وفاة الأسد: اللحظة السورية الصعبة

تاريخ النشر: 10 يونيو 2000 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

دمشق – البوابة 

مات حافظ الأسد، وعندما نقول حافظ الأسد نقول : ما بعده وما قبله. 

واللحظة السورية الصعبة، في التوقيت الصعب في السؤال الصعب وفي الإجابة التي تبدو مستحيلة وليس ثمة من لا يحمل السؤال ويجد الإجابة بدءاً من الهامش وصولاً للنخبة. 

حافظ الأسد :  

وصفه صاحب كتاب "السلام المفقود" كريم بقردوني بأنه "طويل القامة، ابيض اللون ، مستطيل الوجه تعلوه جبهة عريضة .. ذقنه مرتفعة تدل على السطوة، عيناه صغيرتان تتألقان ذكاء وحزماً .. خجول التصرف ومتحفظ .. يمشي على مهل ، ويتحرك بهدوء وبشئ من الجلال، يتكلم دائماً بتهذيب وبصوت خفيض فيه بحة.. لا يرفع صوته ابداً حتى ليبدو على شيء من الخفر .. انيق القيافة وان بدت عليه رواسب من اصله القروي ومن تنشئته العسكرية .. يقص شعره قصيراً على طريقة المجندين ويحمل جسداً غير متوازن يميل الى الثقل بعكس نظراته المتوقدة دهاء وقوة". 

"ويقسو على ذاته وعلى الآخرين، ويسير الى هدفه بصبر وعناد ومسيرته السياسية تنطبق على صورة شخصيته. لقد بنى سلطته حجراً بعد حجر ، وسار بها خطوة خطوة .. لا يستعجل ابداً . لا يتأثر ولا يثور .. يفضل الهدوء في الوصول الى غايته , ويعتمد الإقناع قبل الوصول الى الإكراه وهكذا تسلم السلطة على دفعتين : انقلاب ابيض عام 1969، ثم ضربة نهائية عام 1970 . 

" تدخل في لبنان … سياسياً عام 1975 ثم عسكرياً عام 1976 كان يحب ان يهضم فريسته ثم يركز عملياته .. يتوقف بعد كل ضربة يفاوض .. يفحص .. بحسب ثم يكيل الضربة التالية.. انها سياسة الصدمات الكهربائية القصيرة والمتلاحقة .. انه لا يسلك سياسة اخذ كل شيء وفوراً بل يسعى لاخذ كل شيء ولكن بالتقسيط". 

لقد صقلت فيه تنشئته العسكرية كضابط طيار، مواهب نادرة .. صار قادراً ان يعاين الامور التفصيلية على الارض وهو على علو شاهق .. يدخل في المسائل الصغيرة والدقيقة وفي الوقت ذاته لا تغيب عنه الرؤيا الشاملة يحسب حساب المجازفة والمناسب، وبحكم تشدده يعرف كيف يدفع بالتحدي الى بعيد، مهملاً نصائح ذوي التروي والحكمة.. يحتقر التهديد، وبحكم مرونته يمكنه تجنب المأزق او المهلك ببراعة وسهولة. 

وصفه نائبه الحالي عبد الحليم خدام بأنه "استاذ في فن المناورة .. يخبئ إمكاناته التكتيكية التي لا تخطر في بال احد ويعرف كيف يركب الموجة في ذروة ارتفاعها ويعود بها الى حيث يريد .. يمارس سياسة شفير الهاوية، ويتمكن من الوقوف في الوقت المناسب على مسافة قصيرة من الحافة .. فولاذي الأعصاب مدهش بإخفاء مقاصده .. قادر على اتخاذ القرار المناسب في الوقت الذي لا ينتظره فيه أحد. 

طور الاسد أسلوبه في الحكم منذ منتصف السبعينات .. فجعل من مذهبه مذهباً دولياً واسع الطموح . واخترع لهذا المذهب اداة علمانية سماها (اللعبة المفتوحة) ومذهب يبدو تارة قوة استقرار وطوراً نظام حماية، وكان هذا المبدأ قد طبق على علاقاته بالداخل تماماً كما على علاقاته بالخارج ومثالها لبنان ففي لبنان اعطى لنفسه مجموعة حقوق :  

حق دولة عربية بالتدخل عسكرياً على ارض دولة عربية اخرى وتحت شعار مفهوم الامن يتخطى مفهوم السيادة. 

حق دولة صغيرة او متوسطة كسوريا بأن تدير مباشرة شؤون دولة اخرى صغيرة كلبنان دون أي تفويض ومن أي احد. 

قبل ان يتسلم الاسد السلطة في دمشق كان يتجاذب العالم العربي محوران واحياناً ثلاثة محاور – مصر والسعودية، والعراق ، وكان دور دمشق لا يتعدى دور التابع للقاهرة، او لبغداد ولكن سرعان ما اسقط الاسد دور بغداد وانزله الى المرتبة الثانية منذ عام 1973 وعزل مصر بعد زيارة السادات للقدس عام 1977 وراح يقتسم الزعامة مع العربية السعودية. 

لم تعرف سوريا مثل هذا الاستقرار الا في عهد حافظ الاسد ولكن الجانب الآخر من الصورة هو ان سوريا تعيش في حالة حصار واستنفار منذ 1970 لقد استطاع حافظ الاسد ان يستمد هذه الحقبة القياسية، وان يحقق هذه السياسة الكبيرة والطموح بفعل احكام قبضته الحديدية على الوضع الداخلي، ولا تخفى بعض مظاهر الليبرالية على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي واقع النظام العسكري السائد في سوريا. 

اذا كان حافظ الاسد من ابرز نجوم السياسة في العالم فان الفريق الحاكم الى جانبه مجهول. 

صعد الى السلطة بمغامرة وامسك باحتمالات كل لحظة.