بعد عامين على هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001، لا يزال زعيم القاعدة المتهم بتدبيرها طليقا يصدر البيانات المصورة والمسجلة والمكتوبة التي تتحدى الولايات المتحدة، ولا تزال الاسئلة الاساسية حولها، والتي لم تجد اجابات بعد، توفر بيئة خصبة لتكاثر نظريات المؤامرة التي تحاول تفسيرها استنادا الى ما تمخضت عنه من نتائج غيرت وجه العالم.
ويشكل الشريط المصور الجديد الذي بثته قناة "الجزيرة" الفضائية ويظهر فيه بن لادن والظواهري يتجولان في "منطقة جبلية غير معروفة" والتسجيل الصوتي لكل منهما عشية الذكرى الثانية لاعتداءات نيويورك وواشنطن تحذيرا جديدا من ان الحرب التي تشنها الولايات المتحدة على الارهاب لم تنته بعد.
وما زال الاميركيون يشعرون بالخوف من وقوع هجمات جديدة ضد اهداف اميركية. وبقيت مدينة نيويورك طوال العامين الماضيين في حالة تاهب عالية تحسبا لهجمات ارهابية.
وازدادت المخاوف بعد ان الشريط الذي بثته الجزيرة لزعيم القاعدة ومساعده.
وفي الشريط اشاد بن لادن بمنفذي الهجمات.
وقال "من اراد ان يتعلم الوفاء والصدق والكرم والشجاعة لنصرة الدين فليغرف من بحر احمد الغامدي ومحمد عطا وخالد المحضار وزياد الجراح ومروان الشحي واخوانهم" وهم من المنفذين الـ19 للاعتداءات الذين اختطفوا الطائرات الاربع ونفذوا بها الهجمات.
من جهته توعد الظاهري الاميركيين بقوله ان "ما رأيتموه حتى الآن ليس الا المناوشات الاولى الملحمة لم تبدأ بعد". واضاف "سنقول لهم اننا لسنا دعاة قتل وتدمير لكننا سنقطع اي يد تمتد الينا بالعدوان".
اسئلة دون اجابات
وبعد مرور عامين على الهجمات، لا يزال محققو مكتب المباحث الفيدرالي الاميركي (اف. بي. آي) والكونغرس مختلفين حول ما اذا كان الخاطفون التسعة عشر تلقوا مساعدات من نشطاء آخرين من "القاعدة" داخل الولايات المتحدة، ولم يتمكنوا بعد من الإجابة على بعض الأسئلة الاساسية في هذه القضية.
ولا تزال الشكوك مستمرة على الرغم من اكبر تحقيق يجريه مكتب المباحث الفيدرالي في تاريخ الولايات المتحدة، اشتمل على إجراء 18 ألف مقابلة وشارك فيه 7 آلاف من موظفي المكتب. وقد زاد ذلك من احتمال الا يعرف الشعب الاميركي بالضبط كيف تمكن المشاركون من تنفيذ اكثير الهجمات الارهابية تدميرا في تاريخ الولايات المتحدة.
وذكر المسؤول عن مكافحة الارهاب في مكتب المباحث الفيدرالي لاري ميفورد الاسبوع الماضي: "اننا نعلم الكثير عن الهجمات. ولكن لسوء الحظ لا نعرف كل شيء".
وتتعلق بعض الشكوك بتفاصيل مثيرة، اذ صعب على المحققين الفهم الجيد لسبب حجز الخاطفين تذاكر تشمل التوقف في لاس فيغاس خلال ما يبدو انه كان تدريباً على الطائرات المدنية في 2001.
كما لم تعثر السلطات على تفسيرات محددة، لبداية قائد المجموعة محمد عطا وخاطف آخر هو عبد العزيز العمري، رحلتهم الانتحارية عبر رحلة خطرة من بورتلاند بولاية مين الى بوسطن، حيث وصلا قبل دقائق وكان بالامكان الا يتمكنا من ركوب الطائرتين.
وما الذي تم بالضبط في اجتماع في كوالالمبور في كانون الثاني/يناير 2000، حيث يعتقد المحققون ان بداية تطبيق المؤامرة كانت هناك؟
غير ان اكبر الالغاز، الذي اصبح اكثر غموضا في الشهور الاخيرة، يتركز على الدعم الذي حصل عليه الخاطفون وهم يعدون العملية، وما الذي يمكن ان يشير اليه ذلك بخصوص وجود شبكة من النشطاء في الولايات المتحدة.
وقد أثار تحقيق الكونغرس الاخير احتمال ان يكون هناك أنصار للقاعدة داخل الولايات المتحدة لمساعدة الخاطفين، كانوا على علم ببعض جوانب المؤامرة على الاقل.
واذا صح ذلك، فربما يعني ذلك احتمال ان هناك شركاء للقاعدة في الولايات المتحدة حالياً وهم طليقو السراح.
وقد توصل المحققون، الذين اعتقدوا في البداية ان وجود مثل هذه الشبكة امر مرجح، في اوائل العام الماضي الى عدم وجود امكانية للعثور على دليل على وجود جهد داخلي منظم لمساعدة الخاطفين.
ومنذ ذلك الوقت قدم كل من مكتب المباحث الفيدرالي ووزارة العدل والمسؤولين الاستخباراتيين صورة لفرق الخاطفين على انهم نشطاء منظمون لم يتعاملوا مع احد ولم يعتمدوا على خلايا قائمة للحصول على مساعدة.
ويعتقد المحققون ان الخاطفين اعتمدوا على مهاجرين ليست لهم علاقة بالارهاب من اجل الحصول على شقق واوراق هوية وغيرها من المساعدات بعدما دخلوا الولايات المتحدة.
ولكن في تقرير صدر الصيف الماضي، توصل التحقيق المشترك الى نتيجة مختلفة مفادها ان مصادر الاستخبارات وتحقيقات مكتب المباحث قد كشفت عن اتصالات بين عدد من كبار الخاطفين و14 على الاقل من الشركاء في سان دييغو وفي اماكن اخرى من الولايات المتحدة.
وقد اعاد هذا الادعاء تركيز الاهتمام على اداء ومدى كفاءة مكتب المباحث، الذي تعرض هو ووكالة الاستخبارات المركزية (سي. آي. ايه) الى انتقاد حاد العام الماضي لعدم التصرف بطريقة اكثر نشاطا لتحديد مكان اثنين من الخاطفين اللذين كان معروفا انهما دخلا الولايات المتحدة في صيف 2001. وأوضح تقرير الكونغرس ان "حقيقة معرفة مكتب المباحث لعدد كبير للغاية من الاشخاص الذين ربما اجروا اتصالات مع الخاطفين، يثير تساؤلا، حول مدى معرفة المكتب بنشاطات الجماعات المتطرفة في الولايات المتحدة قبل 11 سبتمبر".
وقال دانيال بنيامين، الذي كان مسؤولاً في مجلس الامن القومي في ادارة الرئيس السابق بيل كلينتون وانتقد دور مكتب المباحث الفيدرالي في مواجهة الارهاب "ان وجهة نظر مكتب المباحث لوقت طويل بعد احداث 11 سبتمبر كانت تنظر الى ذلك كعمل ثوري في إطار تاريخ الارهاب لأنه من تنفيذ ارهابيين وصلوا الى هذا البلد ولم يندمجوا في البنية الاساسية للمجتمع. اما الآن فيبدو ان الامر لم يكن كذلك".
غير ان المسؤولين في مكتب المباحث الفيدرالي وفي جهات اخرى من ادارة الرئيس جورج بوش فندوا مثل هذه التوصيفات، وقالوا ان نتائج تحقيقات الكونغرس تعتمد على ادلة قديمة او غير دقيقة وتتعارض مع احدث الاكتشافات في القضية.
وقال المسؤولون انه تم اجراء تحقيقات مكثفة حول كل الشركاء الذين اشير اليهم في التقرير. واضافوا انه بالرغم من المعتقدات والاتصالات الراديكالية لبعض الشخصيات الاساسية، فلا يوجد دليل على معرفة مسبقة او المشاركة في مؤامرة 11 ايلول/سبتمبر.
نظريات المؤامرة
قبل أن ينقشع الغبار من فوق ركام مركز التجارة العالمي بدأت تتردد أول نظرية مؤامرة فيما يتعلق بهجمات 11 أيلول/سبتمبرة.
فقد زعم البعض أنه شوهد وجه الشيطان للحظة مع انهيار المبنى. كما ترددت مزاعم بأن الطبيب الفرنسي نوستر أداموس (1503- 1566) تنبأ بوقوع هذه الهجمات.
وبدأت الاكاذيب وأنصاف الحقائق تشق طريقها إلى عقول الناس على الرغم من أنه لم يكن هناك أدنى دليل على أنه لم يقم بالهجمات أحد سوى مجموعة من الشباب عقدت العزم على اللجوء إلى الارهاب.
وحققت كتب المؤامرة خاصة تلك التي تزعم أن الولايات المتحدة هي المدبر الحقيقي لاحداث 11 أيلول/سبتمبر أعلى المبيعات لاسيما في ألمانيا وفرنسا.
وهناك عشرات من مواقع الانترنت التي تزعم إذاعتها "الحقيقة" بشأن الهجمات.
وكتب الصحفي هانز لينديكر في صحيفة سود دويتشه تسايتونج التي تصدر في ميونيخ مؤخرا "لو قمت بطرح كتاب مكتوب بشكل سيئ ويزعم أن هناك مؤامرة عالمية فإن الجميع سيشترونه .. فكيف نكون جميعا بهذه الحماقة؟".
ويقول لينديكر إنه كلما كانت الاسئلة أكثر حماقة، كلما تفاخر المؤلفون بنظرتهم الثاقبة المفترضة.
ومن قبيل هذه الاسئلة "هل كان بوش وراء الهجمات على واشنطن ونيويورك حتى يستحوذ على أكبر قدر من السلطة؟ هل كانت الطائرات التي ضربت البرجين تدار بالتحكم عن بعد من البيت الابيض؟ هل قام شقيق الرئيس، جيب بوش، بحجب أدلة لمساعدة الاسرة؟".
وبعد تجاهل هذه النظريات إلى حد كبير، أتيحت لوسائل الاعلام الالمانية فرصة هذا الاسبوع لكشف سخف هذه المزاعم.
فقد نشرت مجلة دير شبيجل أمس الاول على غلافها صورة لمركز التجارة العالمي وهو مقلوب. وحمل عنوان تقرير الغلاف عبارة "بانوراما اللامعقول"، وسرد التقرير كل الطرق التي تجاهلت بها نظريات المؤامرة الحقائق أو أساءت بها تفسيرها.
وقالت المجلة "إنهم يعاملون كل معلومة تبدو غير متسقة كشكل من أشكال الادلة على نظرياتهم الزائفة".
وأضافت دير شبيجل "بدلا من السعي والبحث عن الحقائق المفقودة، يفسر أصحاب نظريات المؤامرة الفجوات في معلوماتهم كدليل لصالحهم مما يتيح لهم التلميح إلى حدوث تلاعب من جانب الشرطة السرية وأجهزة المخابرات".
وملك نظريات المؤامرة الالماني هو أندرياس فون بويلو 66 عاما وهو محام شغل منصب وزير العلوم في ألمانيا لاكثر من 20 عاما.
وساعدته مكانته كوزير دولة سابق للدفاع وعضو في اللجنة البرلمانية التي تراقب أجهزة المخابرات في ترويج نظريته التي تقول إن أجهزة المخابرات الامبركية وجهت الطائرات نحو مركز التجارة العالمي وأطلقت صاروخ كروز على البنتاغون لتمهيد الطريق لسيطرة الولايات المتحدة على العالم.
وكان أكثر الكتب رواجا كتاب ألفه صحفي من برلين هو ماتياس بروكيرز 49 عاما الذي قام بمعظم أبحاثه عبر شبكة الانترنت ويزعم أن الهجمات دبرتها الولايات المتحدة حتى يمكنها غزو أفغانستان وكسب خط لانابيب النفط.
وحتى الان صدرت من الكتاب 31 طبعة وبيعت منه 130 ألف نسخة.
وتنفي دار نشر تسفايت اوسنداينز فيرلاج في برلين والتي نشرت الكاتب أن "البحث" تعوزه البراعة والخبرة. ويقول الناشر لوتز كروث "نعتقد إنه يتعين السماح للمواطنين ببحث الحقائق.
واجتمع واضعو نظريات المؤامرة الالمان يوم الاحد الماضي في برلين لتبادل الافكار حول 11 أيلول/سبتمبر.
وأجرت صحيفة دير تسايت الاسبوعية الالمانية استطلاعا أوائل هذا العام كشف أن 19 في المائة من الالمان يعتقدون الان بأن إدارة بوش هي التي خططت الهجمات. أما السذاجة بين الشباب فقد كان حجمها أكبر إذا يقول حوالي ثلث من هم دون الثلاثين من عمرهم أن "من الممكن" أن تكون الولايات المتحدة قد صبت الدمار على نفسها.
ونشرت صحيفة تاتز اليسارية التي تصدر في برلين والمعروفة بعناوينها الفظة نتائج الاستطلاع تحت عنوان "الالمان مجانين إلى حد ما".
وكانت النتيجة فيض من الرسائل بعث بها القراء الذين يميلون لتصديق نظريات المؤامرة إلى رئيس التحرير.
وتشير صحيفة تاتز إلى أن المشاعر المناهضة لامريكا في ازدياد في ألمانيا مما يؤدي إلى حجب الرؤية وعدم القدرة على إصدار أحكام سليمة.
وفي فرنسا يقود نظريات المؤامرة تيري ميسان الذي صدر كتابه "11 سبتمبر، 2001: خدعة الثقة المروعة " في آذار/مارس عام .2002 وهو يزعم أنه ما كان يمكن لمركز التجارة العالمي أن ينهار بسبب هجمات الطائرات فحسب وينفي أن أي طائرة أصابت البنتاغون.
وصدر كتاب فرنسي بعنوان "الاكاذيب المروعة" قوض تماما مزاعم ميسان ولكن نظرية المؤامرة ظلت قائمة من خلال كتاب جديد بعنوان "فضيحة البنتاجون".
وراجت نظريات المؤامرة على نطاق واسع في دول الشرق الاوسط أيضا لكنها لم تجد آذانا صاغية في الولايات المتحدة حيث يعرف كثير من المواطنين، على الاقل بصورة غير مباشرة، أحد الذين لقوا حتفهم في الطائرات أو البرجين أو البنتاغون.
فقد راجت في الولايات المتحدة كتب بعيدة عن التصديق تزعم أنه كان بوسع أجهزة المخابرات منع الهجمات لكنها تراخت كثيرا، أو أن القادة السعوديين يقدمون أنفسهم كحلفاء للولايات المتحدة في حين أنهم يتعاونون سرا مع تنظيم القاعدة.
انعكاسات على العلاقات الاميركية- العربية
أما تأثير هذا الحدث على العالم العربي وعلى العلاقات الأميركية ـ العربية فقد كان كبيرا وعميقا وخطيرا، أكثر من تأثيراته على مناطق أخرى من العالم، وذلك ليس بسبب هوية منفذي الهجوم، فقط، وإنما بسبب الإيحاء بالترابط بين هذا الهجوم والصراع العربي ـ الإسرائيلي، والربط بينه وبين أحوال العرب السياسية والاقتصادية والثقافية.
المحصلة الأولية للتداعيات السلبية والخطيرة التي نجمت عن الهجمات على القضية الفلسطينية وعلى الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، تمثلت في عدة عواقب بحسب ما يوردها المحلل السياسي ماجد كيالي:
* إثارة الشبهات حول عدالة قضية الفلسطينيين، لا سيما بسبب تزايد وتيرة العمليات الاستشهادية، التي تستهدف الإسرائيليين في مناطق 48. وقد عملت إسرائيل على الاستفادة من هذا المناخ لوصم المقاومة الفلسطينية بالإرهاب، وتقويض شرعيتها، بحيث استطاعت جر الإدارة الأميركية، والدول الكبرى، لموقفها، مستغلة مناخات الحرب ضد الإرهاب.
إخراج القيادة الفلسطينية من دائرة الشرعية، بدعوى احتضان الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات للمقاومة، وإرساله إشارات متضاربة للمجتمع الفلسطيني.
وهكذا خضع الرئيس عرفات للعزل والحصار، من قبل إسرائيل، منذ كانون الاول/ديسمبر 2001. وقد تم ترسيم هذا العزل في الخطاب الذي ألقاه الرئيس بوش يوم 24 حزيران/يونيو والذي طالب فيه بإصلاح السلطة الفلسطينية وتغيير قيادتها، وفي المقدمة رئيسها، برغم من كونه منتخبا من قبل شعبه! وذلك كشرط لدعم الولايات المتحدة قيام دولة الفلسطينية، في نهاية العام 2005.
وهذا الأمر تم تبنيه أيضا في خطة "خريطة الطريق"، التي طرحت في أواخر أبريل 2003.
* استغلال إسرائيل لمناخات الحرب ضد الإرهاب وقيامها، منذ اذار/مارس 2002، بالاستفراد بالفلسطينيين وشنّ حرب مدمرة ضدهم، نتج عنها تدمير مؤسساتهم وبناهم التحتية واغتيال العديد من كادراتهم وقادتهم، واعتقال الألوف منهم، وتقويض سلطتهم الوطنية، باحتلالها المناطق (أ) التابعة للسلطة.
* تعزيز إسرائيل لموقعها في إطار الاستراتيجية الأميركية، إزاء المنطقة العربية، سواء في إطار الحرب الأميركية ضد الإرهاب أو في إطار الخطة الأمريكية إزاء العراق وبكل ما يتعلق بالترتيبات الأميركية: السياسية والأمنية والاقتصادية، المستقبلية، في الشرق الأوسط.
خلق حالة من الاضطراب والتشتت في النظام السياسي العربي، وهو ما برز ذلك جليا بعد الحرب على العراق واحتلاله.
وقد انعكس ذلك سلبا على مستوى التوافق العربي في مجال الصراع العربي ـ الإسرائيلي، كما أثّر سلبا على مستوى احتضان العرب، وحتى اهتمامهم، بالقضية الفلسطينية، وكذا على مستوى دعمهم للمقاومة المسلحة ضد الاحتلال، ولو بالوسائل السياسية والإعلامية والمالية.
* دخول الإدارة الأميركية بشكل مباشر على معادلة الصراع العربي ـ الإسرائيلي، بعد أن كانت تحجم عن ذلك، ولكن هذا التدخّل لم يكن في صالح الفلسطينيين، وإنما كان أقرب إلى مصالح حكومة الليكود في إسرائيل، وذلك بغض النظر عن تبني الرئيس بوش لفكرة الدولة الفلسطينية، واستصدار القرار 1397 (اذار/مارس 2002)، من مجلس الأمن الدولي الذي ينص على حق الفلسطينيين بإقامة دولة لهم، إلى جانب دولة إسرائيل.
ومن مظاهر التحول في الخطاب الأميركي الرسمي تبنّي المصطلحات الإسرائيلية (الشارونية)، فالمقاومة باتت إرهابا، والسلطة الفلسطينية فاسدة وغير شرعية، والرئيس عرفات رجل غير ثقة ويرعى الإرهاب! أما شارون فبات في منظور الرئيس الأميركي، رجل سلام! والمجازر التي تنفّذها القوات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين هي مجرد دفاع عن النفس!
المهم أن الفلسطينيين وجدوا أنفسهم بعد 11 أيلول/سبتمبر 2001 مرة ثانية، في مدى عقد من الزمن، ضحية لتغير الأوضاع الدولية والإقليمية (المرة الأولى تتمثل بتداعيات اجتياح العراق للكويت وانهيار الاتحاد السوفييتي)، وأمام واقع انسداد الأفق السياسي، برغم كل تضحياتهم ومعاناتهم وانتفاضتهم.
وفي المقابل نجحت إسرائيل بتجيير الاندفاعة الأميركية في الحرب ضد الإرهاب والعراق، ودعوتها لتغير هيكلة العالم العربي لصالحها، عبر الاستفراد بالفلسطينيين والبطش بهم وتدمير كيانهم، وعبر التملص من الاستحقاقات المطلوبة منها في عملية التسوية. وكأن حدث سبتمبر جاءها هدية من السماء!
ومن الإطلاع على خلفية الاستراتيجية السياسة الأميركية الجديدة، التي تم ترسيمها في ظل المناخات المتعلقة بالحرب الأميركية على الإرهاب وضد العراق، يمكن ملاحظة أن السياسة الأميركية إزاء الصراع العربي ـ الإسرائيلي، باتت تتحدد على أساس المنطلقات التالية:
أولا، إن عملية التسوية لا ينبغي أن تقتصر على حل قضايا الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وإنها يجب أن تتضمن بالضرورة إعادة هيكلة النظام العربي، وبناء "شرق أوسط جديد، على قاعدة إدخال تغييرات في البني الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وفي مبنى السلطات السياسية.
ثانيا، إن الإدارة الأميركية، والدول الغربية، باتت أكثر تفهما لضرورة إيجاد حل نهائي لمختلف جوانب الصراع العربي ـ الإسرائيلي، لأهمية ذلك بالنسبة للاستقرار والسلام في العالم، ولاسيما في هذه المنطقة الاستراتيجية بالنسبة للمصالح الغربية..
ثالثا، إن إسرائيل ستبقى حجر الزاوية في السياسة الأميركية إزاء المنطقة العربية، ولذلك فمن الطبيعي أن تسعى أميركا لضمان أمن هذه الدولة وتفوقها النوعي في مختلف المجالات وتمكينها من التدخل في صياغة الترتيبات الجديدة في المنطقة من موقع الشريك المتميز.
رابعا، من وجهة النظر الأميركية بات أي تقدم في العملية السياسية المتعلقة بالقضية الفلسطينية يرتبط ليس، فقط، بوقف العنف من قبل الفلسطينيين وإنما بات يرتبط أيضا بإدخال "إصلاحات" في مبنى سلطتهم، بما في ذلك تغيير قيادتهم.—(البوابة)