و.. السلام- خالد ابو الخير

تاريخ النشر: 27 مايو 2006 - 02:56 GMT




لا أحد يدري كيف تدهورت الأمور مرة واحدة ووصلت إلى الحد الذي يمكن تسميته دون أدنى مبالغة: كارثة قومية.

بدأ ذلك بالضبط في الساعة السابعة من اليوم السابع من الشهر السابع: كنا ثلاثتنا نحتسي القهوة في مكان راق، وكان وجه المذيع يطل علينا من شاشة التلفاز مبتوراً كأطراف العائدين من الحرب.. وربما أرواحهم! النشرة كانت تتضمن آخر التفجيرات في العراق، واشتباكات غزة.. ونتائج عملية شد الحبل الايرانية الامريكية؟! لحظةً صفن "أبو راكان" فجأة. مال على كرسيه قاذفاً بصره إلى أمام.. تجاه الجدار: ماذا في الجدار؟ لم يكن فيه البتة ما يدعو لهذا الاستغراق.

اهتممت لأمره، فهو صديقي على أية حال، رغم أن لقاءاتنا لا تتم عادة، إلا مرات تعد على أصابع اليد الواحدة، كل عقد من الزمان.. سألت مرافقه: ما به؟

أجابني نبيل بلا اكتراث: لا تقلق.. هو يصفن دائماً، بل أنني انعديت منه.

انعدى؟ يا للغرابة.. كيف؟‍‍ وقبل أن أتم سؤالي، كان نبيل يصفن أيضاً..تجاه الجدار الآخر.

اللعنة.. لا شك أنهما يمزحان؟ نهضت مسارعاً وهززتهما مرات ومرات لكنهما بقيا جامدين، مبحلقين في الفراغ، كأبي الهول الذي نطق مرة واحدة، قال فيها لـ "جبران": الصحراء حبة رمل، وحبة الرمل صحراء.

صحت على النادل، لأطلعه على الأمر ليحضر طبيباً أو سيارة إسعاف، لكنه لم يجبني؟ ذهبت إليه.. فوجدته صافناً يحدق بذهول إلى السقف. وأنى نظرت، كان جميع رواد المقهى والموظفون صافنين، وكأن على رؤوسهم الطير.

المشهد بدأ كإحدى مسرحيات اللامعقول، أو كحلم، فسرت الأمر فوراً بأني أحلم. لكن حين فركت عيني.. كان القوم ما زالوا يبحلقون في الفراغ.

غادرت المقهى مسرعاً، وشاهدت بأم عيني الكارثة. اللعنة.. فقد امتدت العدوى إلى الشعب: السيارات متوقفة كيفما اتفق، وركابها والمشاة وحتى بائعي القهوة والسجائر وشرطة السير كانوا صافنين أيضاً؟.

عدت إلى المقهى كمجنون، عازماً على إبلاغ السلطات بالكارثة، قبل أن تستفحل وتعم البلاد، لكني فوجئت، بعدما انتزعت سماعة الهاتف من يد شخص صافن، واتصلت.. بأن الإجابة الوحيدة التي كنت أتلقاها كانت: لحظة من فضلك، جميع الخطوط في الاتجاه المطلوب معطلة.

لحظتها.. بدأت العدوى تصلني، وقبل أن أصفن تماماً. شاهدت وجه المذيع يندلق من شاشة التلفاز على الأرض.. يتكسر سأماً، وهو ما زال يقرأ نشرة الأخبار.
كان آخر ما قاله: والسلـ.ا.ا.ام