افاد تقرير لوكالة الانباء الالمانية، نشر في عدد من الصحف العربية اليوم، بأن اسرائيل كشفت وللمرة الاولى امس الاول،عن وثائق سرية حول تواطؤ الولايات المتحدة الامريكية في تحويل الدولة العبرية إلى قوة نووية في المنطقة من خلال غض الطرف عن مساعي تل ابيب المتواصلة في هذا الشأن. وتتعلق الوثائق بمراسلات الخارجية الامريكية للفترة من عام 1964 حتى عام 1968،
وتتضمن مراسلات بين الرئيس الامريكي الاسبق ليندون جونسون ووزير خارجيته دين راسك وبين كل من رئيس الوزراء الاسرائيلي الاسبق ليفي إشكول والرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر، وتعكس في مجملها فشل إدارة جونسون في الضغط على إشكول السماح لمفتشين أمريكيين بزيارة مفاعل ديمونه الذي بنته فرنسا, ومحاولات أمريكا لطمأنة عبدالناصر حيث كتب راسك في إحدى مراسلاته (نحن نتوقع رد فعل عربي شديد وشراء مفاعل مشابه على أقل تقدير, ربما بمساعدة السوفييت" . وقال راسك انه "لحسن الحظ اننا اقنعنا اسرائيل بدعوتنا لمراقبة ديمونه بشكل دوري, نحن نستطيع استغلال ما توصلنا له لحصر خوف الحكومات العربية, علينا مواصلة الضغط على اسرائيل للامتناع عن السير في مسار السلاح النووي" . وبناء على ذلك التقى روبرت كومر مبعوث جونسون في الحادي عشر من شباط 1964 مع عبد الناصر في القاهرة بهدف تهدئته, مع تقديم وعد بأن مفاعل ديمونه مخصص للاغراض السلمية وموجود تحت المراقبة الامريكية. وكتب كومر مع نهاية المهمة: "الرئيس ناصر أوضح بان احراز اسرائيل للسلاح النووي قد يتسبب في اندلاع الحرب ولا يهم العرب إن كانت هذه الحرب حربا انتحارية بالنسبة لهم" , الا ان اسرائيل رفضت الانصياع لقرار مجلس الامن القومي الامريكي. وبانتزاع موافقة إسرائيل على إرسال التقرير الامريكي لمصر حول نتائج المراقبة الدولية في ديمونه, ورغم رسالة من جونسون إلى إشكول يقول فيها "لقد أسفت لما نقله السفير باربر بانك لا تستطيع المصادقة على وعد امريكي للرئيس جمال عبدالناصر يقرر بأن مفاعل ديمونه مخصص للاغراض السلمية فقط". وأضاف جونسون في رسالته "قولك بأن هدف القوة الاحتياطية الذرية الاسرائيلية هو ردع جمال عبدالناصر عن مهاجمة اسرائيل يقلقنا, نحن نعتقد ان الحديث يدور عن وضع معكوس, خوف عبدالناصر من تطوير قوة نووية اسرائيلية قد يدفعه لاختيار تسريع بناء قوته العسكرية او شن هجوم يائس من جانب واحد, سيكون لكل واحد من التأثيرين تأثير خطير على أمن اسرائيل, من الصعب ان نفهم كيف يستطيع ناصر ان يقبل التمييز ضده في ارسال المعلومات في الوقت الذي تجري فيه النشاطات في المفاعل لاغراض سلمية. انا آمل ان تعيد دراسة قرارك بهذا الصدد, وعلى ثقة انك ستوافق على ان نوايانا لتحسين امن اسرائيل مشابهة لنواياك" . وفي ايلول عام 1964 أرسل جونسون مبعوثا آخر إلى عبد الناصر هو جون ماكلوي, ووجد ماكلوي بأن لدى عبدالناصر استعدادا للتعاون في مجال السلاح النووي ولكن ليس في مجال الصواريخ. وقال عبد الناصر لماكلوي "المشكلة في الشرق الاوسط ليست الصواريخ وانما فلسطين" وأنه "لن يكون بامكان أي شيء ان يحول دون سباق التسلح الا بحل القضية الفلسطينية" . وكشف تقرير المراقبة الامريكي في المفاعل النووي الاسرائيلي في الخامس من شباط عام 1965 عدم اليقين الامريكي بالنسبة لقدرة اسرائيل النووية, والسبب في ذلك حسب ما ورد فيه ان اسرائيل اخفت وجود المفاعل لمدة عامين ولم تسمح بوقت كاف للزيارة, كما انها حظرت زيارة منشآت اخرى تابعة له وأصرت على ان شراء اليورانيوم مسألة خارجة عن غرض الزيارة. واقترحت ان يقوم فريق المراقبة "بفحص هذه المسألة من خلال القنوات الدبلوماسية الاعتيادية" . وكشفت وثيقة داخلية وزعت بعد ذلك بشهر في الخامس من اذار عام 1865 ان "كل المؤشرات تدل على ان اسرائيل تمتلك قدرة نووية" وأن "التردد الامريكي والتأخر في ممارسة الضغط اثر المراقبة الاخيرة دفعت الاسرائيليين للاعتقاد بان المراقبة ليست جدية" . وعززت الرسائل الواردة من السفارة الامريكية في تل ابيب الافتراض بان اسرائيل تتحول الى دولة عظمى نووية, وقدرت ان الموعد المتوقع لانتاج السلاح النووي هو ايلول عام 1968 وأن إسرائيل قد اشترت بالفعل المعلومات العلمية اللازمة لانتاج البلوتونيوم. كما أرسل السفير الامريكي باربر إلى واشنطن برقية تفيد ان العاملين في ديمونة يغررون بفريق المراقبة الامريكي "الا ان ذلك يتم بشكل مخالف لرأي رئيس الحكومة" في إسرائيل حسب اعتقاده. أما راسك فكتب في رسالته التي وجهها لجونسون في العاشر من ايار عام 1965 ان اسرائيل قد ضللت الولايات المتحدة بشكل مقصود بصدد ديمونه ولذلك يتوجب الافتراض حسب رأيه بانها تريد انتاج السلاح النووي دون ان تتشاور مع الولايات المتحدة ولذلك "علينا ان نضغط على اسرائيل حتى توافق على مراقبة وكالة الطاقة النووية فور الانتخابات في شهر تشرين ثاني" . وأبلغ جونسون إشكول بذلك لاحقا بالفعل, إلا ان اشكول رفض اقتراح جونسون بصدد المراقبة الدولية. وذكر تقرير وكالة الاستخبارات الوطنية لوزير الدفاع الامريكي في الرابع من ايار عام 1966 أنه لا تتوفر أدلة على انتاج اسرائيل للسلاح النووي او انها تنوي ذلك. الا ان التقرير أقر بأن الطاقم لم يتمكن من بحث حتى مسألة كمية اليورانيوم المركز الذي اشترته إسرائيل من الارجنتين في حدود ما بين 80 إلى مئة طن, وإبان بيع طائرات الفانتوم الاولى إلى إسرائيل في بداية عام 1966 اصرت الادارة الامريكية على مصادقة اسرائيل على التعهد بان لا تكون الدولة الاولى التي ستدخل السلاح النووي للمنطقة. وقال وزير الخارجية الاسرائيلي في ذلك الوقت, ابا ايبان, لوزير الدفاع الامريكي روبرت مكنمارا ان اسرائيل لا تنوي صنع سلاح نووي, "نحن لن نستخدم طائراتكم لحمل السلاح النووي الذي لا ننوي اقامته ونأمل ان لا يكون لدينا". واستمرت واشنطن على مخاوفها وتهديداتها, وأوضح وزير الخارجية راسك بعد عدة أشهر لمبعوث إسرائيلي رفيع المستوى انه إذا طورت اسرائيل سلاحا نوويا "فستفقد دعم ومساندة الولايات المتحدة" , إلا أن الدعم الامريكي استمر, خاصة بعد اندلاع حرب الشرق الاوسط في حزيران من العام التالي التي قلبت الكثير من الموازين والمفاهيم السياسية والعسكرية في الشرق الاوسط والعالم. –(البوابة).—(مصادر متعددة).