كيف يغيّر العراق قواعد حرب الكبار النفطية؟

منشور 08 شباط / فبراير 2012 - 04:02
الطموح في العراق اليوم، بحسب تقرير «فورين بوليسي»، ينصب على دخول لعبة القوى النفطية من بابها الأوسع
الطموح في العراق اليوم، بحسب تقرير «فورين بوليسي»، ينصب على دخول لعبة القوى النفطية من بابها الأوسع

في بلد يشكل النفط 95 في المئة من عائداته الحكومية، يصبح التحكّم بالسياسات النفطية المستقبليّة ورسم الاستراتيجيات المنظّمة للقطاع بمثابة صراع كاسر للاستحواذ على السلطة. النفط في العراق اليوم هو الملك، ولطالما كان كذلك، لكن التصريحات العراقية الأخيرة تؤكد على هدف واضح يأخذ الأمور في منحى أكثر خطورة. يطمح العراق لزيادة إنتاجه النفطي خلال السنوات السبع المقبلة إلى 13 مليون برميل يومياً، ليصبح بذلك أكبر دولة منتجة للنفط. على الإطلاق. في هذه الوعود أكثر من «آمال وردية» بإنعاش اقتصاد عراق ما بعد الاحتلال.

هناك بطاقة عبور يرسمها العراق لنفسه، وتُرسم له، تمهّد لانخراطه في لعبة صراع القوى النفطية الكبرى، وتحديداً الإقليمية، برأسيها إيران والسعودية. ولكن كيف يُفترض أن يلعب العراق دوراً في حرب الكبار النفطية؟ أو أقله ما الثقل الذي يمكن أن يشكله؟ يجيب المتابعون بأن تهديد إيران بإغلاق مضيق هُرمز، على خلفيّة التلويح بالحظر على نفطها، يجعل من السعودية المنتج البديل الأوحد في العالم، وعليه فإن زيادة العراق لإنتاجه بشكل ينافس المملكة يسهم في تعديل ميزان القوى وتغيير المعادلات في أسواق النفط العالمية. ولكن بقدر ما يمتلك العراق من مقومات تنبئ بأن طفرته الاستثمارية ستصبح ورقته الجيو- سياسية الأقوى، بقدر ما تشي أزماته السياسية الداخلية والتدخل الخارجي في شؤونه بأن «هذه الوعود وردية فقط، وهدفها التصعيد الكلامي لا أكثر، لصالح أطراف خارجية قد يكون أولها الولايات المتحدة»، حسب ما أسرّ خبير الاقتصاد النفطي كمال القيسي لـ«السفير».

ثمة أسباب كثيرة، حسب القيسي الذي كان مسؤولاً سابقا في وزارة النفط العراقية وفي منظمة «الأوبك»، تثير الشك في واقعية هذه الوعود. بداية، يعتبر خبير الاقتصاد النفطي أن هذا الهدف لا يمكن تحقيقه من الناحية الفنية، إذ يصعب تسويق النفط عالمياً من دون الاصطدام بعقبات نظام «الأوبك» التسويقي الذي يحدّد سقفاً للإنتاج لكل بلد على ضوء سياسة العرض والطلب العالمية. وعليه، فإن ما يُحكى عن زيادة النفط العراقي يهدّد بالتسبّب بصراع مصالح داخل «الأوبك»، حيث سيسحب فائض الإنتاج النفطي بساط الحصص من تحت الأعضاء الآخرين ويتسبب لهم بأضرار مالية ضخمة، وقد يؤدي إلى تفكك المنظمة. هذا على الصعيد الخارجي، أما داخلياً فهناك عوامل كثيرة تحول دون تحقيق هذه الغاية لخصها تقرير نشرته مجلّة «فورين بوليسي»، تحت عنوان «الصحوة النفطية»، بالأزمة السياسية التي تعيق بناء المؤسسات (قضاء نزيه، جهاز أمني غير مسيّس) التي تسهم في التأسيس لدولة مستقرة وفعالة وديموقراطية، فضلاً عن التجاذبات السياسية الداخلية بين الأطراف السياسية، وتحديداً بين الحكومة المركزية وإقليم كردستان.

2012 .. عنق الزجاجة

وفقاً للسيناريو العراقي، الذي يشرحه لـ «السفير» وزير النفط الأسبق ابراهيم بحر العلوم، فإنه بحلول عام 2014 أو 2015 سيحقّق العراق «الرقم السحري» بوصوله إلى إنتاج 4,5 ملايين برميل يومياً. وفي نهاية العام 2012 سيبلغ إنتاج العراق 3 ملايين برميل يومياً، ثم سيوسع منظومته التصديرية خلال العامين المقبلين ليتمكن من تجاوز 4 ملايين برميل، لأول مرة منذ 30 سنة.

عام 2012، برأي وزير النفط الأسبق، هو عام حاسم للقطاع النفطي والمنظمومة التصديرية، وإذا تمكن العراق من تجاوزه سيصل عام 2020 ليصبح قادراً على امتلاك مليوني برميل كطاقة فائقة.

يستند بحر العلوم في «تفاؤله» على واقع أن العراق يتولى رئاسة «الأوبك» في العام الحالي، مؤكداً أنه سيسعى للتفاوض مع المنظمة على زيادة حصص بلاده من الإنتاج الوطني. «الهدف ليس إغراق السوق العالمي، إنما التحول إلى منتج بديل»، يجزم بحر العلوم. ويردف شارحاً أن بلاده ستستفيد من منصبها الحالي لتوجيه رسالة مفتوحة إلى الأمين العام لـ«الأوبك»، تحثه فيها على الدعوة إلى اجتماع استثنائي لإقناع دول المنظمة على عدم استخدام النفط كسلاح. برأي بحر العلوم «لا يمكن للنفط أن يبقى سلعة استراتيجية، ومحاولة التوفيق بين التهديدات الإيرانية بإغلاق المضيق يتم من خلال تأكيد القدرة العراقية على تعويض النقص»، ويوضح «في الأوبك هناك محوران السعودية ودول الخليج من جهة وإيران وفنزويلا والجزائر من جهة أخرى. العراق يمكن أن يشكل كتلة وسطية بين الاثنين قد تنضم إلى ليبيا».

العراق ولعبة النفط الإقليمية

تعرف السعودية اليوم على أنها «المنتج البديل» الوحيد عالمياً، بما يميّزها من قدرة على الإنتاج تفوق إنتاجها الحالي، وهذا الوضع يعطي المملكة قوة هائلة بشكل أنه في حال تمّ فرض حظر نفطي على إيران، فإن الاقتصاد العالمي سيعتمد على السعودية لفتح «صنابيرها» النفطية والحؤول دون ارتفاع أسعار النفط بشكل خيالي. هذا النفوذ السعودي يلزم دول «الأوبك» أن تلتزم بالكوتا المخصصة لها، خوفاً من تلجأ السعودية إلى إغراق السوق بطوفان «عقابي» من النفط الخام، الأمر سيؤدي إلى هبوط حقيقي في الأسعار وبالتالي الأرباح. الطموح في العراق اليوم، بحسب تقرير «فورين بوليسي»، ينصب على دخول لعبة القوى النفطية من بابها الأوسع.

منافسة السعودية على لقب البديل العالمي

حيث إذا نجحت في تطوير قدرتها البديلة إلى 2 مليون أو 3 ملايين برميل يومياً، وهو ما تدّعي السعودية أنها تملكه، سيصبح لدى «الأوبك» منفذا ثانياً. هذه المعادلة ستمهد الطريق أمام التنافس بين السعودية والعراق، علماً أن العلاقة بينهما لم تكن في أحسن أحوالها فهي تشهد حالة من الركود، على خلفية اعتبار الرياض أن رئيس الوزراء نوري المالكي هو لعبة في يد إيران، رافضة إرسال سفير لها إلى بغداد.

في هذا الإطار يعتبر التقرير أن نجاح العراق في مسعاه سيثير غضب كل من إيران والسعودية، وبالتالي فإن الضغوط تزداد لعرقلة هذا المشروع، الذي يواجه أساساً ضغوطاً داخلية هائلة تحول دون نجاحه.

أزمات الداخل.. وشركات الأمر الواقع

يعتبر القيسي أن أحد الأهداف الرئيسية من احتلال العراق كان التحكم في الاستراتيجية النفطية من خلال جعل العراق قادراً على تغطية أي قصور في الأسواق النفطية العالمية، وبمعنى أدق لعب دور مشابه لدور السعودية حالياً. وفقاً لهذا التحليل، فإن الشركات الكبرى تتحكم بالاستراتيجية النفطية الحالية للبلاد، مستغلة غياب الأطر القانونية المنظمة للقطاع وصراع القوى السياسية الداخلية لتضع الجميع أمام سياسة الأمر الواقع.

في السنوات الأخيرة، تسابقت الشركات العالمية على وضع يدها على الاحتياطيات النفطية عبر عقود مشاركة في الإنتاج. المشكلة الحقيقية تكمن في طبيعة العقود التي تمّ توقيعها والتي جعلت الشركات تتحكم بالقرار النفطي، تطويراً وإنتاجاً واستراتيجية، بدلاً عن الحكومة المركزية. بموجب العقود تتقاضى الشركات بدل كل برميل تنتجه حوالى 2,5 دولار، وهو رقم يعد مرتفعاً إذا ما أخذ بالاعتبار أن هذه الشركات تعمل على آبار مستكشفة ومعروفة، بل وحتى أن البعض منها منتج. مع العلم أن تطوير الحقول العراقية لا يحتاج إلى جهد كبير انطلاقاً من أن آبار العراق تعتبر قريبة من سطح الأرض ولا تحتاج إلى تقنيات تكنولوجية عالية.

نقطة سوداء أخرى في سجل العقود الموقعة

تتحكم الشركات الكبرى، مثل «بريتش بتروليوم» البريطانية و«أكسون موبيل» الأميركية و«شل» وغيرها، بالإنتاج النفطي، في حين أن التسويق يقع على عاتق الحكومات، التي إن فشلت عليها التعويض على الشركات، لأن العقد يلزم العراق بدفع بدل الكميات المتعاقد عليها، وليس المنتجة فقط. وهكذا في حال قرّر العراق تخفيض كمية الإنتاج لأي سبب (ضغوط السوق، سياسة أوبك، معوقات لوجستية) فسيجد نفسه ملزماً بدفع بدل الكميات التي لم يتم إنتاجها حتى. أما الجانب الأكثر خطورة، بحسب القيسي، فهو أن العقود الموقعة مع الشركات غير قانونية، فلغاية الآن لم تعرض على البرلمان لمناقشتها، كما لم تطرح على الشعب. وعلاوة على ذلك، بقيت ملاحق العقود (على أهميتها لاحتوائها التفاصيل الفنية) سرية، كما جرى تعديل بعض الفقرات بعد التوقيع، نتيجة ضغوط سياسية أجنبية ومحلية وزيارات مكوكية لجو بايدن وغيره.

وحول الموضوع نفسه، يضيء بحر العلوم على استغلال الشركات خلاف الحكومة المركزية مع إقليم كردستان لصالحها، حيث يؤكد أن»استمرار الخلاف السياسي وعدم الوصول إلى حلّ مقنع، يسمح للشركات الكبرى أن تضع كلاً من الطرفين أمام سياسة الأمر الواقع. في البداية جذبت الحكومة المركزية الشركات الكبرى وحرمت الإقليم، وعندما فشل الطرفان في الوصول إلى تسوية نجحت الشركات في كسر احتكار وزارة النفط لإبرام الاتفاقيات، وفتحت الخط على الإقليم واضعة الحكومة أمام إشكالية هل تلغي العقود أم تغض الطرف؟ و«أكسون موبيل» خير دليل».

يؤكد القيسي أن غياب الأطر القانونية مردّه الشلل السياسي في المؤسسات العراقية، كما مصلحة أطراف كثيرة في الإبقاء على واقع الحال. فهناك اليوم أكثر من مسودة لقانون النفط، لم يتم عرضها على البرلمان. إقليم كردستان، وكذلك أميركا، يضغطان باتجاه إقرار القانون حتى تكتسب عقود الإقليم شرعية، علماً أن الإقليم يحاول استغلال الصراعات السياسية السائدة للدفع باتجاه إقرار القانون.

من جهته، يعتبر بحر العلوم أن العراقيين أضاعوا الفرصة عام 2007 في التوصل إلى رؤية توافقية في مسودة قانون النفط، وتمّ ترحيل المشكلة إلى اليوم. ويأسف بحر العلوم، الذي يؤكد أن غياب الأطر القانونية أدى إلى تعملق العامل الإقليمي في الداخل، لأن السجال ما زال محتدماً من دون أفق للحل.


2020 © جريدة السفير

مواضيع ممكن أن تعجبك