اعلنت السلطة الفلسطينية عزمها التقدم بشكوى عاجلة الى محكمة الجنايات الدولية بخصوص المجزرة الاسرائيلية في غزة والتي اسفرت عن سقوط 165 فلسطينيا بين شهيد وجريح، وفيما اعلن الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ان جريمة اسرائيل افشلت اتفاقية لوقف النار بين الاسرائيليين والفلسطينيين، فقد تواصلت مواقف الادانة عربيا وعالميا، وخرجت واشنطن عن صمتها لتصف المجزرة بانها "قاسية".
وأعلن نبيل أبو ردينة، المستشار الاعلامي للرئيس الفلسطيني أن السلطة ستتقدم بشكوى رسمية إلى المحكمة الجنائية الدولية، التي انشئت مؤخراً "لمحاسبة المسؤولين عن الجريمة الإنسانية التي ارتكبت فجر اليوم بحق السكان المدنيين في مدينة غزة".
واعرب ابوردينة في بيان نشرته وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا) عن امل السلطة في ان تبدأ هذه المحكمة "بشكل فوري التعامل مع هذه القضية"، مضيفاً أن العملية "تأتي في اطار سياسة شارون الهادفة الى تخريب كافة الجهود الدولية التي تسعى لانقاذ عملية السلام كما تأتي نسفاً لكافة الجهود والاجتماعات التي عقدت مؤخراً سواء في واشنطن أو نيويورك أو المنطقة".
هذا، وقللت إسرائيل من خطورة مثل هذه الخطوة الفلسطينية.
ونقلت صحيفة يديعوت احرونوت عن مصادر قضائية اسرائيلية قولها إن السلطة الفلسطينية "ليست بمركز دولة حتى تستطيع التوجه إلى المحكمة الدولية، لذا فإنها بحاجة إلى موافقة مجلس الأمن الدولي".
واضافت مصادر الصحيفة مبعثا اخر على الاطمئنان الاسرائيلي بقولها "نحن على اقتناع تام بأن الولايات المتحدة سوف تستخدم حق النقض (الفيتو) لصالحنا لمنع إجراء من هذا القبيل ضدنا".
عرفات: "المجزرة جريمة نكراء بشعة لا يتصورها انسان"
الى هنا، فقد وصف الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات المجزرة الاسرائيلية في غزة بانها "مذبحة لا يمكن ان يتصورها انسان لديه جزء من العقل او الضمير او الوجدان"، مشيرا الى انها تسببت في افشال اتفاق لوقف النار بين الجانبين الاسرائيلي والفلسطيني.
وقال عرفات في تصريحات صحفية له نشرتها وكالة الانباء الفلسطينية وفا اليوم "انها مذبحة لا يمكن ان يتصورها انسان لديه جزء من العقل او الضمير او الوجدان وانما اقول هذا للعالم اجمع كيف يصمت على مثل هذه الجرائم وكيف لا يعمل على وقفها، وخاصة ان هناك كما هو معروف للجميع بوادر ايجابية في جميع الاتجاهات".
واوضح عرفات "ان هذه الجريمة كما اعلنت وصرحت كل الفصائل الفلسطينية هي جريمة نكراء".
وشدد الرئيس الفلسطيني على ان رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون "لا يريد السلام وانما الاستمرار في ممارسته لسياسته التي ينفذها منذ قبية ونحالين وعملية قتل الاسرى المصريين ومنذ مذبحة خان يونس ومذبحة صبرا وشاتيلا، ويتابع هذه المذابح ليكمل تاريخه الخطير ضد الامة العربية وضد الشعب الفلسطيني وضد الاحرار والشرفاء في العالم".
وأشار عرفات الى الاجتماع الذي عقده مؤخراً بين خمسة من الوزراء الفلسطينيين وبعض المسؤولين الإسرائيليين، برئاسة شمعون بيرس، وزير الخارجية الإسرائيلي، "بالإضافة الى الجهود التي بذلناها كأمة عربية منذ المبادرة التي تبنتها القمة العربية والجهود من أجل الوصول للحقوق الفلسطينية".
عشرات الالاف يشيعون ضحايا المجزرة
الى هنا، وشارك عشرات الالاف من الفلسطينيين اليوم الثلاثاء في تشييع شهداء المجزرة الخمسة عشر.
وانطلقت مسيرة الجنازة بمشاركة اكثر من خمسين الف فلسطيني وفقا لاحد مسؤولي حماس من مستشفى الشفاء بمدينة غزة وجابت شوارع المدينة الرئيسية باتجاه المسجد العمري الكبير وسط المدينة لاداء الصلاة عليهم.
وتقدم الجنازة الشيخ احمد ياسين مؤسس حركة حماس وعدد كبير من قادة القوى والفصائل الفلسطينية.
وشارك في الجنازة عناصر من كافة القوى الوطنية والاسلامية الفلسطينية خصوصا من حماس والجهاد الاسلامي وفتح والجبهتين الشعبية والديمقراطية اضافة الى اعضاء في المجلس التشريعي والفعاليات الشعبية الفلسطينية.
وشارك مئات المسلحين بينهم اكثر من مائتي مسلح من عناصر حماس الذين اطلقوا زخات من الرصاص في الهواء كما رفع المشيعون لافتات كبيرة كتب عليها "الموت لاسرائيل".
وردد المشيعون الغاضبون شعارات تدعو الى "الانتقام الفوري من الاحتلال" ومنها "الانتقام الانتقام يا كتائب القسام" و"يا شارون يا جبان جهز لجنودك الاكفان".
تظاهرات في مخيمات اللاجئين في لبنان
وفي مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، جاب عشرات الالاف مخيماتهم استنكارا "للمجزرة".
وتلبية لدعوة حركة حماس شارك نحو 25 الف لاجىء في تظاهرات حاشدة جابت مخيمات الرشيدية والبص والبرج الشمالي بالقرب من صور (83 كلم جنوب بيروت).
وتقدم تظاهرة الرشيدية التي ضمت نحو تسعة الاف نسمة 200 طفل يحملون اسلحة بلاستيكية وقد ارتدوا الزي العسكري المرقط وعصبوا جباههم بعصبات سوادء كتب عليها "حماس اننا قادمون".
وفي مخيم عين الحلوة بالقرب من صيدا، كبرى مدن جنوب لبنان، رفع المتظاهرون تلبية لدعوة منظمة التحرير الفلسطينية يافطات منها "لن تثنينا المجازر عن التمسك بحقوقنا" و"الرد يكون بتصعيد الانتفاضة".
وتعبيرا عن الاستنكار قام المئات من المتظاهرين بقطع المدخل الرئيس لمخيم عين الحلوة بالاطارات المحروقة وهم يلوحون بالاعلام الفلسطينية وصور الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ويهتفون "بالروح بالدم نفديك يا فلسطين".
وفي مخيمي البداوي ونهر البارد في شمال لبنان تظاهر نحو خمسة الاف فلسطيني بعد صلاة الظهر.
وجاب المتظاهرون طرقات المخيمين على وقع هتافات تطالب "بالرد على المجزرة" ومنها "المقاومة هي الرد الوحيد على المجزرة" و"بالروح والدم نفديك يا شهيد".
تنديد وادانة عربية ودولية
من جانب اخر، تواصلت بيانات الادانة والتنديد بالمجزرة من غير عاصمة عربية واجنبية.
فقد دان الاردن المجزرة التي تزامنت مع تكثيف الجهود السلمية لحل النزاع الاسرائيلي الفلسطيني.
ونقلت وكالة الانباء الاردنية الرسمية (بترا) عن وزير الاعلام الاردني محمد العدوان قوله ان "الحكومة الاردنية تستنكر الاعتداءات الاسرائيلية المتكررة على الشعب الفلسطيني الاعزل واصرار اسرائيل على توجيه آلة حربها العسكرية لقتل الابرياء".
وتساءل العدوان عن "التوقيت والدوافع من وراء هذه الاعتداءات الاسرائيلية"، واعتبر ان "ارتكاب هذه المجرزة بواسطة طائرة مقاتلة من طراز اف 16 هي تعبير واضح عن الاستخدام المتعسف لاحدث وسائل القتل والتدمير، وتعكس مازقا بدات الحكومة الاسرائيلية تعيشه مؤخرا جراء الدفع العربي الدولي والاميركي بشكل خاص لاقامة الدولة الفلسطينية واحلال السلام في المنطقة".
واضاف الوزير الاردني ان "الحكومة الاردنية تستهجن هذا الاعتداء وتشكك في توقيته لا سيما مع ظهور بوادر جديدة للحل السلمي واجماع الجهود العربية والدولية للخروج من ازمة التصعيد التي تشهدها الاراضي الفلسطينية بما يحقق طموحات الشعب الفلسطيني واقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني ويضمن الامن والسلام لكافة شعوب ودول المنطقة".
وفي دمشق، دانت الاذاعة السورية الرسمية المجزرة و"صمت" واشنطن معتبرة انها "جريمة واضحة ضد الانسانية".
وقالت اذاعة دمشق في تعليقها اليومي "ما حدث امس في غزة جريمة واضحة كل الوضوح بحق الانسانية وتنطبق عليها جميع معايير جرائم الحرب وينبغي سوق مخططها ومنفذها الى محكمة الجزاء الدولية في لاهاي".
واضافت ان "هذه المذبحة الخطيرة اثارت احتجاج كثير من الاسرائيليين لكنها لم تحرك ضمير اصحاب المشاعر الرقيقة في واشنطن".واكدت ان "هذا الصمت الدولي يدفع شارون الى ارتكاب مذابح جديدة وتجاوز كل المحظورات كما فعل امس في قطاع غزة حيث الحق دمارا واسعا في حي سكني كبير بطائرات اف-16 التي لم يستخدمها احد في العالم ضد المدنيين".
وفي بيروت دان المرشد الروحي للاصوليين المسلمين في لبنان السيد محمد حسين فضل الله اليوم الثلاثاء الغارة الاسرائيلية على غزة باعتبارها "مجزرة اميركية بامتياز" داعيا الشعوب العربية والاسلامية ومسؤوليها الي التحرك لمواجهتها.
وقال فضل الله في تصريح صحافي "هذه المجزرة دليل دموي اخر على حجم التغطية الاميركية المعطاة لاسرائيل والتي تجاوزت كل الاعراف والمقاييس والتي هي وصمة عار اضافية على جبين الادارة الاميركية".
واضاف "انها مجزرة اميركية بامتياز وهي جزء لا يتجزأ من خطة اميركية اسرائيلية لتوجيه اكثر من رسالة دموية في طول العالم العربي والاسلامي وعرضه".
كما دانت الحكومة الايرانية بشدة اليوم الثلاثاء الغارة الاسرائيلية على مدينة غزة منددة ب"اغتيال الاطفال والنساء".
ونقلت الاذاعة عن المتحدث باسم وزارة الخارجية حميد رضا آصفي "اننا نشعر بالاشمئزاز امام هذه الهجمات الشاملة لجيش النظام الصهيوني على الشعب الفلسطيني مستخدما الطائرات الحربية في قصف المناطق السكنية والشعب الاعزل واغتيال الاطفال والنساء خاصة".
واضاف آصفي "على المجتمع الدولي ولا سيما الدول التي تدعم اسرائيل وعلى راسها الولايات المتحدة ممارسة الضغوط على هذا النظام لكي يوقف هذا النوع من الاعتداءات".
وبدورها، انضمت فرنسا الى الدول الاوروبية التي اعلنت ادانتها للمجزرة الاسرائيلية، لكنها لم تدل باي تعليق حول اغتيال الشيخ صلاح شحادة.
واعلن مساعد المتحدث باسم الخارجية الفرنسية برنار فاليرو "اننا ندين بشدة العمل العسكري الاسرائيلي الذي نفذ مساء امس في غزة واسفر عن سقوط العديد من الضحايا في صفوف السكان وخصوصا الاطفال".
واضاف المتحدث ان "من حق اسرائيل الدفاع عن نفسها ضد الارهاب، لكن عملية من هذا النوع لا يمكن في اي حال من الاحوال ان تسهم في ايجاد حل".
وفي لندن، اعتبرت وزارة الخارجية البريطانية الغارة الاسرائيلية "غير مقبولة ونتائجها عكسية".
وقال متحدث باسم الوزارة "اذا كان لاسرائيل اسباب وجيهة في اتخاذ اجراءات لحماية نفسها من هجمات ارهابية فان هذه الاجراءات لا ينبغي ان تكون غير متناسبة ولا مبالغ فيها".
واضاف ان "تدخل الامس الذي تسبب خاصة في مقتل ثمانية اطفال خلال هجوم صاروخي في غزة لا يمكن قبوله وهو يؤدي الى نتائج عكسية".
ودانت المفوضة العليا لحقوق الانسان التابعة للامم المتحدة ماري روبنسون المجزرة وقالت في تصريح خطي "اضم صوتي الى صوت الامين العام (للامم المتحدة كوفي انان) للتعبير عن الاسف للعمل الاسرائيلي".
واضافت "ان القتل غير المسؤول لمدنيين، وفقا للقانون الدولي الانساني وفي مجال حقوق الانسان، محظر بتاتا مهما كانت الاهداف العسكرية المبتغاة منه".
واكدت المفوضة العليا ان اسرائيل "يجب ان لا تتخلى عن مبادئها الاساسية وقيمها حتى عندما يكون سكانها المدنيون مهددين جديا".
واشارت الى ان السياسة الاسرائيلية تقف ضد مبادىء دولة ديموقراطية والقانون الدولي.
وتخشى روبنسون التي دانت بشدة العمليات الانتحارية ضد مدنيين اسرائيليين، ان تؤدي الغارة الجوية على غزة الى تاجيج العنف.
وقالت "ان دورة العنف الوحشي يجب ان تنتهي. وهذا يفترض، بنظر العالم، عملا مسؤولا من قبل طرفي هذا النزاع الماساوي".—(البوابة)—(مصادر متعددة)