كررت واشنطن تعهدها بمشاورة حلفائها بشأن أي عمل عسكري ضد بغداد، غير ان برلين التي اعتبرت ان هذا التعهد "لم يعد يكفي"، اعلنت عزمها سحب قواتها من الكويت حال وقعت الحرب، وبينما رفضت باريس عملا اميركيا "احادي الجانب" ضد بغداد، فقد اكدت الاخيرة ان عودة المفتشين الدوليين لم تعد مسالة مهمة ذلك انها لن تثني واشنطن عن عزمها اطاحة نظام صدام.
واعلن نائب الرئيس الاميركي ديك تشيني التاكيد الخميس ان الولايات المتحدة "ستتصرف بحذر وبالتشاور مع حلفائها" والكونغرس قبل اتخاذ قرار بشأن كيفية "معالجة التهديد" العراقي.
وقال تشيني "ان الزمن ليس في صالحنا" متهما الرئيس العراقي صدام حسين بحيازة اسلحة دمار شامل (بيولوجية وكيميائية) واقامة "برنامج عدائي" للحصول على السلاح النووي.
وقال امام قدماء محاربي حرب فيتنام في سان انطونيو (تكساس جنوب) "نحن على قناعة بانه سيحصل على اسلحة نووية في فترة قريبة".ورأى ان الرئيس العراقي الذي "يسيطر على 10 بالمئة من احتياطي النفط العالمي" يمكن ان يسعى الى السيطرة على المنطقة والتلويح "بمساومة نووية".
ومع تعهده باجراء مشاورات فان تشيني تحدث بلهجة قاسية عن "الدكتاتور صدام حسين" الذي قال عنه انه يواصل برامجه العسكرية بالرغم من مفتشي الامم المتحدة.
واكد الرئيس الاميركي جورج بوش الموجود في اوكلاهوما سيتي من جهته "لن نسمح لاسوء القادة بحيازة افظع الاسلحة في العالم" غير انه كرر "انا رجل يتوخى الحذر".
شرودر: وعد الادارة الاميركية لا يكفي
وفي ما بدا ردا مباشرا على تعهد واشنطن بالتشاور مع حلفائها، فقد اعتبر المستشار الالماني غيرهارد شرودر في مقابلة تنشرها غدا الجمعة صحيفة "مونشنر ميركر" ان الولايات المتحدة لا يمكن ان تكتفي بالاعلان انها ستتشاور مع شركائها في حال حصول تدخل عسكري ضد العراق.
وقال شرودر "نظرا لحال النقاش مع الولايات المتحدة فان الوعد الذي قطعته ادارة بوش بالتشاور معنا في المستقبل لم يعد يكفي. حين ناخذ مبدأ المشاورات على محمل الجد، فانها يجب ان لا تكون حول مسالة متى او كيف وانما حول مسالة معرفة ما اذا سنقوم بها".
وتابع "اذا تصرفت الولايات المتحدة بدون التشاور مع المجموعة الدولية او حلفائها، فعليها ايضا ان تتحمل وحدها مسؤولية ذلك".
وقال المستشار الالماني ان المانيا تتحمل بشكل كامل مسؤولياتها الدولية قائلا "بعد الولايات المتحدة، لدينا اكبر عدد من الجنود المنتشرين ضمن عمليات دولية، اكثر من فرنسا او بريطانيا".
وكان شرودر اكد قبل ايام على "حق" المانيا بان يجري التشاور معها باسم جنودها ال 60 الفا المنتشرين خارج البلاد وبينهم عشرة الاف في افغانستان وفي القرن الافريقي او البلقان.
وكان المستشار الالماني اعلن بشكل جازم رفضه اقحام بلاده في اية عملية عسكرية اميركية محتملة ضد العراق.
وفي سياق متصل، فقد اعلن وزير الدفاع بيتر ستراك الخميس ان المانيا ستسحب وحدتها المتخصصة برصد الاسلحة النووية والجرثومية والكيميائية الموجودة في الكويت في حال وجدت انها معرضة للتورط في حرب في العراق".
واوضح الوزير في حديث الى صحيفة "برلينر زيتونغ" يصدر الجمعة ان آليات "فوش" لرصد تلك الاسلحة ارسلت الى الكويت في اطار الحملة ضد الارهاب الدولي".
وقال "اذا كان هناك خطر بان يتورط جنودنا في وضع حربي في العراق فهذا امر لا يغطيه القرار الصادر عن مجلس النواب الالماني والذي يحدد مهمة الجنود"، مضيفا انه لا بد من سٍحبهم حينذاك".
ويتمركز حاليا في الكويت ست آليات من طراز "فوش" و52 جنديا المانيا.
شيراك يعارض اي عمل اميركي "احادي الجانب"
الى ذلك، فقد انضمت فرنسا الى دائرة جبهة الرفض الدولية لعمل عسكري اميركي ضد العراق، وادان الرئيس الفرنسي جاك شيراك اليوم الخميس اي عمل عسكري "احادي الجانب ووقائي" تقوم به واشنطن ضد بغداد مؤكدا ان مثل هذا القرار يعود الى مجلس الامن الدولي.
وقال شيراك في الوقت الذي تهدد فيه واشنطن بتدخل عسكري لقلب نظام الرئيس العراقي صدام حسين "نشهد محاولة لتشريع استخدام القوة بشكل احادي ووقائي".مضيفا في لقاء في مقر الرئاسة الفرنسية مع سفراء فرنسا لمناسبة اجتماعهم السنوي "ان هذا التطور مثير للقلق".
واكد شيراك انه "في حال تمادت بغداد في رفض عودة غير مشروطة للمفتشين فانه سيكون على مجلس الامن وحده تقرير الاجراءات الواجب اتخاذها".
الدنمارك تدعو الى ابقاء الضغوط على العراق
على صعيد اخر، فقد دعا وزير الخارجية الدنماركي بير ستيغ مولر الذي تراس بلاده حاليا الاتحاد الاوروبي الخميس الى "ابقاء الضغوط على صدام حسين مع ترك خيارات التحرك مفتوحة من اجل اجباره على السماح بعودة مفتشي الامم المتحدة عن الاسلحة".
واعرب مولر عن امله في "حصول تفاهم مشترك حول هذه المسالة" داخل الاتحاد الاوروبي"، ولكنه شدد على ان "مجلس الامن هو الذي يجب ان يتساءل الى متى يمكننا ان نقبل بوضع مماثل"، معتبرا انه "اذا زال التهديد بالقيام بعملية عسكرية كخيار اخير فان المفتشين لن يعودوا ابدا الى العراق".
بولندا: الوضع "خطير جدا"
من جانب اخر وصف الرئيس البولندي الكسندر كوازنفسكي الخميس الوضع في ما يتعلق بالعراق في ظل ما وصفه من امتلاك صدام حسين لاسلحة الدمار الشامل، بانه "خطير جدا".
وقال الرئيس البولندي في حديث لاحدى الاذاعات الرسمية ان بولندا، البلد الذي يمثل المصالح الاميركية في العراق، "لن تعلن موقفها من مسالة دعم ضربة عسكرية في العراق الا عندما يطلب منها مثل هذا الدعم".
واكد الرئيس البولندي ان "الوضع خطير جدا. ولدى الاميركيين وثائق غير قابلة للشك تثبت ان صدام حسين يمتلك اسلحة دمار شامل بينها اسلحة كيميائية وجرثومية، يستطيع استعمالها بنفسه او بواسطة مجموعات ارهابية يدعمها العراق". مضيفا ان "القضية جدية تماما، وهي تتطلب اجراء مشاورات مع الولايات المتحدة داخل حلف شمال الاطلسي. واظن ان هذه المشاورات ستحصل".
كلارك يدعو الامم المتحدة الى منع الهجوم
الى هنا، ودعا وزير العدل الاميركي الاسبق رامسي كلارك الخميس من بغداد، الامم المتحدة الى اتخاذ الاجراءات اللازمة لمنع الولايات المتحدة من شن هجوم عسكري محتمل ضد العراق.
واعتبر كلارك في مؤتمر صحفي عقده في بغداد ان "اقل ما ينبغي للامم المتحدة ان تفعله هو ان تعرب علنا عن معارضتها لاي هجوم على العراق او شروع في اسقاط حكومته بالقوة".
واكد المسؤول الاميركي الاسبق ان "الولايات المتحدة لوعمدت فعلا وفقا لما صدر عنها كل تلك المرات العديدة من وعيد الى الهجوم على العراق للاطاحة بحكومته، فان ذلك سيشكل انتهاكا فاضحا صلفا مهينا لميثاق الامم المتحدة وميثاق نورمبرج والقانون الدولي، لا يضاهيه في صفاته تلك اي انتهاك عرف حتى الان".
وزار كلارك العراق مرات عدة منذ ازمة الخليج (آب/اغسطس 1990 - شباط/فبراير 1991) وندد بالحظر المفروض على هذا البلد منذ 12 عاما، معتبرا انه "انتهاك لحقوق الانسان وعملية ابادة".
رمضان: عودة المفتشين لن تثني واشنطن عن عزمها
هذا، وكان نائب الرئيس العراقي طه ياسين رمضان اكد الخميس في دمشق انه لا يرى ان السماح بعودة المفتشين الدوليين على برامج الاسلحة العراقية سيثني واشنطن عن تصميمها على قلب نظام الحكم في العراق.
وقال رمضان في ختام زيارته لدمشق حيث رئس اجتماعات اللجنة العليا السورية العراقية مع رئيس الوزراء السوري مصطفى ميرو، انه "لا علاقة لعودة او عدم عودة المفتشين وان الامر يتعلق بتغيير النظام بالقوة وعلينا ان نهيىء انفسنا له وعلينا ان نتخذ موقفا يواجه الصلف والعنجهية الاميركية البعيدة كل البعد عن مواثيق وقرارات مجلس الامن الدولي".
واكد رمضان "ان العراق يأخذ التهديدات الاميركية على محمل الجد لا ننا نعرف انها ادارة منحازة مجنونة ومجرمة وكل منطقها في العلاقة مع العالم هو منطق القوة".
الجامعة العربية: واشنطن تريد "بلقنة" الشرق الاوسط
وعربيا، اتهمت جامعة الدول العربية الولايات المتحدة بالسعي الى تطبيق مشروع يهدف الى "بلقنة" الشرق الاوسط، معتبرة ان رغبة واشنطن في التدخل العسكري ضد العراق تدخل في اطار هذا المشروع.
وقال سعيد كمال الامين العام المساعد لجامعة الدول العربية في تصريحات لوكالة الصحافة الفرنسية ان "الولايات المتحدة تريد بلقنة المنطقة وهذه استراتيجية اقترحها الاسرائيليون".
وقال كمال المكلف بالشؤون الفلسطينية في الجامعة العربية ان"الاسرئيليين حاولوا بلقنة لبنان وفشلوا. وها هي الولايات المتحدة تتجه الان الى دول اخرى. وتتجه انظار جزء من الادارة الاميركية الى العراق والسودان".
واكد "انهم يريدون بلقنة العراق وبلقنة السودان وبلقنة المنطقة للسيطرة عليها بشكل افضل".
وتابع "هذه استراتيجية تعود الى سنة 1973 في عهد غولدا مائير (رئيسة وزراء اسرئيل في ذلك التاريخ) وهنري كيسنجر (وزير الخارجية الاميركي الاسبق). وكانت (غولدا مائير) تريد منذ ذلك التاريخ بلقنة المنطقة".—(البوابة)—(مصادر متعددة)