية اذ استمر عرفات في السلطة. ونقلت وكالة "د ب أ" الالمانية عنه "اننا لن نراهن على عرفات، ذلك ان توقعاتنا السابقة من عرفات تلاشت مرات عدة بحيث لا يمكن الرهان على هذا الجواد مرة أخرى".
وسئل هل تتخلى الولايات المتحدة عن دعمها الدولة الفلسطينية اذا أعيد انتخاب عرفات، فاجاب: "لا نزال نعتقد ان اقامة الدولة يمثل الحل، الا اننا لن نتمكن من العمل لتحقيق هذا الهدف اذا لم تكن هناك قيادة جديدة ومؤسسات جديدة"، مشيراً الى انه لا يعتقد ان بذل جهود ناجحة لتحقيق ذلك ممكن اذا استمر الاشخاص والمؤسسات الذين يعملون حالياً.
بوش مرتاح
ورداً على سؤال عما اذا كان بوش يشعر ببعض الخيبة من ردود فعل نظرائه الاوروبيين الذين رفضوا تأييد رغبته في ازاحة عرفات صراحة، قال الناطق باسم البيت الابيض اري فليشر ان "الرئيس مرتاح الى ما سمعه خلال المحادثات على انفراد" التي اجراها مع زعماء الدول الصناعية السبع الكبرى في كندا.
واكد رئيس الوزراء الكندي جان كريتيان ان جميع المشاركين في قمة مجموعة الثماني "مسرورون لاتخاذه (بوش) المبادرة" في شأن الشرق الاوسط و"نأمل في ان تتكلل بالنجاح". لكنه لاحظ ان هذا الموضوع "بالغ الصعوبة"، معترفاً بان "بعض الاشخاص ادلوا بتعليقات عن بعض عناصر" مقترحات بوش و"حصلت ردود فعل مختلفة (...) لا يمكن ان ننتظر من اشخاص يمثلون مختلف الدول ان يتفقوا على كل شيء تقريباً". وابرز كون دولة اسرائيل "هي هنا لتبقى" ومن الضروري ان تتمتع بحدود "آمنة حتى تتمكن من العيش في سلام" وان ذلك "مسؤولية جماعية".
وتعتزم الدانمارك التي ستتولى رئاسة الاتحاد الاوروبي في الاول من تموز اجراء محادثات مع الادارة الاميركية لحسم الخلافات التي ظهرت في قمة مجموعة الثماني. وقال وزير الخارجية الدانماركي بيرستيغ مولر انه سيتجمع مع نظيره الاميركي الاربعاء ليناقش معه خطة بوش. وأضاف: "من المهم ان تستمر عملية السلام في الشرق الاوسط وألا يتوقف اهتمام المجتمع الدولي باسرائيل وفلسطين".
الى ذلك، أعلن الناطق باسم وزارة الخارجية الاميركية ان اللجنة الرباعية للسلام في الشرق الاوسط ستجتمع في لندن في حدود يوم الثلثاء لمراجعة "خطوات لدعم رؤية بوش وتنفيذها للتقدم في الأمن وبناء المؤسسات والاصلاح واعادة الهيكلة الاقتصادية ومعاودة حوار سياسي اسرائيلي فلسطيني". وتضم اللجنة المبعوث الاميركي الى الشرق الاوسط وليم بيرنز ونظيره الروسي اندريه فدوفين والاوروبي ميغيل انخل موراتينوس والمنسق الخاص للامم المتحدة في الشرق الاوسط تيري رود لارسن.
وأفادت مصادر ديبلوماسية ان بيرنز قد يتوجه بعد ذلك الى الشرق الاوسط لاجراء محادثات مع الزعماء العرب والاسرائيليين.
"انتهى"!
وتعليقاً على نتائج قمة مجموعة الثماني، رأى مسؤول مقرب من رئيس الوزراء الاسرائيلي أرييل شارون ان "عرفات انتهى. لقد بات جزءاً من التاريخ. منذ دعا الرئيس بوش الى قيام قيادة فلسطينية جديدة انتهى عرفات". وأضاف "ان موقف الاوروبيين من هذه المسألة مغالطة تاريخية. انهم لا يفهمون أو لا يريدون ان يفهموا ان عرفات صار عقبة أمام أي تقدم نحو حل لازمة الشرق الاوسط، كما لم يكن أيضاً من السهل على الاميركيين التوصل الى هذه الخلاصة الا انهم توصلوا اليها". واعتبر ان "عرفات في اغتراب عن الواقع. ما يهمه هو المكانة التي يرغب في أن يشغلها في التاريخ كأن يكون صلاح الدين الجديد كما يتخيل. لذلك اختار تصعيد العنف". وخلص الى ان "الرئيس بوش بدعوته الى قيام قيادة جديدة حرك دينامية ستنتهي لاحقاً بابعاد عرفات".
لكن وزير الخارجية الاسرائيلي شمعون بيريس ترك الباب مفتوحاً امام عرفات، اذ صرح انه يمكنه التعامل معه رئيساً للسلطة الفلسطينية "اذا كان مستعداً لتبني اصلاحات كاسحة". وقال: "اذا كان سيفعل هذا فلا مانع. اذا كان عرفات سيقوم بالاصلاح فان الامر كله يفقد الحاحه".
"لن استسلم"
وفي المقابل، كرر عرفات انه يرحب بما جاء في خطاب بوش عموماً وان بعض ما يحمله هذا الخطاب نال اعجابه مثل ضرورة انهاء الاحتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية ووقف الاستيطان.
وقال رداً على سؤال لصحيفة "ازفستيا" الروسية ان الشعب الفلسطيني هو الوحيد الذي يحق له انتخاب قيادته.
وسئل عما اشيع عن نيته مغادرة فلسطين الى بلد مجاور، فأجاب انه باق في فلسطين وسيبقى في هذا المكان حتى يرفع الحصار وينهي الاحتلال، مشيراً الى ان الاسرائيليين يضغطون عليه ليترك الوطن، و"يدعون ان عرفات مستعد لرفع الراية البيضاء. هذا كذب، فانني لن استسلم".
وفي عمان أكد مسؤول عربي ان صحة عرفات "ممتازة" وانه لا يشكو من أي ضعف في قدراته الذهنية، خلافاً لما نشرته الاسبوعية الايطالية "بانوراما". وقال "لقد وجدته أخيراً في حال ممتازة ويتمتع بكل قدراته الذهنية". وأوضح ان عرفات "كان ذهنه حاضراً خلال اللقاء كما كان مستيقظاً وينطق الالفاظ بصورة سليمة، الى انه كان هادئاً ولم تكن هناك علامة واضحة على تدهور صحته".
وفي لاكناو قدم رئيس الوزراء الهندي أتال بيهاري فاجبايي دعمه لعرفات. وقال انه "كان على الدوام صديقاً تقليدياً للهند وسابحث في سبل تخفيف حدة التوتر" بين اسرائيل والفلسطينيين.
الانتخابات
من جهة أخرى، اعلن وزير الحكم المحلي الفلسطيني الدكتور صائب عريقات ان دولاً عدة بينها الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي وافقت على ارسال خبراء الى المناطق الفلسطينية قريباً لمساعدة الفلسطينيين في تهيئة الظروف الملائمة لاجراء الانتخابات المقبلة—(البوابة)—(مصادر متعددة)