" أمراء السلام ":لماذا أستوطن "المعتدلون العرب" في ميونخ ؟

منشور 29 آذار / مارس 2012 - 08:13
نهج الاعتدال
نهج الاعتدال

" أمراء السلام "

لماذا أستوطن "المعتدلون العرب" في ميونخ ؟

فضل مصطفى النقيب

جامعة واترلو – كندا

شباط / فبراير 2009 

المقال منشور في عدد اذار/ مارس 2009 من مجلة وجهات نظر .

يهدف هذا المقال الى قراءة  كتاب "نهج الاعتدال العربي" للدكتور مروان المعشر بصورة جدية و منهجية.[1]وذلك بأن  نعرض للاطروحات الرئيسية في الكتاب بدون أي أحكام مسبقة ، ثم نقوم بفحص صدقيتها على اساس المحاكمة المنطقية والادلة المتوفرة بما في ذلك الشواهد والاحداث التاريخية المعاصرة.

الدعوة إلى الجدية لا تنبع فقط من كون المؤلف قد شغل مناصب عديدة هامة ذات اتصال مباشر بموضوع الكتاب فهو أول سفير للحكومة الأردنية في إسرائيل ، ثم سفيرًها  في الولايات المتحدة وكان وزيراً  للأعلام ، ووزيراً  للخارجية ونائباً لرئيس مجلس الوزراء ،المكلف بشؤون الأصلاح، وهو الذي يشغل الآن منصب  نائبً رئيس البنك الدولي، فهذه المناصب ،بحد ذاتها لا تعني ، بالضرورة ، أن من يشغلها سيكون قادراً على تأليف كتاب بهذا المستوى من الجدية إنها في أحيان  كثيرة تعني العكس.

الدعوة إلى الجدية في التعامل مع كتاب الدكتور المعشر  تنبع من أن المؤلف يمثل ظاهرة أصبح لها وجود متنام  في معظم الحكومات العربية، ومن المفيد التوقف عندها بجدية.

يمثل مروان المعشر  ظاهرة الأفراد الذين لهم مراكز قيادية في حكومات بلادهم والذين يتمتعون بكفاءات عالية تم صقلها خلال سنوات الدراسة في أفضل الجامعات الأمريكية ، وما يميز هؤلاء  عن غيرهم من حملة الشهادات العالية الذين لهم مناصب قيادية في نفس الحكومات ، هو أنهم يعترفون بإن الفساد يستشري في تلك الحكومات، ,وان يكن بصورة متفاوتة بين الدول، ويكرس نظاماً يعيد انتاج التاخر بشكل مستمر، وانهم يسعون في تلك الحكومات من اجل تحقيق إصلاح تدريجي من الداخل، على اساس ان أحجامهم عن العمل في تلك الحكومات يعني  تركها تحت  سيطرة ما يمكن تسميته مع شيء من التعميم برحال "الحرس القديم" المجندين بشكل مستمر للوقوف  ضد أي  تغيير في النظام القائم لإن ذلك يهدد مراكزهم ومصالحهم ، وهم يخشون أن يقود بقاء النظام القديم على حاله الى سقوطه  بيد الحركات الاسلامية الاصولية التكفيرية.

وهم يرون أن أهم عقبة تقف في وجه تيار الاصلاح العقلاني الذي يلتزمون به ، هي مشكلة الصراع العربي-الاسرائيلي .، على أساس أن ذلك الصراع يكرس جواً معاديا للتقدم والاصلاح، إضافة الى الماسي والكوارث الانسانية التي يجرها بشكل يومي على الشعب الفلسطيني ، والشعوب العربية المجاورة . إنهم يرون ان أوضاع الصراع والعنف تكرس أجواء الخطر التي تساعد رجال " الحرس القديم" على منع التغيير ، كما أن انحياز الولايات المتحدة لاسرائيل يغذي أجواء العداء لأمريكا والكراهية للغرب  وانتشار الفكر التكفيري. إنهم يرون أن أحداث ستة عقود من الصراع قد أثبتت بشكل لا يقبل الشك بإنه ليس بمقدور اسرائيل أو العرب تحقيق الانتصار العسكري الذي يفرض نهاية للصراع.، وان الحل الوحيد الممكن هو الحل الذي ياخذ بعين الاعتبار المصالح الحيوية للفريقين، وان مثل هذا الحل ممكن اذا تمكن المعتدلون في العالم العربي والمعتدلون في أسرائيل ، وبرعاية أمريكية، من تكوين جبهة متماسكة ضد  المتطرفين العرب والمتطرفين الاسرائيلين الذين يعادون السلام.

يعترف أصحاب مدرسة الاعتدال  بأن غالبية الناس في العالم العربي  لا تشاركهم ذلك الشعور المتفائل ،إذ أن خيبة الأمل المتكررة  منذ عقود لم تترك عند الناس اي امل في الاصلاح التدريجي لانظمة الحكم العربية ، او في حدوث اي تغيير في الموقف الامريكي الداعم لإسرائيل. وبالرغم من ذلك فهم يصرون على أن تفاؤلهم مبني على أرضية الفهم الموضوعي للمصالح الحقيقية لإطراف النزاع الثلاثة: العرب، إسرائيل والولايات المتحدة ، وأن لغة العقل والحداثة  والتسامح  ستنتصر في النهاية لأنها اللغة الوحيدة التي تعبر عن روح العصر .

لذلك دعونا نقرأ الكتاب بجدية لنرى ما هو المعنى الحقيقي لهذه الظاهرة؟

 (1)

تسيطر على كتاب "نهج الاعتدال العربي " فكرتان محوريتان ، يعمل المؤلف على أثبات صدقتيهما ، من خلال روايته لأحداث عايشها وكان له أحياناً دوراً في التأثير على مسارها.

 الفكرة الأولى هي أن نهج الاعتدال العربي الذي شاع صيته في السنوات الماضية ، بعد أن انقسم العالم العربي إلى "معسكر الاعتدال" و"معسكر الممانعة"، هو في جوهره نهج أردني ، وأن الأردن هو البلد العربي الوحيد الذي ظل مخلصاً لذلك النهج منذ بداية الصراع العربي-الإسرائيلي وحتى اليوم.

يعيد المؤلف نشأة نهج الاعتدال إلى حكمة القيادة الأردنية (الملك عبد الله أولاً ثم الملك حسين)التي التزمت ، منذ  تأسيس أمارة شرق الأردن عام 1921 ، العمل على توثيق العلاقات مع العالم الغربي حتى أصبح للأردن دوراً مميزاً في العالم العربي ، حيث كانت الدول الغربية تنظر إليه طوال سنوات الحروب العربية-الإسرائيلية كواحة للاعتدال و " كجسر بين الغرب والعالم العربي"، ثم يرى المؤلف أن ذلك الدور قد تطور  بعد توقيع معاهدة السلام الإسرائيلية- الأردنية عام 1994 " .حيث ذهب إلى أبعد من كونه جسراً بين الشرق والغرب ليصبح نموذجاً للتسامح تفتقر إليه المنطقة منذ وقت طويل"(صفحة 24) .

ويرى المؤلف ان صواب ذلك النهج قد اتضح بشكل جلي في السنوات القليلة الماضية وذلك عبر النجاحات الكبيرة التي حققها الاردن وكرست له مكاناٌ اقليمياً وعالمياً مرموقاً يفوق بدرجات ما يسمح به حجمه الصغير وإمكاناته المادية والبشرية المتواضعة. ويذكر المؤلف من هذه "النجاحات "، نجاح الاردن في توقيع اتفاقية التجارة الحرة مع الولايا ت المتحدة في الوقت الذي لم تستطع فيه دولة اكبر وأقوى مثل مصر توقيع مثل تلك الاتفاقية،  كما يذكر نجاح الاردن في أخذ المكان الذي كانت تحتله سوريا ،لسنوات طوال، في التحالف غير الرسمي (اضافة الى السعودية ومصر) الذي يعمل على قيادة اجماع عربي تجاة قضايا المنطقة. وهو يرى أن تحالف مصر والسعودية والاردن شكل "لإول مرة في العالم العربي تحالفاً فعالاً من أجل السلام عمل على التاثير في سياسات الولايات المتحدة والغرب، بدلاً من الاكتفاء بردود الافعال عليها " (صفحة 155).

ولكن الكتاب لا يتوقف طويلاً أمام هذا النوع من "النجاحات" التي  يعرفها الجميع، إنه يهتم بنوع أخر من "النجاحات"غير المعروفة للناس ، النجاحات التي أنجزتها الدبلوماسية الأردنية بصمت ،وسمع عنها الناس غالبا على أنها إنجازات دول أخرى.

من الأمثلة الهامة عن تلك "النجاحات" قصة المبادرة السعودية من أجل تحقيق السلام بين العرب وإسرائيل، وفق مبدأ" انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي العربية، مقابل التطبيع الكامل معها" وهي التي أصبحت تعرف بالمبادرة العربية بعد أن تبنتها الدول العربية  في اذار / مارس 2002 في مؤتمر القمة  في بيروت .

لقد سمع الناس أول مرة عن المبادرة السعودية في 6 شباط / فبراير 2002، من مقال في جريدة النيويورك تايمز  للصحافي الأمريكي توماس فريدمان أقترح فيه أن تعرض 22  دولة عربية على إسرائيل أقامة علاقات دبلوماسية كاملة ، وتطبيع التجارة، وضمانات أمنية، مقابل الانسحاب الإسرائيلي الكامل إلى حدود 4 حزيران / يونيو عام 1967.،  وبعد بضعة أيام ، نشر فريدمان مقالاً تحدث فيه عن مقابلة أجراها في الرياض مع ولي العهد السعودي الأمير عبد الله، عرض عليه خلالها فكرة"الانسحاب الكامل مقابل التطبيع الكامل" فما كان من الأمير عبد الله إلا أن أتهم الصحافي ، عن طريق الدعابة، بأن  تلك الفكرة هي فكرته وأن الصحافي حصل عليها عبر سرقة أوراق مكتبه، لأن المملكة العربية السعودية في الطريق إلى القيام بمبادرة من أجل السلام مبنية على أساس "الانسحاب الكامل مقابل التطبيع الكامل". وبعدها ، قامت السعودية بإخطار الأمين العام للأمم المتحدة بأنها ستتقدم بالمبادرة إلى مجلس القمة العربي لنيل موافقة الدول العربية عليها. ، وهذا هو ما حصل ، في الواقع, بعد أسابيع في مؤتمر القمة في بيروت.

وفي الكتاب نقرأ تفاصيل القصة "الحقيقية" وراء  تلك المبادرة. فهي، حسب المؤلف ،  لم تبدأ مع مقال توماس فريدمان في شباط/ فبراير 2002، بل إبتدأت  في عام 1998 ومع الملك حسين . ففي ذلك الوقت أخذ الملك يبدي تضايقه من الجمود  الذي أصاب العملية السلمية بين الفلسطينيين وإسرائيل ، ثم توصل إلى قناعة مفادها إن أسلوب تحقيق السلام بشكل تدريجي على مسارات مختلفة، لم يعد مجدياً، وأنه لابد من انتهاج أسلوب أخر  تشترك فيه الدول العربية في مسار واحد يهدف إلى إنهاء الصراع ،  على أساس "الانسحاب الكامل مقابل التطبيع الكامل" ، وأنه عرض الفكرة على الرئيس حسني مبارك حتى تقوم مصر بتبنيها وإقناع بقية الدول العربية بالموافقة عليها ،  وأن مبارك تحمس للفكرة ووعد بالدعوة لعقد مؤتمر قمة عربية لتبنيها . ولكن ذلك لم يحصل، لأن وزيرة الخارجية الأمريكية وقتها، مادلين أولبرايت ، طلبت من مبارك عدم الدعوة لعقد مؤتمر قمة لأنها رأت أن مثل ذلك المؤتمر سيعمل على إجهاض الجهود الأمريكية من اجل تحقيق السلام. (صفحة 115) ثم مضت أربع سنوات قبل أن يعاد طرح الفكرة من جديد ضمن رسالة أرسلها الملك عبد الله الثاني إلى الرئيس جورج بوش في 8 سبتمبر /  أيلول 2001 حتى يتسنى له مناقشتها في الاجتماع الذي كان مقرراً عقده  بين الرجلين في 20 سبتمبر/ تشرين الثاني 2001  . ولكن ذلك الاجتماع لم يتم بسبب أحداث يوم 11 سبتمبر . ولم يتم أحياء الفكرة من جديد إلا في 28 نوفمبر/ تشرين الثاني لعام 2002 وعلى مائدة إفطار في أحد فنادق واشنطن حيث قام مروان المعشر ، وكان سفيراً للاردن في الولايات المتحدة ، بشرح الفكرة لتوماس فريدمان ، كما جاءت في مقاربة الملك حسين عام 1998، وفي رسالة الملك عبد الله الثاني إلى الرئيس جورج بوش عام 2001، فتحمس فريدمان للفكرة بشدة ، ويبدو أنه قرر في ذلك الصباح أن يطير إلى الرياض ويقوم بسرقتها من مكتب الأمير عبد الله.

وفي الكتاب قصص "حقيقية" وراء "نجاحات " أخرى كثيرة ، من أهمها القصة التي  كانت وراء أطلاق ما أصبح يعرف باسم ارطة الطريق"، إذ نقف على تفاصيل المحاولات المضنية التي قام بها المؤلف، كوزير للخارجية، مع اللجنة الرباعية ( الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، روسيا، الأمم المتحدة) ومع وزارة الخارجية الامريكية، تارةً، ومع البيت الابيض، تارة أخرى ،من أجل التوصل الى اتفاق على "خطة محددة ومفصلة تنفذ ضمن مهلة زمنية محددة لتحقيق السلام" (صفحة 144) .  وكم من مرة ووجهت تلك المحاولات  بعدم الاكتراث او الرفض الصريح حتى نجح اخيراً المؤلف في أن يعرض الموضوع على الرئيس بوش الذي قال له غاضباً "ماذا يريد الفلسطينيون مني؟ أعطيتهم تصوراً، .ما الذي يريدونه بعد؟" (صفحة 168)فقال له "سيدي الرئيس ، يشك معظم الفلسطينيين في إمكان تحقق هذا التصور، جل ما نطلبه هو ترجمة تصوركم بحرفيته إلى خطوات عمليه. لا نطلب أي التزامات إضافية من جانبكم" ( ذات الصفحة) وعندئذ، فكر بوش للحظة،  ثم نظر إلى المعشر وقال "لا مشكلة لديً في هذا" ،  ثم خاطب مساعد وزير الخارجية وليم بيرنز : " لم لا تستبطنان شيئاً ما؟." . وكان ذلك هو الأمر الرئاسي  الذي أطلق مشروع خارطة الطريق. فبعد ذلك الاجتماع عقدت الاجتماعات والمداولات والرحلات المكوكية بين عواصم العالم حتى تم التوصل إلى الصيغة الرسمية لخارطة الطريق التي تبنتها اللجنة الرباعية  وأعلنت السلطة الفلسطينية موافقتها عليها على الفور، بينما وافقت عليها الحكومة الإسرائيلية مع أربعة عشر تحفظاً.

الان، كلنا يعرف أن بعض القراء يعتبرون تلك "النجاحات" أنجازات حقيقية، وأن بعضهم الأخر لا يعتبرها كذلك، ولكن من المؤكد أن جميع القراء سيستغربون  عند قراءة الكتاب من كثرة عدد تلك "النجاحات" . ومن قصر المدة التي يعيشها كل واحد منها  . لماذا  هذه الكثره؟  ولماذا لا يعيش أي واحد من تلك "النجاحات" إلا فترة قصيرة جداً ؟

الواقع أن أهمية كتاب "نهج الاعتدال العربي " هو أنه يقدم أجوبة مقنعة لهذه الاسئلة،  أذ يستطيع أي قارئ للكتاب ، حتى وأن كان غير ملم بتفاصيل العملية السلمية في الشرق الأوسط، أن يكتشف بسرعة ، و من الطريقة التي يصف المؤلف  يها المخاض العسير لولادة أي  واحدة  من تلك "النجاحات" ، أن كل "نجاح"يتحقق، يكون في واقع الآمر بمثابة "مكسب " بالنسبة لبعض اللاعبين في الصراع ،  و"خسارةً" بالنسبة للاعبين اخرين.، وفي خلال أسابيع أو أشهر تتمكن الأطراف الخاسرة من تحطيم مكاسب الإطراف الرابحة، وذلك لسبب بسيط وهو أن كل طرف من أطراف النزاع الثلاثة: العرب، إسرائيل، والولايات المتحدة يضم دوماً رابحين وخاسرين في الوقت ذاته تجاه أي أتفاق يتم بينهم.  وذلك لأنه ليس هناك طرف واحد من هذه الأطراف الثلاثة يملك وجهة نظر واحده تجاه القضايا المحورية للصراع. ففي الولايات المتحدة غالباً ما تكون وجهة نظر وزارة الخارجية على تناقض تام مع وجهة نظر البيت الأبيض، ومع وجهة نظر أعضاء أقوياء في الكونغرس وفي إسرائيل هناك وجهات نظر كثيرة ومتنافرة لعدد كبير من الأحزاب وللمؤسسة العسكرية ومؤسسة المخابرات إضافة إلى قوى المستوطنين.

أما في الطرف العربي، فإضافة إلى الانقسام الحاد بين معسكر "الاعتدال"ومعسكر "الممانعة" ، هناك وجهات نظر متنافرة داخل كل معسكر ، بل داخل كل دولة .

الانقسام في الجانب الامريكي يخص طبيعة النظام الأمريكي. . والانقسام في اسرائيل يخص طبيعة الحركة الصهيونية.  ولذلك فإن ما يهمنا هنا هو الانقسام في الجانب العربي ، ولا نقصد الانقسام بين معسكر "الاعتدال"  ومعسكر "الممانعة"،  ولكن الانقسام داخل كل طرف  من أطراف معسكر الآعتدال .  والمؤلف يعرض بشكل تفصيلي للانقسام الحاصل في الأردن ، حيث يقول بوجود "مدرستين " . المدرسة السياسية التي تؤيد قيام دولة فلسطينية ، وكان يرعاها الملك حسين وهي على صلات جيدة مع حزب العمال في إسرائيل، والمدرسة الأمنية التي تعارض قيام دولة فلسطينية ، وكان يرعاها الأمير الحسن ولها صلات مع حزب الليكود في إسرائيل. وعندما كان المؤلف سفيراً في إسرائيل، كان الملك حسين يطالبه بعدم الاجتماع بزعماء الليكود الذين كانوا في المعارضة تلك الأيام ، بينما كان الأمير الحسن يؤنبه لأنه لا يجتمع بهم وأخيراً عندما أجتمع المؤلف بزعيم الليكود بنيامين نتنياهو بادره الآخير بالقول إن أسرائيل والاردن يلتقيان على مصلحة واحدة وهي عدم قيام دولة فلسطينية ، وعندما عارض المعشر هذا القول وتحدث بمنطق المدرسة السياسية التي تجد أن من مصلحة الأردن قيام دولة فلسطينية قال له نتنياهو:" سعادة السفير، أظنني أفهم الموقف الأردني أفضل منك". (صفحة 72 )  ووجود أكثر من "مدرسة" تجاه مواضيع القضية الفلسطينية بشكل خاص ، ومواضيع الصراع – العربي الإسرائيلي  بشكل عام، قائم  بشكل حاد، وأن كان غير معلن، في ً المملكة العربية السعودية ، كما أنه قائم  بشكل حاد ومعلن في السلطة الوطنية الفلسطينية.

وهكذا يتضح لنا أن أي "نجاح " يتحقق كاتفاق بين الأطراف الرئيسة الثلاثة للصراع يكون في واقع الأمر عبارة عن تأجيج للصراع  بين القوى المختلفة داخل كل طرف من أطراف الصراع .  ومن الطبيعي أن يقود ذلك الصراع إلى أضعاف التزام الأطراف الثلاثة بأي أتفاق. ولهذا نشهد انهيار الاتفاقات واحداً بعد الأخر ، وتحول "النجاحات" إلى فشل بعد فشل .

ولهذا كله فأن  سرعة تحول "النجاح" إلى "فشل"  تتناسب طرداً مع أهمية "النجاح" ، فكلما كان "النجاح" كبيراً ، كان سقوطه يتم بسرعة كبيرة. ومن الأمثلة المهمة على ذلك ، النجاح الذي حققه المؤلف فيما هو وزير للخارجية،  في التوصل مع موظفي البيت الأبيض إلى صياغة رسالة من الرئيس بوش إلى الملك عبد الله الثاني في عام 2004.

كان الرئيس بوش قد التقى برئيس الوزراء الإسرائيلي شارون في 14 إبريل/ نيسان من ذلك العام، وتبادلا رسائل علنية . وكانت رسالة بوش لشارون كارثة من وجهة النظر العربية ، حيث أنها شكلت تراجعاً عن السياسة الأمريكية المعلنة وانحيازًا كاملاً للموقف الإسرائيلي . وقد شعرت الدبلوماسية الأردنية بحرج شديد من تلك الرسالة، فالغي الملك عبد الله الثاني زيارة كانت مقررة لواشنطن ،وقام المعشر، وزير الخارجية، بزيارة واشنطن والاجتماع بموظفي البيت الأبيض لصياغة رسالة يقوم الرئيس بوش بتوجيهها للملك عبد الله تعمل على أيجاد توازن مع رسالته لشارون ، حتى يتمكن الملك من الحضور لواشنطن. وبعد مفاوضات طويلة، وجهود مضنية ، تمكن المعشر من الاتفاق مع المسئولين في البيت الأبيض على صياغة رسالة أعتقد أنها تدحض ما جاء في رسالة بوش لشارون، وقد شعر بالاعتزاز من هذا النجاح الكبير ، وخصوصاً عندما عرض الرسالة على وزير الخارجية الأمريكي كولن باول الذي قال له بصراحة :" ما كانت وزارة الخارجية لتحصل على رسالة بهذه القوة: (صفحة 213).

وقد مهدت تلك الرسالة لزيارة الملك لواشنطن والاجتماع بالرئيس بوش وعقد مؤتمر صحفي في البيت الأبيض، في السادس من أيار/ مايو 2004. وعلى أثر ذلك المؤتمر أتصل  كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات ليهنئ المعشر ويقول له "انه افتخر كثيراً بالملك عند مشاهدته حفل حديقة البيت الأبيض على شاشة التلفزيون" (صفحة 216).

بعد أسابيع قليلة  من ذلك النجاح الكبير ،النجاح الذي حرك ، وفق رواية المعشر ، شعور الاعتزاز عند الدبلوماسية الأردنية، وشعور الفخر عند السلطة الفلسطينية ، وشعور الحسد عند وزارة الخارجية الأمريكية، أستقبل الرئيس بوش الملك عبد الله الثاني وقال له :"  لقد سئمت من المسألة الفلسطينية-الإسرائيلية" (صفحة 217 ).

كان المسئولون الأمريكيون يسأمون في أحيان كثيرة من العملية السلمية في الشرق الأوسط، فيعمدوا الى إيقاف تدخلهم المباشر فيها ،  وكان المسئولون الإسرائيليون يعلنون، بين الحين والأخر، عن خيبة أملهم من العملية السلمية وتوصلهم إلى القناعة بأنه لا يوجد لهم شريك للسلام في الجانب الفلسطيني فيعمدوا الى تعطيل المفاوضات مع السلطة الفلسطينية . ولم يكن يخفى على أي مراقب محايد أن سأم ادارة بوش لم يكن أكثر من الامعان في سياستها الثابته في اطلاق العنان لليمين الاسرائيلي لفرض سياسات الأمر الواقع دون تدخل والتظاهر بأن الامر يعود الى ارادة الطرفين كما أن سأم الحكومة الاسرائيلية ليس الا تعبيرا تضليليا  عن رفضها من الناحية الفعلية التفاوض بصورة جدية مع أي طرف فلسطيني مهما كان معتدلا لأن أقصى ما يمكن أن تقدمه هو أقل بكثير من الحد الأدنى الذي يمكن أن يقيل به الشعب الفلسطيني أو أي شعب أخر يسعى لنيل حريته.

أما رباعية الاعتدال العربي (مصر والسعودية والأردن والسلطة الفلسطينية) فانها لا تصاب بالسأم ولا بخيبة الأمل، وعلى العكس فان حيويتها ونشاطها يزدادان  بعد كل نكسة تحل بالعملية السلمية فيبدأ فرسانها  بالزيارات المكوكية لعواصم العالم ، والاجتماعات التي لا تنتهي حتى يتمكنوا من القضاء على السأم الأمريكي، أو خيبة الأمل الإسرائيلي وتعود العملية السلمية إلى مسارها من جديد.

وبعد أن يأتي الكتاب على تكرر ذلك المشهد شهراً بعد اخر، وسنة بعد سنة ، يصبح من الواضح لإي قارئ جاد للكتاب أن هناك شبهاً كبيراً  بين ظاهرة أصحاب النفوذ في أنظمة بلدان الاعتدال العربي الذين يصرون على التمسك بالعملية السلمية بشكل دائم ومستمر ومطلق.، وبين ظاهرة " أمراء الحرب ".

من المعروف أن ظاهرة "أمراء الحرب" تحدث في الحروب الأهلية بعد انهيار السلطة المركزية للدولة وقيام أشخاص أقوياء، يتمكنون  من السيطرة على مناطق معينة من البلاد وفرض سلطتهم عليها بقوة السلاح، وحينئذ  تنشأ لهؤلاء المتنفذين الآقوياء مصالح أقتصادية وسياسية لا يستطيعون الاحتفاظ بها الإ عن طريق الاستمرار في الحرب ، وفي شكل مشابه فنحن نرى أنه بعد أن أنهار إجماع النظام الرسمي العربي بالنسبة لقضية العرب المركزية، فلسطين، ظهرت فئات عديدة داخل تلك الآنظمة تعمل على حماية مصالحها الاقتصادية والسياسية عن طريق الحصول على التأييد الآمريكي . وهو تأييد لا يستطيع هؤلاء  ضمانه الا عبر الحصول على التأييد الاسرائيلي لهم ، والذي يدفعهم الى الاستمرار بشكل دائم في العملية التي أصبحت تعرف بإسم "العملية السلمية"ويقود هذه الفئات أشخاص يمكن وصفهم بأنهم "أمراء السلام" على أساس أن مصالحهم أصبحت مرتبطة بأستمرار "العملية السلمية" ، تماماً كما أن مصلحة "امراء الحرب " مرتبطة بإستمرار الحرب..

كيف نشأت ظاهرة "أمراء السلام" وكيف أرتبطت مصالح الذين يمثلوها باستمرار "العملية السلمية".؟

(2)

لا يمكن الاجابة على هذا السوال بدون أخذ الفكرة المحورية الثانية في كتاب "نهج الأعتدال العربي" في الأعتبار.

يرى المؤلف أن تكرار مبادرات السلام العربية قد نجحت في أقناع العالم " بطريقة لا يرقى اليها الشك، ان قوى الإعتدال العربي موجودة فعلا " ، وأنها " هي التي أطلقت معظم المبادرات  السياسية في الأعوام الخمسة الماضية -  لا سيما مبادرة السلام العربية وخارطة الطريق  - من أجل الخروج من المأزق ودفع عملية السلام نحو الأمام " ( صفحة 258 ) .

وهو يرى أن أهم ما يهدد قدرة  قوى الأعتدال العربي على الإستمرار في نهج الإعتدال هو أن تلك القوى كرست نهج الاعتدال في عملية السلام ولم تكرسه في " مشاغل أخرى مثل الحاكمية الرشيدة والرفاه الاقتصادي والمشاركة في صنع القرارات" (ذات الصفحة ) .

وهذا هو المحور الثاني للكتاب الذي ينتقد فيه المؤلف حكومات الاعتدال العربي في أنها لم تعمم سياسة الاعتدال التي أتبعتها في العملية السلمية على أوضاعها الداخلية، وهو يقول:

"التعايش والتنوع والاعتدال، قيم لا تنطبق على عملية السلام فقط، بل بجب أن تمارس أيضاً داخل المجتمعات العربية. فالحكومات العربية لا تستطيع أن تطلب من العرب الموافقة على إقامة علاقات مع إسرائيل، الدولة العدوة منذ ستة عقود ، بينما تأبى القبول بالأحزاب المعارضة في بلدانها، فهذا يفقدها الصدقية في عيون شعوبها"(صفحة 260 ).

والمعنى الواضح لهذا الكلام هو إعتقاد مؤلف كتاب "نهج الإعتدال العربي" أن أنظمة الإعتدال العربي قد نجحت في سياستها "الخارجية" وفشلت في سياستها "الداخلية". وهو قول غريب جداً إذ أنه يتناقض مع طبائع الأمور ومع أبسط مفاهيم المنطق السياسي ، كما أنه يتناقض بشكل كامل مع السجل التاريخي للعلاقة بين "السباسةالخارجبة" و "السياسة الداخلية" لأنظمة" الاعتدال العربي".

يبدو غريباً جداً أن يكون هناك من يعتقد أن الدول تختار "سياستها الخارجية" بشكل مستقل عن "سياستها الداخليه" . فطبائع الاشياء تفرض أن تكون السياسة الخارجية تعبيراً عن متطلبات السياسة الداخلية. فالدولة، في أي بلد، تعمل على حماية مصالح معينة( قد تكون المصالح الوطنية ، وقد تكون مصالح طبقة معينة أو فئة معينة)،  وهي تختار السياسات التي تعتقد أنها تضمن حماية تلك المصالح ، وفتقوم بتطبيق بعض تلك السياسات في الداخل، والبعض الآخر في الخارج . وهناك مقولة من القرن التاسع عشر, لا يكل الاستاذ محمد حسنين هيكل من ترديدها في أحاديثه الاسبوعية على شاشة الجزيرة، تقول : " ليست هناك سياسة خارجية لإي بلد، ولكن هناك سياسة داخلية تفرض اسلوب التصرف الخارجي للبلد. "

وفي منتصف القرن العشرين أكتسبت مقولة " كل السياسة هي سياسة محلية"،( All politics is local) لرئيس مجلس النواب الامريكي المشهور توماس أونيل (1912 – 1994 ) شهرة طاغية في الاوساط الامريكية ، إذ أنها أعادت  صياغة مقولة القرن التاسع عشر بلغة السياسة الامريكية.

وهي مقولة تؤكد حقيقة أن ما تتخذه حكومة أي بلد في العالم من مواقف،  تجاه بلدان العالم الاخرى ، ما هو في الواقع الإ امتداداً للمواقف التي اتخذتها تلك الحكومة تجاه أوضاع بلدها الداخلية ، أي أن الممارسات الخارجية لإي دولة تأتي دوماً تعبيراً عن الممارسات الداخلية في تلك الدولة. ولذلك فالقول بإن دول "الاعتدال العربي" نجحت في "أختيار" سياستها الخارجية وفشلت في أختيار سياستها الداخلية ، هو قول لا معنى له من الناحية المنطقية.

ومن ناحية تاريخية، فالعلاقة بين نشوء ما يدعوه المؤلف بنهج "الاعتدال العربي" وتطوره وبين تطورات الاوضاع الداخلية لبلدان دول الاعتدال  علاقة واضحة لا التباس فيها.

لنأخذ  مصر ، وسنرى أن تطور سياسة "الاعتدال" فيها تجاه الصراع العربي-الاسرائيلي كان تعبيرأ عن تطور الاوضاع الداخلية لمصر . ومن الممكن المرور السريع على ثلاثة مراحل مميزة في ذلك التطور.

المرحلة الاولى تخص العهد الملكي ،حيث كان عنوان المشهد السياسي هو النضال لتحقيق الاستقلال من الاستعمار البريطاني ، وحيث كان هناك ملك ، وحزب أغلبية (الوفد) وأحزاب أقلية (السعديين والاحرار الدستوريين)، واحزاب عقائدية ( الاخوان والشيوعيين).  ومن المعروف أن الحكومة عام 1948 كانت بيد الاحزاب الاقلية (حكومة النقراشي) وان تلك الحكومة رأت أن من مصلحة مصر عدم خوض الحرب في فلسطين ولكن هذه الحكومة أضطرت الى دخول تلك الحرب تحت ضغط الرأي العام الذي كان يرى أن المعركة ضد الاستعمار والمشروع الصهيوني هي معركة واحدة . أي أن السياسة الداخلية المتمحورة حول قضية التحرر الوطني فرضت السياسة الخارجية في دخول الحرب.

المرحلة الثانية كانت مرحلة ثورة 23 يوليو، ومن المعروف أن النهج الذي إختطته الثورة في سنواتها الاولى كان نهج العمل على تحقيق جلاء القوات البريطانية وتكريس سياسة التحرر وعدم الانحياز، وتحقيق التنمية الوطنية بشكل يعيد توزيع الدخل القومي لصالح الاغلبية الفقيرة. ولم يكن في أولويات الثورة ، في تلك السنوات ،أي مكان للصراع العسكري مع اسرائيل .  والذي حدث أن الدول الاستعمارية واسرائيل عارضت  مشروع التحرر والتنمية المستقلة في مصر وشنت عليها حرب 1956، وهكذا كان أختيار الثورة لسياسة داخلية تعتمد على التنمية المستقلة هو الذي عكس نفسه في سياسة خارجية كرست الصدام مع اسرائيل.

المرحلة الثالثة كانت مرحلة الارتداد على سياسة التنمية المستقلة ، وتكريس نهج التبعية للراسمال العالمي،التي قادها أنور السادات،ولقد  كان من المستحيل المضي في تلك السياسة بدون تكريس التبعية للسياسة الامريكية التي تتطلب أول ما تتطلب الصلح مع إسرائيل. وهكذا نرى أن سياسة الصلح مع إسرائيل ، كانت كسياسة الصدام مع إسرائيل، تعبيراً عن متطلبات السياسة الداخلية في مصر.ا

ولنأخذ السعودية، ثانياً، وسنرى أن علاقتها بالصراع العربي- الاسرائيلي قد مرت  بأربعة مراحل ، وان تلك المراحل كانت تعبيراً أميناً على تطور الاوضاع الداخلية في المملكة في العقود الماضية.

المرحلة الاولى تخص الاربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، عندما كانت الاوضاع الداخلية في المملكة توصف بالهادئة والامنة والمستقرة وذلك بفضل الثروة الهائلة التي بدأت تنهال على المملكة من عائدات النفط من ناحية ، وبفضل نظام القرون الوسطى الذي كرسته العائلة السعودية ، وهو نظام وصفه الروائي عبد الرحمن منيف، الذي نزعت عنه الحكومة السعودية الجنسية ، بقوله "...نحن نعيش في نظام لا يمنع فقط حرية المعارضة، انه يمنع أيضاً حرية التأييد" وفي تلك المرحلة لم تكن الاسرة المالكة تشعر بأي تهديد لشرعيتها ولذلك كانت تأخذ موقفاً متشدداً في مجال الصراع العربي – الاسرائيلي وإن كان في عمومه موقفاً لفظياً

المرحلة الثانية كانت المرحلة الضبابية التي أتخدت فيها الاسرة السعودية مواقف متناقضة من الصراع العربي –الاسرائيلي.  بدأت تلك المرحلة عندما بدأت الاسرة السعودية تشعر برياح التغيير تهب في المنطقة بعد قيام ثورة اليمن عام 1962 ولم يعد بأمكانها البقاء خارج حلبة الصراع العربي – الاسرائيلي كما كانت في المرحلة السابقه، على أساس أن سياستها المبنية على أساس الابقاء على أوضاعها الداخلية بدون تغيير ومحاربة رياح التغيير في المنطقة فرضت عليها أن تكون مع اسرائيل في معسكر واحد أثناء حرب اليمن ، وخلال سنتين كان سلاح الجو الاسرائيلي يطبر فوق السواحل الشرقية للملكة ليلقي بالمساعدات لحلفاء السعودية من القوات الملكية اليمنية.[2]

ولكن متطلبات الحفاظ على الاوضاع الداخلية للملكة بدون تغيير تبدلت في بداية السبعينات حين ظهر التعاطف الشعبي العربي الهائل مع المقاومة الفلسطينية ثم الاجماع العربي الهائل على الوقوف مع سوريا ومصر في حرب عام 1973 ، وقد قاد هذا الاسرة السعودية الى أتخاذ موقف معادي للمعسكر الامريكي-الاسرائيلي وتبني سياسة قطع امدادات النفط عن الولايات المتحدة الامريكية.[3]

المرحلة الثالثة التي اتصفت باتخاذ الاسرة السعودية دوراً نشيطاً في الصراع العربي _الاسرائيلي، وقد تجلى ذلك النشاط  في مبادرة الملك فهد للسلام التي طرحتها المملكة على القمة العربية المنعقدة في فاس عام 1982. فلقد جاءت تلك المبادرة تعبيراً عن ظهور تحديات كبيرة لشرعية العائلة السعودية، إذ شهدت سنوات اخر السبعينات ظهور تصدع في التحالف الذي قامت على اساسة المملكة عام 1932 بين العائلة السعودية  والمؤسسة الوهابيه وتجلى هذا الصدع في حادث إحتلال الحرم الشريف في مكة في نوفمبر / تشرين الثاني  عام 1979 الذي انتهى بمقتل العشرات ثم باعدام قائد المتمردين جهيمان بن محمد بن سيف العتيبي مع العشرات من أتباعه.

وفي الوقت ذاته ظهر التحدي الذي مثلته الثورة الاسلامية في إيران وظهور الحركات الاسلامية المعادية للولايات المتحده . وقد كان من تداعيات تلك التحديات تعاظم قوة اتجاه جديد في الاسرة السعودية يقوده الامير بندر بن سلطان ( وهو من ظل سفير المملكة في واشنطن لحوالي عشرين سنة) وكان يرى ان التصدي للتحديات التي تواجهها الاسرة السعودية لا يتم الا عبر تطوير العلاقة السعودية- الامريكية الى تحالف استراتيجي كامل في كل الشؤون السياسية والعسكرية والامنية والاقتصادية ، وأن مثل هذا التحالف لا يتحقق الإ اذا أظهرت السعودية مرونة في موضوع الصراع العربي – الاسرائيلي. وفي تلك الفترة بدأت المملكة العربية السعودية،باشراف بندر، بتوظيف شركات "العلاقات العامة" الامريكية للمساهمة في  رسم سياسات المملكة،  ومن المعروف أن بندر لعب دوراً هاماً في أقناع الملك فهد بتقديم مبادرة السلام في مؤتمر القمة العربي في فاس.

المرحلة الرابعة ، التي إبتدأت بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول  لعام 2001 في الولايات المتحدة ، وفيها أخذت الحكومة السعودية في لعب دور قيادي في تبني العملية السلمية وفق الاملاءات الاميركية ، ففي هذه المرحلة تعرضت الاسرة السعودية لإخطر تحد واجهتة منذ تأسيس المملكة . وجاء هذا التحدي من ثلاثة مصادر.

الاول من الكونغرس الامريكي ، الذي رأى أن الحكم السعودي المتزمت  أوجد تربة خصبة لولادة الحركات الاصولية الارهابيه فأخذ يطالب الاسرة السعودية  بالقيام باصلاحات سياسية تفسح المجال امام الامراء الشباب الذين تلقوا تعليمهم في الجامعات الامريكية لتسلم مهام قيادية في الحكومة. وكان ذلك يثير قلق الكثيرين من أفراد الاسرة السعودية الاخرين.

أما المصدر الثاني فجاء من الحركات الاصولية التي أخذت تقوم  بعمليات ارهابية داخل المملكة، وكان المصدر الثالث للتحدي هو نمو ظاهرة المعارضة لنظام الاستبداد السعودي من أعداد متنامية من المثقفين ونخب الطبقة الوسطى. ولقد أشارت  شركات العلاقات العامة الآمريكية على الامير (ثم الملك) عبد اللة بإن أفضل طريق لمواجهة هذه التحديات هي ضمان التأييد الامريكي بشكل مطلق ، وأن أقصر الطرق لضمان ذلك التأييد هو في التقرب من اسرائيل. وفي هذا السياق قام الأمير ثم الملك بتقديم المبادرة السعودية للسلام مع اسرائيل وفق مبدأ الانسحاب الكامل مقابل التطبيع الكامل ، كما أخذ يتخذ مواقف معادية لنهج المقاومة في فلسطين ولبنان ويقود ما أصبح يعرف بنهج "الاعتدال العربي" .

يتضح من هذه المراجعة التاريخية السريعة أن السياسة الخارجية لمصر والسياسة الخارجية للسعودية ، تجاه قضايا الصراع العربي – الاسرائيلي تطورتا في نحو شكَل تعبيراً  صادقاً عن تطور أزمة الشرعية في نظام حكم البلدين ، وفي هذا السياق يتضح أن مقولة المؤلف في أن نهج "الاعتدال العربي" كان في الواقع نهجاً اردنياً هي مقولة صحيحة على أساس أن الافتقاد الى الشرعية الذي أخّذ النظام المصري يعاني منه منذ نهاية السبعينات، وبدأ النظام السعودي يعاني منه منذ أواخر الثمانينات ، كان النظام الاردني يعاني منه قبل ذلك بعقود، بل أن النظام الأردني عانى من الافتقاد للشرعية منذ ولادة الدولة الأردنية في سنة 1921. إذ أنه من المعروف أن الذي أسس الكيان الأردني كان الاستعمار البريطاني ولاسباب مرتبطة بشكل عضوي بمتطلبات الرعاية البريطانية للمشروع الصهيوني ، ومن هنا نفهم طبيعة التناقض الذي عاشه المؤلف، فالمعشر ، عندما أصبح نائباً لرئيس الوزراء مسؤولاًًً عن قضايا الاصلاح ، حاول بجهد وصدق أن يغير من "السياسة الداخلية" في الأردن حتى تتلائم مع سياسة الاعتدال الخارجية ، وهو غير واع لحقيقة أن سياسة "الإعتدال"الخارجية التي يتحمس لها ، كانت في الواقع تعبيراً عن سياسة "الاستبداد" التي يمقتها ويعمل على تغييرها. فالحقيقة الصارخة في العالم العربي أن "لاستبداد" في الداخل و"الاعتدال"  في الخارج ما هما الا وجهين لعملة واحدة لها اسم واحد وهو "غياب الشرعية".

الافتقاد للشرعية هو ما يفسر أصرار "امراء السلام" على التمسك بالإستمرار في العملية السلمية بشكل دائم ، ومطلق ، على أساس انها المصدر الوحيد الذي يمنحهم "شرعيةأمريكية" يعتقدون أنها كافية لتعويضهم عن "الشرعية الوطنية" التي ليس بامكانهم الحصول عليها.

البحث الدائم والمحموم عن الشرعية في الخارج ، يتصف بالسلوك العصبي  والعبثي أحياناً ، وهو السلوك الذي نشاهده يومياً في تصرفات "امراء السلام" في هرولتهم الدائمة من لقاء الى اخر، ومن مؤتمر الى اخر، ومن مبادرة سلام الى أخرى ، فالمهم بالنسبة لهؤلاء  ليس ما يحدث في اللقاء أو المؤتمر أو المبادرة ولكن مجرد حدوث اللقاء وانعقاد المؤتمر وظهور المبادرة ، على أساس أن في ذلك ضماناً لإستمرار التأييد الأمريكي لهم.

وفي هذا السياق يبدو نهج "أمراء السلام" ، كنهج شخص يعيش في بلد ما على أساس تأشيرة إقامة مؤقتة. ولذلك فإن من المفروض عليه كلما انتهت صلاحية التأشيرة أن يكرس كل جهده  للحصول على تمديد لها.لفترة أخرى.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: ما هو اسم البلد الذي يعيش فيه "أمراء السلام" العرب بتأشيرة أقامة مؤقته

(3)

من الواضح أن أسم تلك البلد هو "ميونيخ" ، بالمعنى السياسي الاصطلاحي للكلمة وليس المعنى الجغرافي.

من المعروف أن مدينة "ميونخ " الألمانية قد اكتسبت ، منذ أندلاع الحرب العالمية الثانية في سبتمبر /أيلول 1939  مضموناً سياسياً دخل في قاموس الاصطلاحات السياسية ، فعندما يوصف أي "إتفاق سياسي" على أنه "ميونخ جديدة" فذلك يعني أن الايام ستثبت بسرعة أن الطرف القوي في الإتفاق قد غرر بالطرف الضعيف ، وأن النتيجة الحتمية للاتفاق ستكون إستمرارالطرف القوي في الممارسات التي  وعد في الاتفاق ان يتوقف عنها .

ويعود هذا المضمون السياسي لإسم مدينة ميونخ إلى الاتفاق الذي تم توقيعه في نهاية المؤتمر الذي انعقد  في المدينة في 30 سبتمبر/ أيلول عام 1938، وضم أدولف هتلر عن المانيا، وبنيتو موسليني عن ايطاليا ، وادوارد دالادييه عن فرنسا ، ونيفيل تشمبرلين عن بريطانيا.

ونص هذا الإتفاق على تقسيم دولة تشيكوسلوفاكيا (التي لم تدع الى حضور المؤتمر) حيث تضم المانيا منطقة السوديت ، ويتم إجراء استفتاء شعبي لتقرير مصير بقية المناطق. وبذلك وافقت بريطانيا وفرنسا على تمزيق تشيكوسلوفاكيا واعطاء هتلر كل ماكان يطالب به، مع أن فرنسا كانت مرتبطة بمعاهدة دفاع مشترك مع تشيكوسلوفاكيا.

 وعندما عاد رئيس الوزراء البريطاني تشيمبرلين الى مقره في 10 داونينغ ستريت في لندن خاطب الجماهير التي أتت لتحيته :" أيها الاصدقاء الكرام، للمرةً الثانية في تاريخنا نعود من المانيا الى داوننغ ستريت بالسلام مع الشرف، أن عصرنا هو عصر السلام [4]"

ولقد وصفت جريدة التايم اللندنية يومها عودة تشيمبرلين بالقول: " .. لم يحدث أن عاد فاتح من ميدان القتال بإكليل غار أنبل من الإكليل الذي عاد به  تشيمبرلين من ميونخ " . 

ومن المعروف أن ذلك الاكليل قد تمرغ في الوحل بعد شهور قليلة من ذلك عندما تبين أن تشيمبرلين عاد من ميونخ بدون سلام وبدون شرف .  فهتلر لم يتوقف عند احتلال منطقة السوديت ، كما نص أتفاق ميونخ، بل أنه قام في 15 مارس / اذار 1939 باحتلال كل تشيكوسلوفاكيا (اي بعد ستة أشهر من مؤتمر ميونخ) وبعد أن انتهى هتلر من ذلك ، قام في 1 سبتمبر/ أيلول 1939 بالهجوم على بولندا.  وعندها وجدت بريطانيا وفرنسا أنهما مضطرتان لإعلان الحرب على المانيا فبدأت الحرب العالمية الثانية .

ومنذ ذلك الوقت أخذ أصطلاح "ميونخ " السياسي يتضمن ثلاثة نقاط . الاولى تخص التصرفات السياسية الناجمة عن خداع النفس . فلم يكن هناك أي مبرر لتشمبرلين ودالادييه في الاعتقاد بان هتلر سوف  يلتزم بالاتفاق الذي وقعه في ميونيخ ، أو الاعتقاد بان هتلر قادر على أن يعيش بسلام مع جيرانه. فدالادييه نفسه قال قبل المؤتمر: " إن هدف هتلر الحقيقي هو السيطرة على كل القارة الاوروبية، اليوم تشوكوسلوفاكيا، وغداً بولندا ورومانيا، وعندما يحصل على الزيت والقمح الذي يريده من الشرق سيتوجه نحو الغرب" .

وقد علق وزير خارجية تشوكوسلوفاكيا على اتفاقية ميونخ يوم توقيعها بقوله " لقد ضحت بريطانيا وفرنسا بتشكوسلوفاكيا من أجل السلام ، ولكنهم لن يحصلوا إلا على الحرب" .

والنقطة الثانية هي ان خداع السياسيين الفرنسيين والبريطانيين أنفسهم لم يكن قضية شخصية تخص أصحابها ولكنها كانت تعبيراً عن المناخ العام الذي يعيش فيه البلدان ويتسم بالضعف العام وعدم وجود رؤية قومية واضحة ومحددة في كلا البلدين، فانهيار حكم تحالف الاحزاب اليسارية (الجبهة الشعبية) في فرنسا عام 1938 وبعد أقل من ثلاثة سنوات على قيامه [5] كان دليلاُ على ضعف القوى الديمقراطية وتعاظم قوة الاحزاب الفاشية . وكذلك فالوضع في بريطانيا لم يكن أفضل من ذلك ، حيث كان في صفوف حزب المحافظين من له ميول فاشية واضحة ويرى ضرورة التفاهم مع هتلر وتشكيل تحالف ضد الشيوعية.

أما النقطة الثالثة وهي الأهم ، فهي أن "ميونيخ" أثبتت أنه من المستحيل التعايش السلمي مع حركات التاريخ السوداء ( الفاشية والنازية) حيث أن السلام مع تلك الحركات لا يؤدي الإ الى تشجيعها على العدوان.

ومن الواضح أن هذه النقاط الثلاث تنطبق ، بشكل كامل ، على ما أصبح يعرف بإسم "العملية السلمية في الشرق الآوسط" . فعندما أقدم أنور السادات على انتهاج سياسة الصلح مع أسرائيل  وقفت كل مؤسسة وزارة الخارجية المصرية ضده ، فاستقال وزير الخارجية اسماعيل فهمي أحتجاجاً على زيارة السادات للقدس، وبعد ذلك استقال  وير الخارجية ، محمد أبراهيم كامل ، احتجاجاً على توقيع معاهدة الصلح. والذي يقرأ ما كتبه الرجلان من مذكرات [6] يرى بوضوح أنهما أعتبرا عملية الصلح مع إسرائيل ،على أنها بالشكل الذي تمت به، عملية  خداع للنفس .

وكذلك كان الحال مع ياسر عرفات عندما أقدم على توقيع أتفاقيو أوسلو التي أعترف فيها بحق اسرائيل بالوجود دون أن تعترف الآخيرة في حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.

ويكفي قراءة ما كتبه أدوارد سعيد عن ذلك الاتفاق لمعرفة مدى عملية خداع النفس التي مارستها قيادة منظمة التحرير عندما أقدمت على توقيع تلك الاتفاقية[7].

ومن الواضح أيضاً ان عملية الخداع التي مارسها السادات ثم مارسها عرفات كانت تعبيراً عن ضعف الوضع السياسي لكلا الرجلين . فليس صدفة أن الاول قام بزيارة القدس(15 تشرين الثاني/نوفمبر 1977) بعد أشهر من أنتفاضة الخبز في 18 و 19 كانون الثاني /يناير لعام 1977 التي أكدت أن الغالبية العظمى من الشرائح الشعبية للمجتمع المصري تعارض توجهات سياسة السادات الاقتصادية .وهي السياسة المبنية على اساس التبعية وتحطيم مرتكزات التنمية المستقلة .

كما أنه ليس من الصدفة أن الملك فهد قام بأول تبني لمبادرة من أجل السلام مع اسرائيل بعد الهزة السياسية التي حدثت في المملكة بعد أحداث الحرم الشريف في مكة.

وليس صدفة أن ياسر عرفات شرع في فتح قناة أوسلو للتفاوض السري  مع اسرائيل بعد أن ظهرت قيادات فلسطينية جديدة في الضفة والقطاع (حيدر عبد الشافي وفيصل الحسيني وحنان عشراوي) التي خشي أن تنافسه على تصدر القيادة. كما أخذت قطاعات كبيرة من الفلسطينين في الضفة والقطاع تلتف حول حركة المقاومة الاسلامية ( حماس) التي أنطلقت عام 1987.

ولكن الآهم من كل ذلك هو أن العملية السلمية برهنت ، بشكل قاطع، على أن شهية الحركة الصهيونية للعدوان والتوسع تزداد مع ازدياد عمليات التصالح معها، تماماً كما برهنت "ميونيخ" على أن  شهية النازية للعدوان والتوسع تزداد مع ازدياد التفاهم معها.

إذا أخذنا النشاط الاستيطاني في بناء المستعمرات اليهودية على الاراضي الفلسطينية كمؤشر على التوسع الصهيوني ، فاننا نلاحظ أنه ما بين حرب 1967 وزيارة السادات لإسرائيل (1977)، كانت عمليات الاستيطان في الضفة الغربية تتم ببطء وتتمحور بشكل رئيسي حول الاستيطان لإهداف أمنية وعسكرية ودينية .

وفي تلك السنوات بلغ متوسط عدد الزيادة في عدد المستوطنين اليهود السنوي أقل من أربعة الاف في السنة ، وبعد زيارة السادات لاسرائيل، حصل تطور تاريخي إذ أخذ النشاط الاستيطاني يخرج من الاطار الديني والامني ويتحول الى استيطان مدني يشمل شرائح مختلفة من المجتمع، كما بدأت الدولة تشرف على وضعه الاداري والخدماتي وبناء بنيتة التحتية ، وفي السنوات التي أمتدت ما بين زيارة السادات للقدس وبين توقيع اتفاق اوسلو (1993) بلغ متوسط الزيادة السنوي في عدد المستوطنين ما يزيد عن 14 الف مستوطن، أي أن فترة السلام مع مصر شهدت إزدياداً في المتوسط السنوي للاستيطان بأكثر من  ثلاثة أضعاف المتوسط السنوي لفترة الحرب. كذلك حصلت نقلة نوعية أخرى في النشاط الاستيطاني بعد توقيع اتفاقية أوسلو،  ففي خلال ستة أعوام من توقيع الاتفاقية تضاعف عدد المستوطنين.اليهود في الضفة الغربية

أما من ناحية شهية العدوان الاسرائيلي في ارتكاب المجازر فيكفي أن نتذكر أن مجازر صبرا وشاتيلا، وقانا والحرم الابراهيمي وجنين وخان يونس وغزة كلها مجازر حدثت في عهد العملية السلمية.

وهكذا نجد أنه كما فهم هتلر اتفاقية "ميونخ" على أنها ضوء أخضر لممارسة التوسع في اوروبا، فأن أسرائيل فهمت  من توقيع إتفاقية السلام المصرية –الاسرائيلية ثم من توقيع اتفاقية أوسلو على أنهما أضواء خضراء لممارسة التوسع الصهيوني في الاراضي الفلسطينية .

بهذا المعنى يكون العرب المتمسكون بخيار السلام الاستراتيجي مع اسرائيل قد أستوطنوا في "ميونخ" منذ عام 1977 وحتى يومنا الحاضر. وهو استيطان يستدعي الحصول على تأشيرة تجديد أقامة بين الفترة والأخرى. فكلما ٌأقدمت أسرائيل على عملية توسع إستيطاني جديد، أو قامت بتنفيذ عدوان جديد، أو إرتكاب مجزرة جديدة، كلما شعرت حكومات الأعتدال العربي بزيادة عزلتها عن شعوبها وتآكل شرعيتها ووحدت نفسها مضطرة لتقديم تنازل جديد لاسرائيل يضمن لها إستمرار "الشرعية الآمريكية" لمدة أطول.

وهناك شبه أخر بين "ميونخ" و"العملية السلمية" ففي الايام التي تلت التوقيع على أتفاقية ميونخ كانت الجرائد الانكليزية تصف ما حدث على أنه Appeasement  أي "استرضاء" ولم يكن لهذه الكلمة أي مضمون سئ ، إذ كان معناها قريباً من معنى كلمة Compromise أي مساومة، ولكن بعد أن أتضح أن ما حصل في ميونيخ كان عبارة عن استسلام للعدوان ، أصبح لتلك الكلمة مضمون سئ إذ أصبحت تعني الاسترضاء على حساب المبادئ ,وهو تماماً ما حصل مع كلمة "إعتداال" في اللغة العربية. فقبل العملية السلمية ، كان لتلك الكلمة مضمونً جيدً يعني عدم التطرف ، ولكن ذلك المضمون إختفى في السنوات الماضية إذ أخذت الكلمة ترمز للتبعية والاستسلام .

وعندما نلاحظ أن بريطانيا وفرنسا لم يستوطنا في "ميونخ الا سنة واحدة ( من سبتمبر 1938 الى سبتمبر 1939) بينما مضى على إستيطان حكومات الاعتدال العربي في نفس المدينة ما يزيد عن ثلاثين سنة، فاننا ندرك حجم المأساة العربية.

 (4)

أتضح مما سبق أن "العملية السلمية" في الصراع العربي – الاسرائيلي ، ما هي في واقع الامر الا عملية تقوم بها الانظمة العربية للحصول على شرعية دولية تعوضها عن الشرعية الوطنية المفقودة. كما أتضح أن نهج "الاعتدال العربي" ما هو في واقع الآمر الا "السياسة الخارجية" التي تحمي وتدعم  سياسة الاستبداد الداخلية .

وهذه حقائق معروفة للجميع ، فلو وقفت على ناصية أي شارع في أي مدينة عربية ،  وسألت المارة عن " العملية السلمية" أو عن " نهج الاعتدال العربي" فان الغالبية العظمى من الاجابات ستأتي معبرة عن أرتباط "الاعتدال" و "الاستبداد" ببعضهما البعض.

أما الذين يعملون كمستشارين عند "امراء السلام" في العالم العربي فهم الوحيدون الذين لهم أراء مختلفة. ومن الطبيعي أن تكون لهم أراء مختلفة عن غالبية الناس ما داموا يخدمون أمراء لهم مصالح مختلفة عن مصالح غالبية الناس . واذا حصل ، وتوقف بعض هؤلاء المستشارين ليحاول أن يتعرف على أراء الناس ، فأنه يخسر وظيفته ويصبح بلا عمل، أو يحصل ، بحكم علاقاته الدولية السابقة، على وظيفة في أحد الموسسات الدولية. والواقع أن الأمرين كليهما حصلا مع المؤلف الذي حاول بأخلاص ان يعمل من أجل قضية الديمقراطية ومن أجل قضية الاصلاح والحكم الرشيد فوجد نفسه خارج الاردن وقد حظي بعمل في البنك الدولي.

وهناك كلمة أخيرة تتعلق بثقافة مستشاري "امراء السلام". فكما قلنا إن معظمهم تلقى التعليم العالي في جامعات الولايات المتحدة الامريكية، ومن المعروف أن هناك ثلاثة أنواع من الطلبة العرب الذين درسوا في تلك الجامعات في سنوات الستينات والسبعينات والثمانينات.

النوع الاول هو الذي عاد الى وطنه وقد تقمص النهج الامريكي في الفكر والسلوك بشكل كامل، والنوع الثاني الذي عاد رافضاً لكل لذلك النهج بشكل مطلق. والنوع الثالث الذي عاد بوجهة نظر نقدية تتماهى مع ما تمثله اسهام التجربة الامريكية بالحضارة الانسانية، وتعادي النهج الامريكي الذي يعبر عن ايديولوجية الامبراطورية الامبريالية.

في الوقت الحاضر. ومن الواضح أن معظم مستشاري "أمراء السلام" ينتمون الى النوع الأول. وهم لذلك يتكلمون وفق رؤية الامبراطورية الامريكية للعالم ، وعلى سبيل المثال،  فمروان المعشر يتقمص المقاربة الامريكية للصراع العربي-الاسرائيلي بشكل كامل ، أي أنه صراع بين فريقين ويحتاج الى "عقلاء" من الطرفين لإنهائه ، وهو لا يتوقف لحظة واحدة ليحدد ما هي طبيعة الطرف الذي يعتقد أن التوصل الى السلام معه عملية مقدسة.، فأسرائيل كما هو معروف دولة تستمد شرعيتها، بنظر الغالبية اليهودية فيها من الايديولوجية الصهيونية، فما هي هذه "الصهيونية" برأي مروان المعشر؟ هل هي حركة تحرر وطني؟ هل هي حركة إستيطان أستعماري؟ هل هي حركة أنسانية متسامحة؟ هل هي حركة تمييز تمارس يومياً عمليات التطهير العنصري ؟

كيف يمكن أن يدعو المؤلف القارئ الى العمل على تحقيق السلام مع حركة سياسية بدون ان يقول له ماهي طبيعة وماهية وبنية تلك الحركة؟

وهناك  مثل اخر لتبني المؤلف لوجهة نظر الامبراطورية الامريكية. .فالمؤلف يصف العمليات الفلسطينية الإستشهادية بإنها عمليات إرهابية. وليس في ذلك مشكلة، فكثير من أصحاب النوايا الحسنه يشاركونه  في ذلك الرأي. 

ولكن مشكلة الكتاب الحقيقية هي أن مؤلفه غير مدرك ، وغير واع ، وغير ملم لحقيقة أنه مارس في كتابه، أكثر من مرة ، نوعاً اخر من الآرهاب الذي هو " إرهاب اللغة "

فعلى سبيل المثال، مرةً بعد أخرى ، يقول في معرض حديثه عن المبادرة السعودية للسلام ، أنه كان يعارض بشده منتقدي المبادرة الذين كانوا يصرون على تضمينها حق عودة اللاجئين الفلسطينين ، لإنه يعتقد أن ذلك من التفاصيل التي تضعف من قوة المبادرة.

هل حق تقرير المصير لملايين من البشر ، هو مجرد تفاصيل؟؟؟

وهناك أمثلة أخرى.


[1] مروان المعشر ، نهج الأعتدال العربي: مذكرات سياسية 1991-2005, بيروت دار النهار، 2008

[2] أعلنت الحكومة السعودية أكثر من مرة أنها لم تكن على علم بذلك ‘ على أساس أن شركة بريطانية قامت، بتمويل سعودي،  بالاتفاق مع الحكومة الاسرائيلية على القيام بعمليات سلاح الجو الاسرائيلي.، وليس مهماًإذا كان ذلك النفي صحيحاً أو كاذباً فالمهم في الموضوع هو أن مصلحة الاسرة السعودية ومصلحة اسرائيل كانتا في جانب واحد أثناء حرب اليمن.

[3] هناك من يعتقد أن ذلك الموقف الذي قاده الملك فيصل كان وراء اغتياله ، ولكن ليس هناك إثبات على ذلك.

[4] كانت المرة الاولى عندما عاد رئيس الوزراء البريطاني بنيامين دزرائيلي (1804- 1981) من مؤتمر برلين لعام 1878 بمعاهدة السلام.

[5] كان إئتلاف الجبهة الشعبية في فرنسا يضم تحالف الاحزاب اليسارية في ذلك الوقت. الحزب الشيوعي والحزب الاشتراكي والحزب الاشتراكي الجمهوري والحزب الراديكالي, وقد تألفت حكومة الجبهة في حزيران 1936 بون أن يشترك فيها الحزب الشيوعي وتعاقب على رئاستها ثلاثة رؤساء وانحلت في خريف عام 1938 عندما شب الخلاف بين أحزابها حول الحرب الاهلية في اسبانيا.

[6] "التفاوض من أجل السلام في الشرق الاوسط: رؤية عربية" كتاب اسماعيل فهمي و"السلام الضائع في كامب ديفد" هو كتاب  محمد أبراهيم كامل

[7] انظر كتاب إدوارد سعيد "غزة- اريحا: سلام أمريكي"(1994)

مواضيع ممكن أن تعجبك