بريطانيا ــ أوروبا ومصر في تسعينيات القرن العشرين

منشور 14 آذار / مارس 2011 - 02:22
مبارك وضع ثقل بلاده في خدة اميركا وبريطانيا
مبارك وضع ثقل بلاده في خدة اميركا وبريطانيا

بقلم- متروك الفالح

تجادل هذه الدراسة بأن الدول الأوروبية المعنية بشكل عام, وبريطانيا بشكل خاص, تتبنى سياسات مزدوجة تجاه الدولة والمجتمع في مصر, وتهدف من ورائها ــ وبخاصة باحتضانها للمجموعات المعارضة للحكم ــاستخدامها كأوراق ضغط من أجل تحقيق مصالحها بما في ذلك اتساق السياسات المصرية غربا أو بالتأثير في اتجاهات النزوع الى السلطة دفعا أو منعا, وذلك طبقا للظروف وتطور التفاعلات وبما توفر لها من معلومات. وذلك الضغط والتأثير لا يتحققان بالضرورة آليا ودائما, وإنما يعتمدان في حدوثهما وفاعليتهما على توفر معطيات داخلية وخارجية ذات صلة بمصر بدرجة كبيرة, وبالبيئة الاقليمية والدولية الى حد ما. وترتبت على تلك السياسات ردود فعل وسياسات مصرية (الحكم) معارضة وممتعضة من تلك الدول وسياساتها, وبخاصة بريطانيا بعد أحداث الأقصر (نوفمبر 1997), مما ولّد نوعا من أنواع التوتر في العلاقات وإن لم يرق الى المواجهات. إن تكاليف تغيير السياسات الحالية (المادية وصلتها بالأبعاد الاقتصادية والاستثمارية والتقانية) وبخاصة من قبل مصر تجاه أوروبا وبريطانيا, وكذلك بما حققه الحكم من احتواء للتفاعلات داخليا, تلعب دورا في تقييد حرارة العلاقة وفي استمراريتها. المعارضة المصرية, في المقابل, وعلى رغم ممارستها بعض النشاطات المناهضة للحكم في مصر وبعض الردود تجاه تغيرات في السياسة الأوروبية تجاهها, تبقى في وضع يرهن حركتها بدرجة أكبر, حيث انها تبقى حبيسة اتجاهات تلك السياسات المتعارضة أو المتهادنة والتي يبدو انها تحققت مؤقتا, وبخاصة بعد زيارة بلير الى مصر في ابريل ,1998 وكذلك بتطورات واتجاهات تفاعلات الدولة ــ المجتمع في مصر. مقدمة الاهتمام الأوروبي, كما هو العربي, في سياساته تجاه المنطقة العربية كان فيما قبل عام 1990 منصبا على التركيز على تلك السياسات ذات الصلة بالحوار الأوروبي ــ العربي في اطار قضية الصراع العربي ــ الصهيوني. ومن هنا كان التركيز بداية على الدور الأوروبي في اطاره التقليدي السياسي أكثر منه في جانبه الاقتصادي, وان لم يخلُ منه, وبخاصة ما تعلق في جانبه النفطي والخليجي في فترة من الفترات ــ وكذلك أكثر من الاهتمام بالسياسات والعلاقات الاوروبية تجاه القضايا الفرعية للبلدان العربية ذات الصلة بمحور الدولة ــ المجتمع في الاطار والمستوى الثنائي (بمعنى أوروبا أو احدى دولها أو بعض منها تجاه بلد عربي بذاته وتجاه قضاياه). ومع ذلك فإن أحداث ما بعد عام 1990/1991 وما اتصل بالتحولات الجارية في المنطقة العربية عموما والتطورات الاجتماعية والسياسية الداخلية للبلدان العربية خصوصا, وبالتالي انعكاسها على أوروبا ودولها, قد ولّد الاهتمام العربي الرسمي والبحث بملاحظة الدور الأوروبي في اطاره الجديد, وبخاصة آفاقه وفرصه وحدوده في موازاة ومقابلة الولايات المتحدة الأمريكية وسياساتها وأدوارها ومشاريعها تجاه المنطقة العربية. إن تطورات ما بعد عام 1990/1991 في المنطقة العربية, وبخاصة التطورات الداخلية في البلدان العربية ذات الصلة بالدولة والمجتمع والتحولات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية, بسبب الاخفاقات في التنمية الاقتصادية والسياسية, أدت الى بروز مجموعات معارضة لأنظمة الحكم في معظم البلدان العربية. وأفضت تفاعلات تلك الجماعات مع الحكومة العربية على المستوى الداخلي الى اشتداد الصراع والتجاذب بين الدولة وفئات من المجتمع وباتجاه تنامي ظهور دائرة من العنف بين أطراف المعادلة تلك, لدرجة ان بلدانا عربية بعينها وصلت في تلك المواجهات بعدا يقترب من وصف حالة الحرب الأهلية (الحالة الجزائرية) وبدرجة أقل (الحالة المصرية), وبخاصة في فترة 1992 ــ ,1996 اضافة الى عدد من المواجهات والعنف في عدد من الاقطار العربية الاخرى, وبروز تلك الجماعات المعارضة. ولظروف متشعبة, وجدت نفسها تتجه مضطرة أو مختارة الى الاستقرار ومزاولة نشاطها في الساحة الاوروبية ومنها بشكل عام ألمانيا وبلجيكا والدنمارك والسويد وسويسرا, وبشكل خاص بريطانيا وفرنسا. ومع التحولات في المنظومة الدولية والتوجه نحو التعامل مع القضايا ذات الصلة بحقوق الانسان والديمقراطية باعتبارها بعضا من قضايا تلك المنظومة الجديدة والتي يقودها ويدفع بها الغرب بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية, وجدت أوروبا انها أمام محاور جديدة عليها ان تتعامل معها بما في ذلك تحديد سياسات التعامل معها وبما يخدم مصالحها بطريقة أو أخرى. لذلك, وفي موازاة وموازنة السياسة الأمريكية ومشروعها الشرق أوسطي, فإن أوروبا ــ وعلى لسان أحد كبار مسؤولي المفوضية الأوروبية ــ تريد من دول جنوب المتوسط, وهي في الغالب الساحق منها دول عربية وشعوبها (... ألا تكون مجموعة.. في حالة حرب بعضها مع بعضها الآخر, وألا تكون مصدرا للارهاب أو ارسال المخدرات الى أوروبا, وأخيرا ألا تهدد الاستقرار الاجتماعي لأوروبا من خلال الاستمرار في الزيادة الحادة في الهجرة غير المشروعة الى أوروبا) . وحيث ان الأمر كذلك, وحيث أصبح هناك وجود للمعارضة العربية في أوروبا, فإن السياسات الأوروبية تجاه البلدان العربية, وبخاصة على المستوى الثنائي وفي اطار تفاعلات محور الدولة ــ المجتمع داخليا أو في امتداداته الخارجية, أصبحت تكتسب أهمية متزايدة من أجل ملاحظتها ورصد ترابطها واتجاهاتها وانعكاساتها على العلاقة. وحيث ان مصر, وهي احدى الدول العربية الرئيسة, والتي عانت ما قبل عام 1990 وحتى الآن, وبخاصة الفترة 1993 ــ 1997 تفاعلات ذات طبيعة صراعية بين الدولة وبعض فئات المجتمع ــ وتلك في جزء منها تعود الى الخيارات الاقتصادية والسياسية في مصر منذ منتصف السبعينات, وبخاصة نهايتها, بالتوجه غربا وما ترتب عليها من آثار اقتصادية واجتماعية ونفسية ــ فقد أصبحت السياسات الأوروبية, وبخاصة البريطانية تجاهها, وفي اطار تلك الثنائية واحدة من الظواهر السياسية التي تحتاج الى دراسة ومعالجة في اطار السياسات الغربية عموما تجاه العرب وفي سياق محور الدولة ــ المجتمع وتفاعلاته. ولعله من المثير للملاحظة, والذي تدور الدراسة حوله, هو انه مع تلك الأهمية البالغة والتي يبديها الغرب لمصر, في اطار وسياق توجهاتها الغربية, فإن عددا من دوله, وعلى رغم العلاقات المميزة مع الحكم في مصر, قد أتاح ولايزال الى حد ما يتيح لمجموعات متعددة من المعارضة للحكم في مصر الاستقرار فيه وبخاصة بعد عام ,1990 وتمكينها من العمل والنشاط وهما في الغالب موجهان ضد الحكم في مصر. وعليه فإن التساؤلات التي تطرحها هذه الورقة وتحاول معالجتها هي, من خلال ملاحظة وجود تلك المجموعات المصرية المعارضة ونشاطها في البلاد الأوروبية, فما هي السياسات الأوروبية والبريطانية على وجه التحديد تجاه تفاعلات محور الدولة والمجتمع خارجيا والى حد ما داخليا؟.. ثم ما هي المواقف المصرية (الحكم) تجاه تلك الدول وسياساتها, وبالتالي وبدرجة أهم, ما هي انعكاساتها على طبيعة علاقاتها معها واتجاهاتها وما هي محدداتها؟ والدراسة وهي تتقصى تلك السياسات تنطلق من فرضية ترى بأنه غالبا ما يمكن ملاحظة ازدواجية في السياسات الأوروبية عموما, والبريطانية على وجه الخصوص, تجاه مصر وفي اطار ثنائية الدولة ــ المجتمع, وتلك غالبا ما تترافق ووتيرة التفاعلات بين الحكم والمعارضة في مصر داخليا أو في امتداداتها الخارجية. اضافة الى ذلك فإنه يمكن ملاحظة ان الازدواجية في السياسة الاوروبية عموما, والبريطانية خصوصا وغالبا ما تترافق وامكانية الضغط تجاه الحكم أو المعارضة في ظروف وتوقيتات بذاتها. وفي المقابل فإنه غالبا ما يمكن ملاحظة ان السياسات المصرية وردود فعلها (الحكم) تجاه أوروبا وبريطانيا بدرجة أكبر تتميز بعدم الرضى وعدم الارتياح, وفي احيان أخرى بالتشدد والحدة, مما يؤدي غالبا الى توترات في العلاقة بينهما, وان لم تصل الى درجة المواجهات, وذلك غالبا ما يرتبط بتكاليف تغيير تلك السياسات بدرجة أكثر تعارضا. أخيرا واتساقا مع ذلك يمكن ايضا ملاحظة انه غالبا ما تقع المعارضة المصرية في وضع يقيد من حركيتها ــ على رغم توافرها على بعض الامكانات والردود ــ في اطار تلك السياسات والوجود ذاته. من الناحية النظرية والتاريخية تشير بعض الدراسات الى ان بعض الدول الغربية وبخاصة الولايات المتحدة الامريكية, استخدمت المعارضة كأدوات في السياسة الخارجية وبالتالي للضغط على بعض من الدول مثل الفلبين عام ,1986 حيث دعمت أمريكا الجماعات المعارضة بقيادة أكينو, وفي الوقت نفسه سحبت دعمها لنظام ماركوس. وكررت الولايات المتحدة تلك الممارسات في هاييتي من العام ذاته. ويلاحظ زمرمان (Zimmermann) ان العامل الخارجي (الدولة الخارجية التي تحتضن المعارضة وتستخدمها كأداة للتغيير) يكون حاسما مع توفر ظروف ومعطيات مصاحبة قوية اخرى, لذلك فهناك اختلاف بين دعم الولايات المتحدة الأمريكية للمعارضة والتغير داخل بعض الدول. وفي هذا السياق فإن الولايات المتحدة قد سبق لها ان استخدمت المعارضة اللاتينية (المنفيون) في محاولات لاحداث تغيرات في بعض دول أمريكا اللاتينية ومنها كوبا وتشيلي وسلفادور رغم اخفاق بعض محاولاتها وبخاصة في كوبا في بداية الستينات, وكذلك دعمت المعارضة في نيكاراجوا وفي بولندا في الثمانينات. كما قدمت الولايات المتحدة الامريكية في عام 1994 دعما مباشرا وعسكريا للمعارضة الهاييتية. اضافة الى ذلك فإن الولايات المتحدة الامريكية استخدمت المعارضة السوفييتية والروسية المثقفة كأدوات ضغط على الدولة السوفييتية حتى سقوطها عام ,1991 ومازالت الولايات الامريكية تستخدم المجموعات المعارضة المثقفة في الصين الشعبية منذ نهاية السبعينات حتى الآن (1998) حيث احتواؤها للمنشقين ولمسألة التيبت والاقليات, وما يتصل بمسألة الحريات وحقوق الانسان والتحولات الديمقراطية في الصين. ولاتزال أمريكا وبريطانيا تستخدمان تلك المعارضة كأدوات في السياسة الخارجية للضغط على احداث تغييرات الى حد كبير في المسألة العراقية, وبخاصة في شماله, وإن لم تؤد الى نتائج حاسمة. أما بريطانيا فإنها تاريخيا استخدمت المعارضة في المنطقة العربية في اليمن في بداية الاربعينات, حيث احتضنت المعارضة اليمنية الشمالية في عدن, ثم أوقفت ذلك في ظروف الحاجة الى اليمن الشمالي, ولكنها سرعان ما عادت الى دعمها لمجرد زوال تلك الحاجة أو عدم تحققها. كما ان بريطانيا قد مارست مثل هذه الاتجاهات في التسعينات من هذا القرن ازاء الحالة السعودية كما سنشير لاحقا. وفي هذه الدراسة ونحن نلحظ تلك السياسات الاوروبية والبريطانية تجاه مسألة الدولة والمجتمع في مصر وفي اطارها الداخلي الى حد ما, والخارجي بشكل أكبر والمواقف المصرية منها وبالتالي العلاقة معها, وكذلك موقع المعارضة بداية ونهاية, فإننا وبمنهج استقرائي تحليلي والى حد ما مقارن ــ وبموازاة عدد من الدراسات ذات الصلة التي قمنا باعدادها مؤخرا, وبخاصة عن سياسات الغرب وبعض دوله, وخصوصا الولايات المتحدة وبريطانيا تجاه السعودية, وكذلك الولايات المتحدة ومصر ــ نحاول ان نقدم مساهمة اضافية عن حالة اخرى هي الحالة المصرية ــ البريطانية والاوروبية في اطار ثنائية الدولة والمجتمع (الحكم/المعارضة) في المنطقة العربية وبلدانها عموما. في تلك الدراسات الآنفة الذكر كانت النتائج تشير الى محاولة من تلك الدول الغربية في استخدام محور الدولة ـ المجتمع كعنصر من عناصر الضغط والمساومة, وهذا واضح في الحالة البريطانية ــ السعودية, أو في التوجه الى محاصرته, وهذا واضح في الحالة الأمريكية ــ السعودية والحالة الأمريكية ــ المصرية. واذا كان الأمر كذلك, فما هو موقع الحالة المصرية ــ البريطانية من تلك المعادلة؟ وبحسب علمنا فإنه اضافة الى تلك الدراسات الآنفة الذكر وبعض الدراسات عن بعض الدول الغربية ومواقفها تجاه الجزائر والسودان, وكذلك دراسة عن الموقف الأمريكي من الاسلام السياسي بشكل عام, فإننا لا نعلم ان هناك دراسات بهذا المنحى, وبخاصة عن مصر, باستثناء ما ورد من اشارات في الدراسة الحديثة عن الوطن العربي والولايات المتحدة الأمريكية. واتصالا بما سبق, فإن الدراسة, وهي تلحظ تلك السياسات تجاه مصر في اطار الحكم والمعارضة وردود الفعل المصرية تجاهها, لا تنطلق من تصور بوجود سياسات غربية موحدة تجاه تلك المسألة, وإنما من ان هناك ربما تمايزات فيما بينها حتى لو تشابهت بالاتجاه العام. ومهما يكن الامر فإن ملاحظة تلك السياسات لعدد من الدول الغربية قد يتيح مجالا للمقارنة في تلك المسألة, وبخاصة بين بعض الدول الاوروبية وبريطانيا, والتي سيكون التركيز عليها اكثر من غيرها. والدراسة على هذه الوضعية لا تركز على السياسات والعلاقات الاوروبية أو البريطانية الشاملة تجاه مصر أو العكس, وإنما تركز فقط على تلك الجزئية من العلاقات والسياسات المتعارضة في اطار ثنائية تفاعلات الدولة والمجتمع في مصر. بداية, نود ان نقول في أوائل التسعينات كانت الدول الغربية, بما في ذلك الولايات المتحدة الامريكية, متأثرة بالنظرة الى المعارضة العربية بالشكل العام وفي اطارها الاسلامي, في اطار التجربة التاريخية للثورة الاسلامية الايرانية التي استطاعت الاستيلاء على السلطة في ايران رغم الدعم الهائل من قبل الغرب للحكم الايراني (نظام الشاه) آنذاك, باعتبارها قوة ناشئة رغم التصورات الادراكية السلبية المتراكمة عنها. اضافة الى ذلك, فإن التجربة الجزائرية في بدايتها في عام 1992 وحتى عام 1995 تقريبا كانت توحي بتنامي قوة المعارضة في اطارها الاسلامي ضد الحكم والسلطة في الجزائر, خصوصا ان السلطة بدت في موقع الضعف عندما اجهضت انتقال السلطة سلميا عن طريق نتائج الانتخابات التي فازت فيها جبهة الانقاذ في أوائل عام 1992. ولهذا بدأ الغرب في تلك الفترة, وبخاصة في 1992 ــ 1995, ينظر الى ان التغير في الجزائر وباتجاه مصلحة المعارضة في اطارها الاسلامي (الانقاذ) انما هو مسألة وقت لا أكثر, خصوصا ان الحكم في الجزائر بدا غير قادر على حسم الامور على الارض. ولهذا السبب يلاحظ انه في اطار وسياق تفاعلات الدولة والمجتمع في مصر, وبخاصة في اطار المعارضة الاسلامية (الجماعة الاسلامية والجهاد) شهدت السنوات الاولى من التسعينات وحتى عام 1993 اعمال عنف اتسمت بالحدة والشدة تجاه السلطة وبعض قياداتها بدءا باغتيال محجوب ومحاولة اغتيال صدقي ومرورا بمحاولة اغتيال وزيري الاعلام والداخلية, وانتهاء بأواخر عام 1993 لتطال قدرة الدولة على تحقيق الامن على مستوى السياحة, حيث تعرضت صناعة السياحة المصرية في تلك السنة لأعمال عنف مؤثرة عدة من قبل انشطة تلك الجماعات المعارضة للسلطة, مما تسبب في توليد بعض التساؤلات حول مسألة الاستقرار السياسي في مصر. من هنا فإنه وفي اطار المواجهات بين تلك الجماعات والدولة في مصر واضطرار مجموعات منها الى الخروج والاستقرار في الخارج, وجدت تلك الدول الغربية ان من مصلحتها الاقتراب من تلك الجماعات المعارضة المصرية ليس في الداخل فقط, وهو امر ينطوي على بعض المخاطرة في العلاقة مع الحكم داخليا, وانما في الخارج وعلى اراضيها ذاتها, وخارج مصر نفسها. لذلك يلاحظ مثلا ان أمين الظواهري وهو زعيم جماعة (الجهاد) المتهم اصلا من قبل السلطة المصرية بقضية اغتيال السادات في عام 1981 وكذلك بعمليات (ارهابية) لاحقة ذات صلة بــ (طلائع الفتح) يستقر في سويسرا حيث تمنحه حق اللجوء السياسي منذ عام 1992. ويبدأ نشاطه منها منذ ذلك الوقت حيث يشرف على اصدار نشرة (المجاهدون) وفي الوقت ذاته تقريبا يستقر المهندس فؤاد طلعت قاسم المعروف باسم (أبوطلال القاسمي) المتهم اصلا بقضية اغتيال السادات ايضا والمحكوم عليه بالاعدام في قضية (العائدون من أفغانستان) في الدانمارك حيث تمنحه حق اللجوء السياسي منذ 12/,1992 والذي اعتقل لاحقا في كرواتيا واختفى في عام 1995 مثيرا بذلك حركة احتجاجات وردود فعل من جانب أنصاره وبخاصة في جماعة الجهاد والجماعات الاسلامية في أوروبا, حيث تتهم فيه الولايات المتحدة بالضلوع بتسليمه الى السلطات المصرية التي لم تنف على ما يبدو تلك التهمة مشيرة الى انها تبذل (جهودا لاستلام متطرفين مقيمين في دول اجنبية) . تلك السياسات الاوروبية استمر حتى أوائل عام 1996 حيث استقبلت النمسا احد معاوني أيمن الظواهري وهو عادل السيد عبدالقدوس الذي تقدم بطلب الى السلطات النمساوية بحق اللجوء السياسي رغم حض السلطات المصرية لها بعدم قبول ذلك مشيرة الى تورط المذكور في اعمال (ارهابية) من بينها محاولة اغتيال عاطف صدقي في عام 1993. اضافة الى ذلك الوجود لعناصر معارضة مصرية وربما لمجموعات اكثر عددا على ساحة القارة الاوروبية الام, فإن عام 1995 شهد عددا من النشاطات ذات الطبيعة العنيفة والتي لها صلة بالمعارضة المصرية على الساحة الاوروبية. ولعل من أوائل الاحداث الكبرى في المواجهة بين المعارضة المصرية والحكومة المصرية خارج الاراضي المصرية هو حادث اغتيال الرئيس حسني مبارك في اثيوبيا في 28/6/,1995 حيث تتهم فيه الحكومة المصرية عناصر مصرية ذات صلة بالحكومة السودانية وذلك على رغم نفي الاخيرة تلك التهم. وعلى رغم ان هذه الحادثة بعيدة عن أوروبا, الا ان المتهمين فيها هم عناصر معارضة من جماعات الجهاد والجماعات الاسلامية المناهضة للحكومة المصرية وعدد من انصارهم, بل ان عددا من قيادتهم يعيش ــ كما اسلفنا ــ في عدد من الدول الاوروبية. ولربما شكل ذلك حرجا بالنسبة الى تلك الدول وبخاصة سويسرا والدانمارك وألمانيا, وكذلك بريطانيا التي سوف نأتي على ذكرها في جزء خاص بها. ولعل هذا الحادث لم يشكل ضغطا على أوروبا بقدر ما أثاره حادث تفجير السفارة المصرية في باكستان في 19/11/,1995 حيث تردد ان الجماعة الاسلامية المصرية المعارضة وعناصرها في الخارج هم وراء ذلك التفجير. وعلى رغم ان تلك الجماعات نفت ما نسب اليها من مسؤولية تجاه ذلك الحادث ونفيها نقل صراعها مع الحكومة المصرية خارجيا, وإلقاء اللوم على الحكومة المصرية في تدويل الازمة الداخلية, فإنها وفي ردودها تلك, وعلى رغم انها طالبت انصارها خارج مصر باحترام قوانين تلك البلاد, الا انها قالت: (اما الانظمة التي اختارت الانحياز الى الحكومة لأسباب مختلفة... فأولئك لا عهد لهم عندنا ولا ذمة) , وتلك اشارات الى دول اوروبية حيث تتوزع عليها مجموعات من المعارضة الاسلامية المصرية, وبخاصة ان تلك الردود نشرتها نشرة عن المنظمة الاسلامية الحقوقية, وهي جهة تضم اسلاميين مقيمين في أوروبا. ويأتي هذا الحادث بعد اقل من اسبوع على اغتيال الدبلوماسي المصري في جنيف (سويسرا) احمد علاء الدين نظمي وعلى الساحة الاوروبية والسويسرية تحديدا, وبخاصة التي تأوي ايمن الظواهري منذ نهاية عام 1992. وتتجه الاتهامات مجددا, وبخاصة من قبل الحكومة المصرية, الى علاقة الجماعات الاسلامية الموجودة على الساحة الاوروبية بتلك الحادثة ومنها منظمة (العدالة العالمية) والتي سبق ان اعلنت مسؤوليتها عن تفجير السفارة المصرية في باكستان. ومع ذلك فإن الجماعة الاسلامية والجهاد في أوروبا اعلنتا في نشرة المهاجر التي تصدرها (اللجنة الاسلامية للدفاع عن المضطهدين) , والتي تضم اعضاء في جماعات دينية مصرية موجودة على الساحة الاوروبية, استبعادها لوجود (تنظيم باسم العدالة العالمية) واتهموا الحكومة المصرية بالاعلان عن وجود ذلك التنظيم في اطار خطة لتنفيذ عمليات عنف في دول اوروبية للايحاء بأن الاسلاميين المقيمين هناك نفذوها, ولدفع هذه الدول الى تسليمهم الى مصر. وأضافت ان (جماعتي المعارضة الرئيسيتين وهما الجماعة الاسلامية وجماعة الجهاد المصرية لم تتبنيا هذه العملية) . وتتسق تلك الردود من الجماعة الاسلامية والجهاد مع تحليلات مصادر مصرية في هيئة الدفاع عن المتهمين في قضايا العنف الديني في مصر, حيث استبعدت هذه المصادر (ان يكون لمنظمة العدالة العالمية علاقة بجماعة الجهاد) ورجحت ان يكون الحادث ارتكب لدوافع اخرى و أريد استغلاله للتأثير في وضع الظواهري كلاجىء سياسي في سويسرا. ويبدو ان تلك التحليلات تتوافق وتوجهات الحكومة المصرية بالضغط على سويسرا لفتح ملف اللاجئين السياسيين فيها, كما ألمحت مصادر مصرية اضافة الى ذلك الحادث فإنه وفي يوم 21/11/,1995 تعرضت السفيرة المصرية لهجوم على منزلها في بلغاريا, واتهمت السلطات المصرية شبكة أصولية في أوروبا كما تقول (الدبلوماسية المصرية) مشيرة الى ان تلك الاعتداءات تتطلب تسريع الجهود والاتصالات الجارية بهدف تحريك قضية التعاون الدولي في مكافحة الارهاب بما في ذلك عقد مؤتمر لذلك. ان أوروبا, وعلى رغم ذلك كله وما رافقه من احداث في باريس عام 1995, وكذلك عمليات حركة (حماس) في فلسطين, والتي اعتبرت اعمالا ارهابية من قبل الاوروبيين وما تبعها من مؤتمر شرم الشيخ لمكافحة ما سمي بالارهاب بحضور اوروبي كبير, فإنها وباستثناء قضية اختفاء اللاجىء المصري طلعت فؤاد قاسم من كرواتيا في سبتمبر 1995 ــ حيث اتهمت الجماعة الاسلامية الحكومة الكرواتية بالتآمر مع الاستخبارات الامريكية في تسليمه للسلطات المصرية ــ لم تغير من سياستها تجاه مسألة المعارضة المصرية وبخاصة الاسلامية منها الموجودة على اراضيها. تلك السياسات الاوروبية استمرت على رغم الجهود المصرية بإقناعها أو باستغلال تلك الاحداث للتأثير فيها بما في ذلك مسألة الرسائل المفخخة والمرسلة الى صحيفة (الحياة) في أوائل عام 1997, والتي اشارت السلطات المصرية الى اتهام الجماعات الاسلامية المصرية (المتطرفون) في الدنمارك بأنها وراءها, وقد ثبتت في ما بعد صلة مجموعة نازية متطرفة بتلك الرسائل. وأقصى ما فعلته تلك الدول هو التنديد بتلك العمليات وتبادل بعض المعلومات أو تلقيها من السلطات المصرية. وباستثناء فرنسا التي تظهر قدرا كبيرا من التعاون مع مصر والتنسيق الامني في مجال التعامل مع تلك الجماعات المعارضة ومكافحة (الارهاب) , فإن بقية الدول الاوروبية تبدو مترددة في تبني سياسات مناهضة لتلك الجماعات, وبخاصة ان مصر ليست راغبة على ما يبدو في ممارسة ضغوط قوية على تلك الدول حيث ان خيارات مصر في ذلك تبدو محدودة امام مصالحها الاقتصادية والاستثمارية والتقانية في تلك الدول. وفي المقابل هناك احتمال ان تعرض تلك الدول ومصالحها لردود فعل قوية من جانب تلك الجماعات وأنصارها سواء داخل أوروبا أو خارجها. تلك الدول الاوروبية وسياستها تجاه الدولة والمجتمع في مصر من خلال احتضان تلك المجموعات وعناصرها القيادية من المعارضة وإتاحة المجال لها بالعمل والنشاط ربما لا تشكل خطرا على مصر (الحكم) بدرجة عالية, وذلك راجع بدرجة كبيرة الى حقيقة ان تلك الدول الاوروبية وتحديدا النمسا وسويسرا والدنمارك لا تتبنى سياسات خارجية ذات توجهات بالتحكم أو السيطرة أو الضغط على المنطقة أو على دولها كما هو الحال مع بعض الدول الاوروبية الرئيسية الاخرى, وبخاصة بريطانيا وفرنسا ولربما ألمانيا. من هنا فإن الحساسية المصرية تجاه تلك الدول تبقى في مستوى اقل من تلك الموجهة الى الدول الاخرى والتي سنأتي على ذكرها, وبخاصة بريطانيا. ومع ذلك فإن مصر لا تخفي عدم ارتياحها لتلك السياسات الاوروبية. ومن أجل مواجهة تلك السياسات, تجاه الدولة ــ المجتمع في مصر, من خلال المعارضة وباتجاه الحكم, فإن مصر (الحكم) تحاول, قدر المستطاع من خلال ادارة علاقاتها مع تلك الدول, انتهاج سياسة تقوم على محاولة الاقناع عن طريق تقديم معلومات لتلك الدول تثبت تورط المعارضة في عمليات ارهابية. وتقول مصادر الخارجية المصرية ان (الاتصالات مع الدول التي تؤوي ارهابيين تحت ستار اللجوء السياسي لم تنقطع. ويتم تزويد هذه الدول بالمعلومات والتحقيقات التي تثبت تورطهم في عمليات ارهابة أودت بحياة مواطنين ابرياء) . اضافة الى ذلك, فإن القيادة المصرية ممثلة بأعلى مستوياتها ما فتئت تلفت نظر تلك الدول الى المخاطر التي تنطوي عليها سياساتها ليس باتجاه مصر وحدها وإنما تجاه ذاتها, وانها تجازف بالتورط في مشاكل في داخلها. وفي ذلك قال الرئيس حسني مبارك في مؤتمر صحفي عقده مع نظيره الروماني ايون اليسكو في 14/11/1995 محذرا الدول الاوروبية التي يوجد على اراضيها من وصفهم بالارهابيين: (يجب على جميع الدول التعاون في مكافحة الارهاب... هناك دول بعضها اوروبية لازالت تؤوي بعض المجرمين تحت كلمة (اللجوء السياسي) وهذا ليس صحيحا... هؤلاء قتلوا مواطنين في بلدهم. ويخلقون مشاكلهم لبلادهم... هناك بعض الدول تؤويهم وهذا خطر كبير اقول لهم (لهذه الدول) اذا لم تضعوا بعض الضوابط لمواجهة هذا الوضع فسوف تدفعون ثمنا باهظا في المستقبل) وعلى مستوى اعلى من التحذير لبعض الدول الاوروبية وبالذات لسويسرا والتي تحتضن ايمن الظواهري كلاجىء سياسي منذ عام 1992 فان مصر عن طريق بعض مسؤوليها تلمح الى فتح ملف منح سويسرا اللجوء السياسي لعدد من (العناصر الارهابية) وفي ذلك يؤكد السفير منير زهران مندوب مصر الدائم لدى المقر الاوروبي للامم المتحدة في جنيف وسفيرها لدى سويسرا في اتصال مع صحيفة الحياة انه (لو ثبت وجود علاقة بين الارهابيين الحاصلين على اللجوء السياسي في سويسرا وحادث اغتيال الدبلوماسي المصري علاء الدين نظمي في جنيف... فان فتح ملف اللجوء السياسي للمتطرفين في سويسرا امر وارده, وتلك اشارات واضحة من مصر عن عدم ارتياحها لتلك السياسة وبالتالي لعلاقات تبدو غير سوية في هذا الاطار, وان لم تصل الى درجة عالية من التوتر. واذا كانت الساحة الاوروبية في القارة الام اتاحت مجالا لتلك المجموعات المعارضة المصرية للاقامة والنشاط الذي لاشك يثير حفيظة الحكم في مصر تجاه تلك السياسات, فإن الساحة البريطانية تشكل بذاتها مجالا اوسع لتلك الجماعات ونشاطها, والتجربة التاريخية البريطانية للتعامل مع المعارضة العربية باتجاه استثمار تلك العلاقة للضغط على الحكومات او التأثير في معادلة الحكم والمعارضة في توقيتات بعينها ولمصلحة طرف بعينه ليست جديدة في المنطقة العربية, وانما تعود ــ كما لاحظناها في اطار مسألة الدولة والمجتمع ــ الى المسألة اليمنية في اوائل الاربعينات. تعد الجالية المصرية في بريطانيا اكبر الجاليات العربية, حيث تقدر بأكثر من ربع مليون شخص وفد بعضهم منذ الخمسينيات من هذا القرن وتكاثروا لاحقا, وعلى رغم ان غالبيتهم تحمل الجنسية البريطانية الا ان هناك مجموعة من المواطنين المصريين المقيمين والزائرين لبريطانيا تصل الى ثلاثين الفا لكل فريق منهما, ويغلب عليهم التوجه الاسلامي بعامة, ويتزايد تعاطفهم مع الجماعات المعارضة الاسلامية المصرية, وفي اطار ذلك المجتمع يبدو ان هناك نشاطا من جماعات تقدرها المصادر البريطانية بما لا يقل عن 15 مجموعة ومنظمة في بريطانيا ذات صلة بجماعات المعارضة العربية ومنها المعارضة المصرية, وذات صلة بشكل خاص بـ (الاخوان) , او بـ (الجهاد) التي تبدو ذات تداخلات مع (حزب التحرير) الذي تم تفعليه مجددا خلال الفترة 1993 ــ 1995 بقيادة جديدة لعمر بكري (لبناني الاصل), ولها كذلك تداخلات مع جماعة لجنة الحرية للمسلمين المسماة (ليبرتي) وهي منظمة ذات ميول واضحة تجاه الدفاع عن الحركات الاسلامية المعارضة في مصر والجزائر. وفي اوائل خريف عام 1995 اعلن عن انشاء مكتب علني للاخوان تحت اسم (مركز ابحاث الاخوان المسلمين, وعين الدكتور كمال الهلباوي ــ وهو من معاصري مأمون الهضيبي ــ ناطقا رسميا باسم الاخوان, وشدد الهلباوي على ان هذا النشاط لـ (الاخوان) وعن طريق هذا المركز, انما يستهدف توسيع دائرة الدعوة والرسالة للغرب وللعالم لعله يتذكر, مشددا على انه لايستهدف تشكيل معارضة للحكم في الخارج قائلا ان الاخوان (عزفوا عن ممارسة دور المعارضة بمعناه السياسي الشائع اليوم سواء داخل مصر او خارجها لان المعارضة عادة ما تكون بغية الوصول الى السلطة وحسب, ولكن الاخوان ــ مع السلطة في ما تحسن, ومع المعارضة في ما تطلب به من اصلاح واحسان ونماء) , مدللا في الوقت ذاته على مساندة الاخوان للحكومة المصرية في موقفها الرافض لتوقيع معاهدة الحد من الاسلحة النووية, فوق ذلك, فإنه ينفي ان يكون التحرك الاخير للاخوان في بريطانيا له صلة بمسألة المحاكمات العسكرية آنذاك. غير ان تلك التصورات لدى (الاخوان) في بريطانيا لا تجد قبولا لدى الحكومة المصرية التي تعتبر نشاطها السياسي موجها ضد الحكومة المصرية, وان هناك ترابطا بين الاخوان في الداخل وقادة (الجهاد) في الخارج وبخاصة في لندن, كما انها في اعلى مستوياتها لا ترى فروقا اصلا بين الاخوان والجهاد والجماعة الاسلامية باعتبارها شيئا واحدا, ولعله مثير للملاحظة ان يتزامن الاتهام المصري لجماعات الاخوان المسلمين والجهاد في بريطانيا وقيامهم بالاتصالات والتنسيق مع عناصر الداخل, وبخاصة في منطقة السويس, مع بروز ذلك النشاط العلني للاخوان في بريطانيا, ففي نهاية اكتوبر 1995 اعلنت وزارة الداخلية المصرية انها عن طريق جهاز مباحث امن الدولة وجهت (ضربة كبيرة الى اكبر مركز اتصال لتنظيم الاخوان كان يتولى مهمة اجراء الاتصالات والتنسيق مع قادة تنظيم الجهاد الاسلامي الموجودين خارج البلاد.. وان اجهزة الامن رصدت تكليفات اصدرها مجلس شورى جماعة الاخوان المسلمين الى مسؤول الجماعة في محافظة السويس عبدالوهاب شرف الدين بالسفر الى لندن للاتصال بقائد تنظيم الجهاد ياسر توفيق علي السري الموجود هناك, والفار من تنفيذ حكم غيابي بالاعدام صدر ضده من المحكمة العسكرية العليا في القاهرة العام الماضي في قضية محاولة اغتيال الدكتور عاطف صدقي رئيس الوزراء, وذلك بهدف انشاء مركز للاتصالات في مصر لتلقي التكليفات الصادرة لعناصر تنظيم الجهاد داخل البلاد لتنفيذ عمليات ارهابية.. ان القيادي الاخواني عبدالوهاب سافر الى لندن منتصف العام الماضي وجرى رصد لقاءاته مع قيادي الجهاد ياسر السري, وكذلك لقاءات عقدها مع اقطاب المركز الاعلامي الاخواني في العاصمة البريطانية التي تتخذها جماعة الاخوان المسلمين مركزا لانشطتها التنظيمية والسرية... بعد عودة القيادي الاخواني الى مصر في 12 مايو الماضي وضع تحت المراقبة الدقيقة وتم كشف ابعاد تحركاته وتحديد موقع مركز الاتصالات بين التنظيمين وهو مقر الشركة الاوروبية للتوكيلات الملاحية في منطقة بورتوفيق في محافظة السويس, والتي يملكها ويديرها القيادي الاخواني شرف الدين, وتم تحديد مسؤول تنظيم الجهاد المكلف بالاتصال بقيادة الاخوان ويدعى حلمي عيسى ابراهيم عزازي وهو مقيم في السويس, ويقوم بنقل التكليفات الواردة من عناصر التنظيم في الخارج عن طريق مركز الاتصال في السويس الذي زود بأجهزة هاتف دولي وفاكس وكمبيوتر لادارة النشاط.. تم رصد كل الاتصالات التنظيمية بين السري وكل من شرف الدين والعزازي وما تحمله من تكليفات ورسائل تمويل وترويج للمنشورات الاثارية واعدادها للتوزيع داخل الاوساط الجماهيرية. هذا وسوف تثير مصر ذلك الترابط بين نشاط الجماعات المعارضة خارجيا والنشاط الداخلي لجماعات (ارهابية) وذلك من خلال قضية السيدة الجزائرية ومسألة التكليفات الصادرة الى محامين مصريين لهم علاقة بتلك الجماعات على رغم نفي المحامين للاتهامات الحكومية لهم, اضافة الى نشاط (الاخوان) في اطاره الاعلامي فإنهم يشاركون ايضا في ندوات تقام في بريطانيا ذات صلة بالاوضاع في مصر, وبخاصة في اطار العملية الديمقراطية في مصر, حيث عقد في لندن في الاسبوع الثاني من اكتوبر 1995 ندوة عن الديمقراطية في مصر شارك فيها عدد من الفاعليات السياسية والشخصيات من داخل مصر وخارجها ومنهم كمال الهلباوي الذي اكد في مداخلته نبذ العنف وسيلة للوصول الى السلطة مذكرا بالتزام الاخوان باحترام ارادة الشعب في اختيار حكامه, ويلاحظ ان هذه الندوة سبقت بفترة قصيرة العملية الانتخابية التشريعية العامة في مصر في نهاية نوفمبر 1995. وفي الوقت ذاته, تشكلت مجموعة اخرى في بريطانيا لها مطالب سياسية تجاه الحكم في مصر, تلك المجموعة هي مجموعة (لجنة العمل المصرية) التي شكلتها مجموعة من المصريين تحمل الجنسية البريطانية, تهدف طبقا لما اعلنه الناطق الرسمي باسمها احمد عبدالمجيد فهمي الى (الضغط وتنوير الرأي العام لمنع انزلاق مصر في مزيد من انتقاص الحريات والكبت السياسي قد يدفعها في النهاية الى الحالة الجزائرية) , وعلى رغم تأكيد اللجنة بأنها مستقلة عن الاحزاب السياسية القائمة في مصر, وكذلك التأكيد على عدم علاقتها التنظيمية مع (الاخوان) فإنها لا تخفي تعاطفها مع (جماعة الاخوان) في اطار التوجه الفكري الاسلامي. وتؤكد اللجنة انها ليست معارضة, وانما مهتمة بمسألة الحريات والقلق عليها في مصر, وانها لربما تشكل مستقبلا مجموعة ضغط لصالح مصر, وتتشكل المجموعة من اكثر من 1000 عضو منهم حوالي 350 ناشطا, وتعتمد في نشاطها على تمويل من اعضائها وهبات غير مشروطة, واللجنة في مزاولة نشاطها تقوم باجراء اتصالات مع حقوقيين في امريكا واوروبا, وقد قامت اللجنة بالاتصال بـ (اعضاء في البرلمان البريطاني والكونجرس الامريكي وبدأت في تلقي استفسارات عن نشاطها) , وفي سياق نشاط اللجنة, فإن هناك مشروعا باعداد (ملفات تتعلق بمواقف مختلف القوى السياسية في مصر, خصوصا القوى التي تؤمن باطلاق الحريات السياسية والتي تحذر من القمع وتبلغها الى الجهات المهمة في الغرب من اعضاء البرلمان واللجان الحقوقية والصحافية والى ابناء الجالية, وكذلك تنوي تنظيم ندوات واستضافة سياسيين ومفكرين من مصر, وفي هذا الاطار وفي سياق المحاكمات العسكرية في مصر قبل الانتخابات عام 1995, فقد شجعت اللجنة جمعيات حقوقية قررت المشاركة بوفد في الدفاع عن المتهمين بتلك المحاكمات وزودتها بمعلومات. هذا وقد ارسلت المجموعة خطابا الى الرئيس مبارك عن طريق سفير مصر في لندن الذي يبدو انه كان مهتما بتلك اللجنة ونشاطها وعلاقاتها مع الآخرين وبخاصة مع الاخوان, وفي اطار تلك اللجنة وتداخلها مع (مجموعة العمل العربية) وهي المجموعة التي تضم معارضين مصريين مقيمين في لندن, فقد بعثت برسالة الى الرئيس حسني مبارك تطالبه بضمان حياد الدولة تجاه الانتخابات المقبلة في نهاية نوفمبر 1995, وفي ذلك تقول (... بحكم مسؤوليتكم عن هذا البلد فاننا لن نمل من ترديد بعض المطالب التي يفرضها العمل الوطني في هذه المرحلة, ومنها انكم بحكم مسؤوليتكم عن مصر كلها مطالبون بالزام الاجهزة التنفيذية الوقوف على الحياد وصولا الى انتخابات حقيقية تعبر عن توجهات الشعب المصري, ومع الاسف فإن الممارسات التي تجري الآن تنبىء بتكرار الممارسات نفسها التي شابت العملية الانتخابية طوال العقود الماضية, فمازال اسلوب استغلال الدولة لصالح مرشحي الحكومة وارهاب منافسيهم قائما لم يتغير) . وفي اوائل عام 1997 نشأت جماعة مصرية في لندن باسم (المكتب الدولي للدفاع عن الشعب المصري) واكدت بلسان الامين العام للمكتب عادل عبدالمجيد الامين (ان المكتب ليس له علاقة بتنظيمات دينية او غير دينية وانه هيئة مستقلة من الاحزاب والجماعات والتنظيمات الاخرى) , ونفى ان يكون عضوا في جماعة (الجهاد) التي يقودها الدكتور ايمن الظواهري. يبدو ان السياسات البريطانية تجاه الدولة والمجتمع في مصر تتسم بالازدواجية, ففي الوقت الذي تتيح فيه لتلك الجماعات الاقامة والنشاطات فتثير حفيظة الحكومة المصرية, تحاول في احيان اخرى ان تمارس ايضا بعض الضغوط على تلك الجماعات, او ان تنأى بنفسها عن تلك النشاطات والممارسات ففي اوائل سبتمبر 1995, وكذلك في اكتوبر 1995 ومع ولادة مكتب (الاخوان) في لندن مارست بريطانيا ضغطا على تلك الجماعة وذلك بايعازها بالغاء المؤتمرات الصحفية التي كان من المقرر عقدها, وبخاصة في مكتب جمعية الاجانب الصحفية, وبدور فاعل من مكتب الخارجية البريطانية في ذلك, فوق ذلك فإنها وبعد ان سمحت لمؤتمر اسلامي بالانعقاد في لندن في اوائل سبتمبر 1996 وبعد اعلانها في غير مناسبة ان السلطات البريطانية لاتستطيع منعه, فقد تم الغاؤه في 1996, بعد اتصالات وتحذيرات عربية ومصرية على وجه التحديد ومن اعلى السلطات ممثلة بالرئيس حسني مبارك وبوزارة الخارجية المصرية التي اعربت عن قلقها للسفير البريطاني تجاه المسألة, وعلى رغم ان الغاء ذلك المؤتمر ربما يرتبط بضغوط اخرى غير الضغوط العربية, ولربما منها ضغوط المنظمات الصهيونية وبصلة اسرائيلية, الا ان الغاء مؤتمر بذلك الحجم والاهمية من حيث العناصر والجماعات المشاركة فيه لايمكن ان يفهم من دون ان يكون للحكومة ضلع في ذلك, على رغم مسألة العراقة في التقاليد الديمقراطية وحقوق الانسان. الحكومة البريطانية ــ ممثلة بأبرز مسؤوليها في الخارجية البريطانية ومنهم مالكوم ريفكند والسفير البريطاني في القاهرة ــ شددت على ان انعقاد المؤتمر يتوافق وحرية الرأي طالما لم يخل بالقوانين البريطانية وبالتالي فإنه (ليس هناك, وفقا للقانون البريطاني ما يتطلب الحصول على اذن لعقد اجتماع خاص وفي مبنى خاص, كما ان التعبير عن الآراء مهما كانت مقززة للحكومة البريطانية او غيرها من حكومات اخرى, لا يعتبر مخالفة طبقا للقانون البريطاني) . يتفق ذلك التبرير ايضا مع تبرير الخارجية البريطانية والسفارة البريطانية في القاهرة, بشأن نفيها اعطاء ترخيص لجماعة (المكتب الدولي للدفاع عن الشعب المصري) والذي تفاعلت قضيته في اوائل عام 1997, وقالت مصادر الخارجية البريطانية موضحة ان (لا حاجة لأي ترخيص او تسجيل لجماعات للعمل او نشر الوثائق في المملكة المتحدة وان كل ما عليها هو عدم مخالفة القوانين) , اما السفارة البريطانية في القاهرة فأكدت على لسان الناطق باسمها ادوارد ويب انه لايوجد في القوانين البريطانية ما يجرم مثل تلك الهيئات والمنظمات, او يمنعها من الحصول على ترخيص رسمي من الحكومة بمزاولة نشاطها, ولفت الى ان القانون البريطاني يشترط فقط على الجهات التي تعمل في مجال نشر الوثائق او توزيعها ان يكون نشاطها في حدود القانون) , اضافة الى تلك الممارسات البريطانية ذات الصلة بالدولة والمجتمع في مصر, يلاحظ ان بريطانيا ترددت ولاكثر من ستة اشهر في اعطاء تأشيرة دخول الى المحامي منتصر الزيات من اجل القاء محاضرة في اتحاد المحامين المسلمين بناء على طلب الاتحاد, ويربط ذلك التردد البريطاني بعلاقة بين منتصر الزيات والجماعات الاسلامية المصرية المعارضة في لندن والمواقف المصرية الرسمية غير المرحبة بتلك السياسات الاوروبية, وفي ذلك تؤكد مصادر مطلعة على (ان تأخر منح الزيات التأشيرة جاء بسبب ما ذكره في مقابلة جرت بينه وبين مسؤول في السفارة من انه سيلتقي عددا من اقطاب الجماعات الدينية من المقيمين في بريطانيا ومنهم ياسر توفيق علي السري المحكوم عليه غيابيا بالاعدام في قضية محاولة اغتيال رئيس الوزراء المصري السابق عاطف صدقي, والمحامي عادل عبدالمجيد الحاصل على اللجوء السياسي في بريطانيا قبل أربع سنوات, والمتهم في قضية تجرى تحقيقات في شأنها في نيابة أمن الدولة بالتخطيط لتفجير حي خان الخليلي... وكان مسؤولون مصريون حذروا مرات عدة من استقبال المتطرفين المصريين ومنحهم حق اللجوء السياسي. والمعروف أن الزيات كان قد طلب التأشيرة في اغسطس, مما اعطى انطباعاً أنه سيحضر مؤتمراً كان من المقرر ان يعقد في لندن في سبتمبر, وتنظمه جماعة (المهاجرون) الا ان مسؤولي السفارة طلبوا منه تسليمهم نسخة من المحاضرة اضافة الى صورة من دعوة رسمية صادرة اليه من اتحاد المحامين الاسلاميين, وخضع لمقابلة انسحب الزيات بعدها محتجاً, الا انه عاد وجدد الطلب بعدما اصر اتحاد المحامين الاسلاميين على دعوته. ويلاحظ ان تلك السياسات البريطانية ذات الطبيعة المزدوجة, وبخاصة تجاه الغاء المؤتمر الصحفي للاخوان في اكتوبر 1995, والمؤتمر الاسلامي في سبتمبر 1995 وكذلك ترددها في إعطاء تأشيرة للزيارة في نهاية عام 1995 تتصادف وتوقيتات بعينها ذات صلة ببريطانيا ومصر في الوقت نفسه, حيث يقوم وزير الخارجية البريطانية مالكون ريفكند بزيارة الى مصر قبل منتصف نوفمبر 1995, ويناقش تعزيز العلاقات مع الرئيس حسني مبارك وكذلك وزير الخارجية المصري عمرو موسى, وتأتي الزيارة قبل فترة قصيرة من الانتخابات التشريعية في مصر في نوفمبر 1995. ويبدو ان تلك السياسات البريطانية تجاه الدولة المجتمع في مصر, وبخاصة مع تزايد نشاطات تلك الجماعات المصرية في لندن, وبالذات مع قيام مكتب (الاخوان) و(لجنة العمل المصرية) وفي اجراء التوجه للسماح بانعقاد المؤتمر الاسلامي في سبتمبر 1995, واخيراً في بروز قضية (المكتب الدولي للدفاع عن الشعب المصري) في أوائل عام 1997, قد ازعجت الحكومة المصرية وكان ردها قوياً وبخاصة تجاه انعقاد المؤتمر ومسألة المكتب الدولي ويبدو ان الحكومة المصرية كانت بصدد تقديم احتجاج للحكومة البريطانية على رغم نفي السفارة البريطانية في القاهرة, وهو ما بدا باتجاه ظهور توتر في العلاقة فيما بين البلدين على رغم نفي السفارة البريطانية بتأثر العلاقات بين البلدين وبسبب قضية المكتب, اما بالنسبة للمؤتمر الاسلامي فإن القاهرة وعلى لسان الرئيس حسني مبارك, وفي اتصال الحكومة المصرية بالسفارة البريطانية, قد انتقدت بشدة ذلك التوجه بانعقاد المؤتمر, مطالبة بريطانيا بتقديم معلومات عن تلك المسألة, وكذلك اشارت الى ان ذلك لايخدم قضية مكافحة الارهاب الدولي, وان ذلك يتعارض مع مناهضة الارهاب ومؤتمر شرم الشيخ ومؤتمر باريس. وفي الاتجاه نفسه استغلت كل من لندن والقاهرة زيارة مالكوم ريفكند الى مصر في 11/11/1995 للتأثير في سياسات الطرف الآخر تجاه محور الدولة ــ المجتمع عندما ناقشا معاً مسألة تطوير طوير العلاقات بينهما. وقد قال عمرو موسى ان مصر على استعداد لتطوير علاقاتها مع بريطانيا في المجالات كافة والتي ستتكرر ايضاً في زيارة وزير الدولة للشؤون الخارجية ديريك فاتشيت في الحكومة العمالية الجديدة في مايو 1997, وتلك اشارات منهما لربط تطور العلاقات بالمواقف والسياسات تجاه بعضهما البعض وفي اطار محور الدولة والمجتمع. اضافة الى ذلك فان مصر, وفي اطار سعيها لقطع تواصل المجموعات المعارضة الخارجية مع الداخل, وبالتالي التقليل من ضغط تلك الجماعات العاملة في بريطانيا, سعت جاهدة لرصد تحركات تلك الجماعات ونشاطاتها واتصالاتها في لندن وفي مصر. وعلى رغم نفي الخارجية البريطانية والسفارة المصرية في لندن فان مصادر المعارضة المصرية, وكذلك الصحف البريطانية, تشير الى وصول عناصر أمنية مصرية لتعقب المعارضة المصرية في بريطانيا. على رغم ان مصر حتى نوفمبر 1997 (أحداث الأقصر) لم تصعد من مواقفها كثيراً تجاه بريطانيا ــ والتي تحاول ايضاً ايجاد قنوات اتصال مع المعارضة المصرية داخل مصر كغيرها من الدول الغربية, وكذلك تشجيع انتقادات جمعيات حقوق الانسان, وبخاصة منظمة العفو الدولية, للانتهاكات في مصر التي تنظر لها القيادة في مصر على أنها اثارة لزعزعة الاستقرار ــ بشكل يرفع من حدة التوتر والمواجهة, فان مصر (الحكم) تشدد دائماً ومن أعلى المستويات على عدم ارتياحها للسياسات الغربية تجاه تلك المسألة, وبخاصة سياسات بريطانيا, وتطالبها بعدم ايواء تلك الجماعات أو بتسليمها لها. وفي ذلك قال حسني مبارك في حديث مع صحيفة لوموند الفرنسية مجدداً دعوته لتلك الدول بعدم منح حق اللجوء السياسي ان (من يؤوي الارهاب سيدفع ثمن ذلك غالياً) مستغرباً مواقف دول مثل بريطانيا من هذه القضية. غير أن هذا الموقف المصري بدأ يتصاعد على نحو غاضب في أعقاب قتل عدد من السياح في الاقصر في 17 نوفمبر 1997, فقد حمل حسني مبارك بشدة على بعض الدول الاوروبية, وعلى بريطانيا بالذات, متهماً إياها بايواء (الارهابيين) تحت ذريعة حق اللجوء السياسي, مما رفع بذلك حدة التوتر في العلاقة بين مصر وبريطانيا على وجه التحديد, قائلاً (الارهابيون حصلوا على المال لتمويل عملياتهم من أوروبا.. الارهابيون متمتعون بالحماية في بلد مثل انجلترا ودول أخرى ويرتكبون جرائمهم, ومنهم من حكم عليه بأحكام, انهم موجودون ويعيشون على الأرض الانجليزية, يجمعون الأموال ويخططون مع الهاربين في أفغانستان وكلهم قتلة) . واضاف مبارك. في اشارة واضحة الى بريطانيا ان (من يبحث عن حقوق الانسان عليه ان يبحث عن حقوق من قتلوا أولادهم الذين ماتوا هنا والارهابيون يقيمون هناك) . واستغرب في مكان آخر كيف تسمح بريطانيا لعناصر من (الارهابيين) بالادلاء بتصريحات في لندن عن مسألة الأقصر قائلاً: (... فكيف يجرؤ على الادلاء بمثل هذا التصريح لوكالات الأنباء في لندن ثم يعطونه المأوى هناك, كيف يحدث هذا؟ وعليهم الا يلوموننا اذا كانوا يؤون الارهابيين الذين يخططون للعنف ويقتلون الاجانب...) . وفي هذا السياق وبعد الانفجار في الاقصر فان القاهرة وجدتها فرصة لتؤكد رغبتها في إجراء مشاورات دولية مكثفة مع بريطانيا والولايات المتحدة بشأن اقتراحات لتعديل الميثاقين الدوليين بالحقوق السياسية والمدنية فيما يتعلق بقواعد منح اللجوء السياسي واستخدامه غطاء لمنح حق اللجوء الى (ارهابيين) تحت ستار حقوق الانسان ومزاعم الاضطهاد. تمشياً مع ذلك فان وزير الخارجية المصري عمرو موسى قد بعث برسائل الى عدد من نظرائه, مؤكداً فيها ان بلاده تشدد على أهمية التعاون الصادق في مجال مكافحة الارهاب ورغبة بلاده تجاه تلك الدول في عدم توفير اي رعاية قانونية كاللجوء السياسي لعناصر الارهاب. وفي رسالته الى وزير الخارجية البريطاني روبن كوك عبر موسى عن أمله في ان تدعم (بريطانيا جهود مصر في مكافحة الارهاب وتسليم عناصر ارهابية منحتها بريطانيا حق اللجوء السياسي) , في اشارة الى احمد النجار وعادل عبدالحميد اللذين منحتهما بريطانيا حق اللجوء عامي 1991 و1993 وصدر بحقهما اخيراً حكم بالاعدام فيما عرف بـ (قضية خان الخليلي) . بعد حادث الاقصر مباشرة نددت بريطانيا بالحادث وأعلنت على لسان وزير داخليتها جاك سترو:( انه حان الوقت لكي يبحث مجلس العموم البريطاني اصدار قانون يجرم الارهابيين والمتطرفين وأنصارهم من اتخاذ بريطانيا مقراً أو قاعدة باسم اللجوء السياسي وتعهد الوزير بأن يطلب من المجلس بحث المشروع خلال دورته المقبلة) ومع ذلك فإن بريطانيا نفت انها تؤوي الارهابيين وأنها حريصة على عدم الاضرار بمصالحها في تلك البلدان, كما وعدت باتخاذ (اجراءات ضد العناصر التي يثبت ضلوعها في عمليات ارهابية من بريطانيا.. وتقول لندن انها مستعدة لدرس ملف اي شخص تتهمه بلاده بارتكاب اعمال ارهابية اذا تم تقديم أدلة تثبت ذلك) , وهو ما رحبت به المصادر المصرية مؤكدة ان القاهرة سلمت مسؤولين بريطانيين تقارير ووثائق تثبت تورط مصريين مقيمين في بريطانيا بعمليات ارهابية وقعت في مصر من خلال اصدار تكليفات وتعليمات الى اتباعهم في الداخل ونقل أموال لهم لانفاقها على تنفيذ العمليات. ان الحكومة البريطانية ــ وعلى رغم أنها حاولت مؤخراً التوجه باتجاه اجراءات جديدة تجاه الهجرة, وباتجاه تقييد حق اللجوء والتي تشمل عدداً من الدول العربية بما فيها مصر, وكذلك على رغم التعاون الذي تبديه بريطانيا تجاه مصر, واشتراكها مع الولايات المتحدة الامريكية في التحقيقات بشأن بعض القضايا مثل مسألة الكشف عن ملابسات الرسائل المفخخة في اوائل عام 1997, وفي بعض التنسيق في تبادل المعلومات عن بعض العناصر المصرية المعارضة والمتهمة بالارهاب, وكذلك توجهها في نهاية عام 1996 نحو تعديل مشدد لقانون مكافحة الارهاب الذي قد يطال منظمات عربية ومنشقين في بريطانيا, وكذلك في وعودها بتشديد الاجراءات ضد الارهابيين في بريطانيا في أعقاب احداث الاقصر, والتعاون مع مصر في هذا المجال كما لاحظنا آنفاً ــ يبدو انها ماضية قدماً بسياستها ذات الطبيعة المزدوجة تجاه الحكم والمعارضة, وذلك امتداداً للتجربة البريطانية التاريخية تجاه المنطقة العربية, شعوباً وحكومات, وانسجاماً معها, تلك الازدواجية البريطانية تتضح من خلال التردد البريطاني الواضح تجاه اتخاذ اجراءات محددة بشأن المجموعات المصرية المعارضة والمقيمة على أراضيها, بحيث تضع قيوداً على حركاتها او نشاطها وصلته بما يتم خارج بريطانيا, او ترحيلها من الاراضي البريطانية, من هنا, وعلى رغم الوعود البريطانية بالتعاون مع مصر في مكافحة الارهاب, والتوجه نحو اصدار قرار بشأن مسألة اللجوء السياسي الذي اكتسب زخماً قوياً بعد احداث الاقصر, الا انه يلاحظ ان بريطانيا لم تصدر ذلك القانون حتى الآن (يونيو 1998) كما يلاحظ ان القاهرة اخذت تعبر عن عدم ارتياحها وتسجل استياءها الشديد تجاه بريطانيا وعدم تجاوبها مع السلطات المصرية في تسليم عدد من المطلوبين من تلك الجماعات المعارضة. وفي هذا السياق فان وزير الداخلية المصري الجديد, حبيب العادلي, قال في حديث له عن الموقف البريطاني تجاه تلك المسألة وذلك في اوائل يناير 1998: (... هناك حضور كبير في بريطانيا لعناصر محكوم عليها بالاعدام والادانة من المحاكم المصرية... والسلطات البريطانية تعلم اسماء هؤلاء, اذ زودت بأسمائهم... وقد أبلغنا الجانب البريطاني بأنه يجري الآن التفكير في احداث وادخال تعديلات على القانون البريطاني يتضمن تجريم اي عمل يقع من أجنبي على أراضيهم يمس أية دولة اخرى. وللأسف الشديد فإن هذا التعديل الذي يتحدثون عنه نسمع عنه منذ سنتين ولم نر منه شيئاً ملموساً, واذا كنا سنبقى ننتظر حتى يقر هذا التعديل فإننا نقول لعل وعسى ان يتوقف المقيمون على الاراضي البريطانية عن نشر الاعمال الارهابية الى ان يصدر هذا القانون. ولكننا نقول ان المطلوب هو عمل فوري وسريع لتنفيذ الاحكام القضائية التي صدرت ضد هؤلاء سواء أكان هناك إرهاب ام لم يكن) ومع ذلك, وازاء تلك المطالب المصرية فقد رفضت بريطانيا (اتخاذ اي خطوات بشأن طلب مصر تسليم متطرفين اصوليين يتخذون من لندن قاعدة لهم لجمع المال لدعم نشاطات تخريبية في مصر, والمشاركة في تدبير عمليات اعتداء على الاشخاص والممتلكات) تلك التصريحات البريطانية والتي أتت رداً على تصريحات وزير الداخلية المصري الآنفة الذكر, وأكدت بموجبها وزارة الداخلية البريطانية انه (لا يبدو ان هناك اجراءات قريبة لتسليم اي من المطلوبين للقاهرة) , وذكر متحدث باسم وزارة الداخلية البريطانية ان وزير الداخلية البريطاني جاك سترو أعلن في اكتوبر 1997 عن (بدء العمل في 30 اكتوبر.. الماضي لاصدار تشريعات لتجريم اي شخص يتآمر في بريطانيا لاقتراف اعمال ارهابية في الخارج...) ومع ذلك فقد نسب الى وزير الداخلية البريطاني جاك سترو القول انه (في ظل قوانين الهجرة الحالية فإن لدى السلطات حق ابعاد الاشخاص المتورطين في اعمال ارهابية, وهو ما اقوم به بصورة منتظمة, ومع ذلك فانا ملتزمون ــ طبقاً لقرارات الامم المتحدة الصادرة عام 1951 والمصادق عليها دولياً بشأن اللاجئين ــ بالنظر في كل طلب للجوء السياسي بحسب ظروف حالته الخاصة) . تلك السياسات تجاه تفاعلات محور الدولة ــ المجتمع في مصر وما يتصل بها في الخارج من قبل بريطانيا, والسياسات والمواقف المصرية تجاهها التي اخذت وتيرة تعارضها مع المواقف البريطانية تتصاعد, والمطالبة الملحة والمستمرة لبريطانيا ودول أوروبية اخرى لتسليم المطلوبين من المعارضة المصرية, عكست نفسها بدرجة واضحة على وتيرة العلاقات الاوروبية ــ المصرية والبريطانية ــ المصرية تحديداً الى نقطة كادت معها تتسبب في نشوب أزمة دبلوماسية بين الطرفين. تلك السياسات المتعارضة بين بريطانيا ومصر تجاه تفاعلات محور الدولة ــ المجتمع في مصر على المستوى الداخلي وما يتصل بامتداداتها الخارجية (العناصر المعارضة المصرية الموجودة على الساحة الاوروبية والبريطانية منها على وجه التحديد والمواقف منها), تستمر حتى قبيل زيارة رئيس الوزراء البريطاني توني بلير الى مصر في 18 ــ 19 ابريل 1998. من هنا تأتي زيارة توني بلير الى مصر في 18 ــ 19/4/1998 لتولد مرة أخرى امرين اساسيين: الأول هو استمرار الازدواجية البريطانية في سياساتها تجاه تفاعلات محور الدولة ــ المجتمع في مصر, ويلاحظ ان بريطانيا وقبيل زيارة رئيس وزرائها بأقل من شهر تقريباً, تقوم بتمهيد واضح وتناغم مع تلك الزيارة, وهو ما يقع في اطار التوقيتات التي تراها بريطانيا مناسبة, بمنع اعطاء تأشيرات دخول الى بريطانيا ــ كما سبق ان تردد في عام 1996 ــ لثلاثة من العناصر والشخصيات الاسلامية المصرية العامة والذين كانوا ينوون حضور مؤتمر في لندن عن (أوضاع السجناء في مصر والعالم العربي) وتنظمه في لندن (الرابطة الاسلامية للعاملين بالكتاب والسنة) في السبت 28/3/1998. عن تلك المسألة قال منتصر الزيات وهو احد الثلاثة الذين منعتهم بريطانيا من دخول اراضيها, في مقابلة معه (ان مسؤولي السفارة اخضعوه ومندور وهاشم لاستجواب في شأن الاسباب التي دعت الرابطة الى توجيه الدعوة اليهم والاستفسار منهم: هل لهم علاقة بالتنظيمات الدينية التي تعتمد العنف؟ وزاد انهم سألوا ايضاً: هل لهم علاقة باسلاميين مصريين مقيمين في بريطانيا؟ مشيراً الى ان كلا منهم خضع للاستجواب على انفراد مع احد موظفي السفارة, لكن الأسئلة كانت متشابهة, وذكر ان موظف السفارة أبلغهم ان أسماءهم سترسل الى الخارجية البريطانية للتحقيق مما إذا كانت هناك اسباب تمنع منحهم تأشيرات...) هذا وقد رفضت السفارة البريطانية باسم ناطقها, ادوارد ويب, (توضيح أسباب عدم منح الاسلاميين الثلاثة تأشيرات) وتأكدت تلك التوجهات البريطانية قبل سفر بلير الى مصر, حيث قرر بلير نفسه ان ذلك الاجراء اتخذ بعدما تأكد الترابط بين ذلك المؤتمر والعناصر التي رفض اعطاؤها تأشيرات والجماعة الاسلامية, وفي مقابلة مع ابراهيم نافع, رئيس تحرير جريدة الأهرام في 16/4/1998 وقبل يومين فقط من زيارته لمصر, قال بلير في رده على سؤال عن موقف بريطانيا تجاه (الارهابيين) ومنح التأشيرات وقضايا ذات صلة بموضوع المعارضة المصرية في بريطانيا: (كلما توفر لدينا البيانات الكافية لاحباط الارهاب, او احباط دعم الارهاب فإننا نتخذ الاجراءات اللازمة لذلك, وقد وصلتنا تقارير تربط هذا المؤتمر بالجماعة الاسلامية. ولهذا السبب رفضنا ان نمنح تأشيرات للافراد الذين كانوا يسعون لحضور المؤتمر. واننا نستخدم الاجراءات نفسها في ظروف مماثلة قادمة. ونحن نبقى عاقدي العزم على عدم استخدام المملكة المتحدة كقاعدة للارهاب في الخارج بأي شكل من الاشكال) . ومع قوله هذا الا انه يضع ما يمكن وصفة بنقطة التراجع والحيطة والتبريرات لما يمكن ان يحدث مستقبلا من عدم الاتجاه نحو ذلك الهدف وبما يخدم السياسة الخارجية البريطانية عندما قال: (وسينشر وزير الداخلية عن قريب وثيقة استشارة تحتوي على مقترحات لتقوية قوانيننا المضادة للارهاب, والقانون الذي تشير اليه ربما سيجري بحثه في الدورة القادمة من البرلمان) . ومع ذلك فإن بريطانيا وحتى ما بعد زيارة بلير الى مصر, فانها وباستثناء التصريحات, لم تتخذ من الاجراءات الملموسة التي تتوقعها مصر, وهذا ما يعزز الاتجاه الى الازدواجية البريطانية تجاه تلك المسألة واستمرار اثارها السلبية المتمثلة في العلاقات المصرية ــ البريطانية من هذه الزاوية تحديدا. اما الامر الثاني المتصل بزيارة بلير الى مصر في 18 ــ 19/4/1998, فهو يتصل بمسألة ادارة العلاقات بين الطرفين والتي ارتفعت حدة توترها, وان لم تصل الى مواجهات بالقطيعة, مع أحداث الاقصر في نوفمبر 1997. ان زيارة بلير الاخيرة يبدو انها كانت تصب في جزء مهم منها في هذا الاتجاه وهو الحاجة من قبل الطرفين لادارة العلاقات بينهما وعلى نحو يحقق المصالح للطرفين. فمن جانبها, وجدت مصر فرصة في الزيارة للتشديد على الوصول مع الجانب البريطاني الى مناقشة حادة فيما يتعلق بمسألة العناصر المطلوبة والموجودة في بريطانيا والموقف البريطاني منها. ومن هنا كانت القاهرة تعد ملفا امنيا عن نشاط الاسلاميين المصريين في بريطانيا وعرضه على رئيس الوزارة البريطاني في زيارته تلك والذي يتضمن المطالبة بتسليم بريطانيا عددا من العناصر المصرية المعارضة المطلوبة والمقيمة في لندن. وهو ما تأكد من خلال التصريحات المتبادلة بين مبارك وبلير في المؤتمر الصحفي الذي عقد في 18/4/1998. في المقابل كانت فرصة لرئيس الوزراء البريطاني في هذه الزيارة الى مصر, ليقلل من مخاوف مصر وعدم ارتياحها تجاه السياسات البريطانية ذات الصلة بمسألة المعارضة المصرية على الاراضي البريطانية, حيث اعلن عن تعهد بلاده الا تكون ملاذا للارهابيين, واشار الى القوانين المقترح اعدادها بشأن تجريم النشاطات الارهابية المنطلقة من عناصر تقيم على الاراضي البريطانية. ويبدو ان هناك عوامل حاسمة وحاكمة وفاعلة في ضبط تلك العلاقات البريطانية, المصرية وعلى خلفية تفاعلات محور الدولة ــ المجتمع في مصر والسياسات المتعارضة تجاهلها من كل من بريطانيا ومصر, ان استمرار تلك السياسات المتعارضة على رغم التصريحات والوعود وما تلا الزيارة البريطانية الى مصر, وعلى رغم زخم الاحداث منذ الفترة (1993 ــ 1997) وما اتصل بها من اعمال عنف في اماكن عدة في اوروبا وفي المنطقة العربية ومنها مصر, وعلى رغم التوجهات الغربية عموما ومنها البريطانية والامريكية في مكافحة الارهاب مرورا بــ (مؤتمر شرم الشيخ) في مارس 1996, يثير التساؤل عن مدى عدم تحول التوتر في العلاقة بين مصر وبريطانيا وعلى تلك الخلفية الى مستوى اعلى من المواجهات وصولا الى القطيعة, وبالتالي يثير التساؤل عن سبب استمرار تلك السياسات المتعارضة دونما تغييرها تغيرا جذريا, وبخاصة من قبل بريطانيا والى حد ما من قبل مصر؟ ان بريطانيا لم تغير كثيرا من تلك السياسة, ويبدو ان تلك السياسات لها مردود مقبول وبخاصة في موازاة ان تكاليفها غير باهظة في اطار ان مصر في المقابل لا تريد رفع تكاليف سياسة مناهضة لبريطانيا, خصوصا مع التوجه العام لمصر والاتساق بالسياسات غربا بما ينطوي عليه ويندرج تحته من مصالح اقتصادية وثقافية ومالية وسياسية. وعلى رغم ان بريطانيا ليست بأهمية المانيا او ايطاليا من الناحية الاقتصادية او الاستثمارية او المساعدات والمنح والقروض وفرص نقل الثقافة ــ حيث ان الاخيرة تعتبر الشريك الاول لمصر في مجال التبادل التجاري, والثاني بعد الولايات المتحدة الامريكية على المستوى العالمي ولها استثمارات في مصر تصل الى 2.5 مليار دولار امريكي. وحيث ان المانيا تعتبر من الدول الاوروبية ذات الاستثمارات المتزايدة في مصر حيث وصلت في عام 1997 الى 180 مليون مارك الماني وتعتبر الشريك الاول مع مصر في مجال السياحة, وقدما منحا تصل الى 260 مليون مارك الماني, وقرضا بمبلغ 140 مليون مارك الماني في اوائل عام 1997, الا ان بريطانيا بدأت في الفترة الاخيرة تنشط اقتصاديا في مصر من حيث التبادل التجاري والاستثمارات المباشرة والمشروعات الممولة من قبل بعض الشركات البريطانية والمشتركة مع شركات اخرى, حيث تشير المصادر المصرية الرسمية الى ان بريطانيا في عام 1998 تعتبر الشريك الثاني لمصر في 140 مشروعا يبلغ اجمالي رأسمالها 3 مليارات و120 مليون جنيه, نصيب بريطانيا منها 901 مليون جنيه, وتصل تكلفتها الاستثمارية الى 4 مليارات و826 مليون جنيه. وفي السياق ذاته واثناء زيارة بلير اعلن عن تأسيس شركة بريطانية ــ مصرية ــ ايطالية مشتركة لنقل وتوزيع الغاز الطبيعي في المنطقة من جنوب بني سويف وحتى مدينة اسيوط (وتقدر استثماراتها بنحو مليار جنيه, وتبلغ نسبة الاستثمارات البريطانية في الشرك 37.5 بالمئة بينما تبلغ النسبة الايطالية 37.5 بالمائة والنسبة المصرية 25 بالمائة) . وانسجاما مع ذلك الاتجاه يبدو ان بريطانيا يتزايد نصيبها من التعامل التجاري مع مصر, حيث ارتفعت الصادرات المصرية الى بريطانيا من 69.3 مليون دولار في عام 1989 الى 401.9 مليون دولار في عام 1996 ووصلت في الثلاثة ارباع الاولى فقط من عام 1997 الى اكثر من 500 مليون دولار, بينما ازدادت الواردات المصرية من بريطانيا من 309.4 ملايين دولار عام 1989 الى 741.4 مليون دولار عام 1996 ووصلت في الثلاثة الارباع الاولى من 1997 الى 669.2 مليون دولار (وهو ما يعني انها ستتجاوز 800 مليون دولار في عام 1997 اذا ما اخذنا الربع الرابع من عام 1997 في الحسبان) . اضافة الى ذلك, تعتبر بريطانيا واحدة من دول السوق الاوروبية المشتركة والاتحاد الاوروبي, وهي رئيسة المجموعة الحالية للعام الحالي 1998. ويمثل الاتحاد الاوروبي بالنسبة لمصر من حيث التجارة الخارجية (الصادرات والواردات) الشريك الاول مع مصر في عامي 1996/1997 و1997/1998, حيث بلغت الصادرات المصرية الى آوروبا (الاتحاد الاوروبي) ما قيمته 475.3 مليون دولار وبنسبة 36.1 بالمائة من اجمالي صادراتها البالغة 1315.2 مليون دولار في عام 1996/1997. ووصلت في عام 1997/1998 الى 406.7 وبنسبة 29.4 بالمئة من اجمالي الصادرات المصرية للعام ذاته والبالغة 1385.3 مليون دولار (وتأتي اوروبا هنا بعد امريكا حيث الاخرية نسبتها 31 بالمائة للعام نفسه) . بينما بلغت الواردات المصرية من اوروبا لعام 1996/1997 ما قيمته 1630.1 مليون دولار وبنسبة 40 بالمائة من اجمالي واردات مصر والبالغة 4079.5 مليون دولار للعام ذاته, ووصلت وارداتها من اوروبا في عام 1997/1998 الى 1503.6 ملايين دولار وبنسبة 38.5 بالمائة من اجمالي الواردات المصرية من العام والبالغة للفترة نفسها 3908.8 ملايين دولار. ذلك الاتحاد الاوروبي ــ والذي قدم لمصر عام 1996 ما قيمته 700 مليون دولار على شكل منح لا ترد وقروض ميسرة لدعم مسيرة التوجه الاقتصادي المصري في مجال التعويضات والآثار المترتبة عليه اجتماعيا ووظيفيا والذي سبق له وان ساهم في دفع نادي باريس للدول الدائنة بالموافقة على شطب 50 بالمائة من ديون مصر لحكومات هذه الدول, وكذلك اعادة جدولة الديون المصرية المتبقية بشروط تفضيلية في مايو 1991, مما ادى الى انخفاض الديون الخارجية المصرية وبالتالي استفادة الاقتصاد المصري من ذلك, تسعى مصر الى عقد الشراكة معه, والذي يبدو انه وان كان يتعثر منذ اكثر من ثلاث سنوات, وعلى خلفية السياسات الاقتصادية المتعارضة في مجال المنتجات والصادرات الزراعية المصرية للسوق الاوروبية (البطاطس المصرية والزعم بعدم سلامتها وجودتها) , وكذلك في مجال المنتجات القطنية (القطن المصري واتهام الشركات الاوروبية بزيادة الكمية الى اوروبا مع انخفاض اسعارها بالمقارنة مع المنتجات القطنية الاوروبية) , فان المفاوضات بشأنه مستمرة. تلك الشراكة الاوروبية ــ المصرية وهي مطلب مصري, اذا ما تحققت فإنه وبمقتضاها سيتم انشاء منطقة تجارة حرة بين مصر واوروبا بعد مرور 12 عاما وبالتالي ستشجع النمو الاقتصادي المصري, وجذب رؤوس الاموال والاستثمارات الاوروبية الى مصر بما يوفر لها قاعدة قوية للانطلاق الاقتصادي في المنطقة, وان كانت المهمة في البداية ستكون صعبة وشاقة وقد تتعرض مصر لبعض الخسائر. ان تلك الشراكة واهميتها الاقتصادية لمصر وعلاقة بريطانيا بها, وخصوصا ان الاخيرة هي رئيسة المجموعة الاوروبية حاليا (1998) تبدو محل اهتمام كبير للتوجهات والسياسات المصرية تجاهها. تلك اذا محددات تكاليف السياسات القائمة ومؤشر لامكانية ارتفاعها على نحو باهظ في حالة تغييرها من قبل مصر تجاه تلك الدول الاوروبية ومنها بريطانيا في مواجهة سياساتها تجاه الدولة والمجتمع فيها, والتي تبدي مصر انزعاجها وعدم رضاها تجاهها. ويبدو ان مصر في اطار تلك السياسات وتكاليفها, وعلى رغم عدم قبولها وانزعاجها, تحاول ان تتعامل مع تلك الدول بطريقة تدير بها علاقاتها معها في اطار يمكن ان تتحكم فيه دون ان تضطر الى تغيير تلك السياسات. ويبدو ان خيارات مصر في ذلك تركز بشكل عام على حاولة التوصل الى اتفاقات امنية مع تلك الدول من اجل استرداد الفارين الذين صدرت في حقهم احكام جنائية والمقيمين في الخارج خصوصا في الدول الاوروبية, حيث يتم بمقتضاها (تبادل تسليم المطلوبين) . اضافة الى ذلك سعت مصر منذ سنتين وبشكل قوي منذ احداث الاقصر الى التسريع في توقيع الاتفاقية العربية لمكافحة الارهاب, والتي تم بالفعل التوقيع عليها في القاهرة في 22/4/1998 وبعد ايام قليلة من زيارة بلير للقاهرة, والتي اعتبرت مصر التوقيع عليها بانه الرد العملي للعالم ولاوروبا ولبريطانيا كي تتعاون معها في مسألة المطلوبين. وفي المقابل فان زيارة بلير, وان لم تسفر عن تغير واضح في سياساتها تجاه المعرضة المصرية, تدل على ان بريطانيا تثمن اهمية مصر من الناحية السياسية والاقتصادية وبالتالي فإن تصريحات بلير اثناء زيارته للقاهرة تدل على ان بريطانيا تشعر بان استثمار سياساتها الحالية قد يكلفها بعض الشيء, وبالتالي فإن تلك التصريحات تمثل نوعا من المرونة أو التوجه التدريجي في تعديل أو تقييد تلك السياسات بعض الشيء وان كان لا يلغيها, من هنا نتوقع ان تستمر العلاقات البريطانية ـ المصرية في اطارها العام المقبول, ولا يستبعد حدوث توترات في اطار تلك السياسات مستقبلا, على ان ذلك يرتبط بدرجة كبيرة باستمرار بريطانيا بانتهاج تلك السياسات المزدوجة تجاه الدولة والمجتمع, وكذلك باتجاهات ومستويات تفاعلات محور الدولة والمجتمع داخل مصر وهو ما يرتبط بتوجهات مصر (الحكم) على المسارات الديمقراطية والتنمية الاقتصادية, ويبدو ان السياسة والاستراتيجيا المصرية تجاه تفاعلات الدولة والمجتمع خلال نهاية عام 1995 وحتى الان, والتي اتسمت باحكام سيطرتها الى حد كبير, قد خففتا من وقع السياسات الغربية الاوروبية بشكل عام, والبريطانية على نحو خاص تجاه الحكومة المصرية. ومن هنا فإن مصير المعارضة يبقى مرهونا بدرجة كبيرة باتجاهات تلك السياسات من الطرفين وبتطورات واتجاهات تفاعلات الدولة والمجتمع في مصر بدرجة أكبر. ويبدو ان الاتجاهات العامة في مصر من حيث قدرة الدولة على التحكم في علاقة الدولة بالمجتمع, وكذلك الازدهار الاقتصادي فيها, وبالتالي تحسن العلاقات الدولية مع مصر, وبخاصة على المستوى الاقتصادي وكذلك التجاوب النسبي لبعض الدول في مسألة مكافحة الارهاب قد يكون على حساب اتجاهات المعارضة مستقبلا, وبالتالي محاصرتها في الاجل القريب على الاقل, ولربما في الاجل المتوسط ايضا.

* استاذ مشارك في قسم العلوم السياسية كلية العلوم الادارية ـ جامعة الملك سعود*

عن صحيفة البيان الاماراتيبة


© 2000 - 2019 البوابة (www.albawaba.com)

مواضيع ممكن أن تعجبك