اسرائيل المعاصرة في القرآن الكريم

تاريخ النشر: 13 يونيو 2022 - 02:38 GMT
على ارض فلسطين تقوم الآن دولة اسرائيل الثانية
على ارض فلسطين تقوم الآن دولة اسرائيل الثانية

علي راضي أبو زريق

على ارض فلسطين تقوم الآن دولة اسرائيل الثانية كما قامت الاولى. ويشهد الاقصى قيامها  كما سيشهد زوالها كما تعد سورة الاسراء. وسر هذا اليقين حول مكان دولتي اسرائيل ايمان بدقة القرآن الكريم في عرض موضوعه.
تبدأ السورة،  بآية الاسراء وبذكر المسجد الاقصى (سبحان الذي اسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا انه هو السميع البصير).
فموضوع الحديث في السورة ومنذ آيتها الاولى هو ارض الاسراء. أي بيت المقدس وما حولها. وقد يقول قائل ان في الآية ذكرا للمسجد الحرام ايضا. فما علاقته بموضوع السورة وارضها؟ المسجد الحرام منطلق الرحلة. ولكنه ليس هدفها ولا موضوعها. ان موضوع الرحلة وهدفها اطلاع النبي على ارض فلسطين. الارض العربية المباركة، ليريه من آياته ويزرع في قلبه وقلوب اتباعه من بعده ان هذه هي حدود كرامة الأمة التي لا يجوز التهاون في امرها. وان اي امر يحل بها انما هو محصلة خلل في سلوك الامة. عليها ان تعالجه. بل ان معظم السورة مخصص للحديث عن انحرافات الامة التي ادت الى قيام دولة اسرائيل الثانية. الدولة التي نعايشها هذه الايام. كما ان في السورة آيات موجهة الى الأمة من ابناء القرن الرابع عشر الهجري وما بعده دون سواهم. وسنرى ذلك عندما يقود اليه تسلسل الحديث.
وقد شاء الله سبحانه ان يجعل ارض فلسطين حدودا لكرامة الامة لانه علم سبحانه انها ستكون ارض صراع بين الامة وبين اعدائها القادمين من الغرب. ولكن سورة الاسراء تتحدث عن جيل من اجيال بني اسرائيل ستقوم لهم دولة على ارض فلسطين وفي جوار الاقصى بعد بعثة النبي محمد عليه السلام.
ولكن ما هي العلامات الاخرى التي تؤكد ان قيام الدولة الاسرائيلية سيكون حول الاقصى؟
تقول السورة في آيتها الرابعة أي منذ بدايتها المبكرة: {وقضينا الى بني اسرائيل في الكتاب لتفسدن في الارض مرتين ولتعلن علوا كبير}.
وذكر المرتين هنا يدلنا على الارض لأن الكلمة مفسرة او مذكورة مرة ثانية في اواخر سورة الاسراء. وهذا هو اسلوب القرآن الكريم، مثاني كما وصفه الله تعالى. يفسر بعضه بعضا عندما يرد الامر الواحد فيه مرتين او ثلاثا او اكثر في السورة الواحدة. ففي الآية الرابعة بعد المائة من سورة الاسراء يقول تعالى (وقلنا من بعده لبني اسرائيل اسكنوا الارض. فاذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا). وقلنا من بعده اي من بعد موسى. ومعروف ان معركة دخول فلسطين ابتداء من مدينة أريحا كانت بُعَيد وفاة موسى وقد دخلوا الارض في تلك المرة مجتمعين مقاتلين. وتلك التي سماها الله أولاهما في الاية الخامسة من سورة الاسراء. (فاذا جاء وعد اولاهما) اي موعد انتهاء الدولة الاولى. والثانية سماها الآخرة في الاية السابعة (فاذا جاء وعد الآخرة). ونعود الى الآية الرابعة بعد المائة لنجدها تشير الى المرة الثانية بنفس الاسم. (فاذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا). وقد جاء الله بهم في الثانية لفيفا. اي جماعات واحزابا ومعهم اخلاط من غيرهم.
فمعنى قوله تعالى (جئنا بكم لفيفا) اي جمعناكم من اقطار شتى ومجتمعات عدة. وقد يختلط بهم سواهم ولكن الغلبة تبقى لذرية اسرائيل فالنداء موجه اليهم بصفتهم ابناء اسرائيل.
وننتقل من المكان الى الزمان. فمتى كانت الاولى ومتى تكون الثانية حسب سورة الاسراء؟
تقول الآية الرابعة {وقضينا الى بني اسرائيل في الكتاب لتفسدن في الارض مرتين ولتعلن علوا كبيرا}. ومما لا خلاف فيه أن المرتين بعد التوراة. فلم تعلم دولة لبني اسرائيل قبل التوراة.
ويبدأ الخبر عن قيام الدولتين بأنه إفساد في الأرض. ويأتي بعد كلمة "قضينا" وهي بمعنى "حكمنا" والحكم لا يكون إلا بناء على معطيات على الأرض. وسبب ذلك أن الله تعالى عندما سمح لبني إسرائيل أن يدخلوا فلسطين إنما كان ليجعل لهم مأوى يعيشون فيه مع السكان الأصليين. وهذا ما يفهم من قوله تعالى في الآية 145 من الأعراف {.. سأوريكم دار الفاسقين..} ولفهمها يرجى العودة إلى مقالتنا "تأرية بني إسرائيل في فلسطين" من هذه المدونة.وكذلك الآية 58 من سورة البقرة وقد فسرناها هلى الرابط التالي ( https://abuzurayk.blogspot.com/2017/08/blog-post.html) وعنوانه "دخول اليهود اريحا في القرآن"
فكانت دولتهم حكماً إلهيا بعد تقييم سماوي لأوضاع شعوب المنطقة بناءً على سلوكها. فكانت عقاباً لأهل البلاد الأصليين على فسق غالبيتهم وانحرافاتهم. ولم تختلف أسباب قيام الدولة الثانية عن الأولى. 
وسمى الله دولتي بني إسرائيل إفسادا في الأرض.لأنه مخالفة لإرادة الله الأصلية أن يكون وجود بني إسرائيل في فلسطين مجرد إقامة وسكن. ولكن القضاء يأتي عقاباً للسكان الأصليين بسبب انحرافاتهم الخلقية. ومع أن دولتي بني إسرائيل إفساد واستثناء من إرادة الله الأصلية لفلسطين ولأنها قضاء بسبب انحراف الفلسطينيين شاء الله أن تكون قيادة إسرائيل الأولى لملكين صالحين منهم ( داود وسليمان) ليكون ضرر ذلك الفساد اقل ما يمكن. 
(ولتعلن علوا كبيرا) لتبين ان الامر امر دولة قوية بقدر انحراف السكان الأصليين ليكون العقاب عادلاً.
ولا خلاف بين مفسري القرآن الذين اطلعت على تفاسيرهم ان المرة الأولى قد مضت وانقضت قبل نزول القرآن الكريم. وهذا تفسير قوله عن الأولى"وكان وعدا مفعولا" أي تم وأنجز قبل نزول القرآن.
والدولة الثانية هي هذه الدولة التي تظهر الآن على الارض. اي ان القرآن اخبر عنها قبل قيامها باربعة عشر قرنا. وهذا ما يمكن استنتاجه حسب قواعد اللغة من الاية السابعة من سورة الاسراء اذ يتغير زمن الخطاب في هذه الاية. فبعد ان كان بصيغة الماضي يصير منذ مطلع الاية السابعة بصيغة المضارع. لنعلم ان الامر حادث بعد نزول القرآن. والا فان بعض الايات تفقد معناها وقيمتها. ولننظر بدقة وعمق: تقول الآيتان السابعة والثامنة (ان احسنتم احسنتم لانفسكم وان اسأتم فلها، فاذا جاء وعد الاخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه اول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا. عسى ربكم ان يرحمكم وان عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا).
فالآية السابعة تبدأ بشرط وجوابه ثم شرط وجوابه. ولا قيمة لشرط في الماضي فالشرط دائما صيغة للتعبير المستقبلي حتى لو جاء بصيغة الماضي. ولا معنى لشرط يوجه الى أمة منقرضة ولكن الآية بشروطها تعطي فرصة لبني اسرائيل في دولتهم الثانية فان احسنوا فلهم جزاء احسانهم وان اساءوا فعلى انفسهم. ثم يتحول الخطاب الى المضارع الصريح (فاذا جاء وعد الاخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه اول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا) بينما كانت جميع صيغ الاية الخامسة التي اخبرت عن نهاية الدولة الاولى بصيغة الماضي واختتمت بان الوعد مفعول اي منجز قبل نزول القرآن. وهنا في الاية السابعة جميع الافعال التي تتحدث عن نهاية الدولة الثانية تأتي بصيغة المضارع ذات الاجواء المستقبلية.
كما ان الاية الثامنة ذات اجواء مستقبلية لم يحسم امرها بعد. فهي تعدهم بأمر اكبر من امر الدولة ان استقاموا فتقول (عسى ربكم ان يرحمكم) اي انهم قد يستحقون رحمة الله. وهي امر اعظم من قيام الدولة فهناك امور ما تزال معلقة في حياة بني اسرائيل وهناك امور لم تحسم وقد يرحمهم الله ان احسنوا وقد يحدث الذي ينتظرون.
ولكن الله عنده ام الكتاب ويعلم انهم اعجز من ان يقدروا على الاستقامة وان وعده بتتبير دولتهم الثانية القائمة حاليا آت لا محالة.
هذا عن موعدي دولتي اسرائيل. ولكن الامر لم يحسم تماما الا لذوي التفكير السوي. فقد يقول قائل: ولكن اليهود دخلوا فلسطين مرتين قبل نزول القرآن فقد عادوا اليها مرة ثانية بعد الاسر البابلي.
وجوابنا على هذا القول ان الذي تتحدث عنه آيات سورة الاسراء هو الدخول الذي يؤدي الى دولة وعزة . وشتان بين الامرين وان تشابها في الاسم وفي بعض المظاهر. ودخولهم الى فلسطين بعد الاسر كان منة من حكام فارس. وبقي اليهود تحت حكم الفرس حتى احتلهم الرومان وقد ظهر نبيهم الاخير عيسى بن مريم وهم تحت الحكم الروماني. وظلوا تحت حكم الرومان حتى اخرجوا من فلسطين مهانين متفرقين في الاقطار منذ اواخر القرن الميلادي الأول لذلك فانا نستثني هذه المرة من ان تكون مقصودة او مذكورة في سورة الاسراء.
وبقي سؤال يثيره منذ عقود مفكرون وعلماء عرب كبار وهو: هل اليهود المحتلون لفلسطين حاليا هم بنو اسرائيل؟ ولهذا السؤال اسبابه النفسية التي قد نتعرض لها لاحقا. ولكن الجواب المباشر واعتمادا على القرآن الكريم: نعم ، ان غالبية اليهود الموجودين على ارض فلسطين الان هم من بني اسرائيل، مثلما ان معظم الاسرائيليين الذين دخلوا فلسطين من بعد موسى وتحت قيادة يوشع بن نون كانوا اسرائيليين ومعهم بعض المصريين الذين آمنوا بموسى من مثل السامري صاحب العجل. فالسامري في اللغة العبرية تعني الغريب. وهذا ما تؤيده نصوص واضحة في الانجيل، حيث نقرأ من تعليمات المسيح لتلامذته (الى طريق امم لا تمضوا والى مدينة للسامريين لا تدخلوا. بل اذهبوا بالحري الى خراف بيت اسرائيل الضالة - متى 10:6 - 7). فالسامريون حسب قول المسيح يهود من غير بيت اسرائيل كانوا يقيمون معهم في فلسطين.
ولكن من اين جاء سؤال هذه الفقرة عن بني اسرائيل؟ حاول بعض المفكرين والكتاب المعاصرين ان ينكروا وجود شخص اسمه اسرائيل. واذا كان قد وجد شخص اسمه اسرائيل فليس من الضروري ان يكون هو يعقوب. بل ذهب بعضهم الى ان اصل كلمة اسرائيل اسم لقرية في فلسطين او في جزيرة العرب. وقد لا اكون بمنزلة علمية استطيع معها ان اقف امام هؤلاء العلماء ولكني قادر بلغتي العربية على فهم القرآن الكريم الذي يؤكد ان اسرائيل رجل وانه جد بني اسرائيل. يقول تعالى في سورة مريم (اؤلئك الذين انعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية ابراهيم واسرائيل ومن هدينا واجتبينا.. 19:85) فاسرائيل حسب هذه الاية رجل كابراهيم ونوح. وله ذرية وليس اسم قرية او ارض ما.
وكان اسرائيل نبيا يقتدي به ابناؤه ويقر الله سبحانه اعماله كقدوة صالحة لذريته كما تقول سورة آل عمران (كل الطعام كان حلا لبني اسرائيل الا ما حرم اسرائيل على نفسه من قبل ان تنزل التوراة، قل فأتوا بالتوراة فاتلوها ان كنتم صادقين 2:93). ونفهم من هذه الاية ان اسرائيل كان قبل نزول التوراة وان سيرته وتعليماته كانت هي الهادية والمتبعة بين بنيه قبل ان يبعث اليهم موسى رسولا بالتوراة.
اذن فاسرائيل رجل وهو اب بني اسرائيل وقد سمي الاسرائيليون باسم بني اسرائيل في القرآن الكريم اكثر من اربعين مرة. وهي تسمية لا يمكن ان تعني الا ان اولئك القوم هم ذرية رجل اسمه اسرائيل .
ولم يكن امر بني اسرائيل وتكوينهم الواضح بحاجة الى كل هذا الخلاف ولكن يبدو ان قيام دولة بني اسرائيل على حسابنا وعلى ارضنا جعلنا نرى الامور على غير حقيقتها.
وهناك امر اخر يتعلق بتكويننا النفسي كعرب فنحن لا نملك الا ان نحترم من يذكره الله بخير وقد ذكر الاسرائيليون في القرآن بخير وبالتالي لم نستطع تصور احفادهم ظالمين لنا مغتصبين لحقنا، فبرأناهم من ان ينتسب اليهم هؤلاء مع ان ابناء الانبياء من كل امم النبوات ينحرفون بعد عدة اجيال ويفعلون من الظلم والفواحش مثلما يفعل بنو اسرائيل اليوم في فلسطين وزيادة. ولكننا نحن الذين نحتاج الى وقفة تأمل وتفكير وتغيير كثير من مفاهيمنا.
لقد انحرف بنو اسرائيل كغيرهم من ذراري الانبياء والصالحين وانحرفنا نحن ايضا فسلطهم الله علينا عسى ان نعود. ولهم هم عقاب ينتظرهم من الله وهزيمة نكراء كما يبشر القرآن. ولكن عندما تصل الامور الى غاياتها.
ومن علامات انحرافنا ان وظف الله سبحانه خبر قيام دولة اسرائيل الحالية في المرتين اللتين اوردتهما سورة الاسراء ليؤكد لنا صدقه وان هذا القرآن من عنده سبحانه. وانه يقين لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ومع هذا لم ننتبه للامر ولم نؤمن وهذا انحراف كبير نستحق عليه العقاب كأمة فقدت القدرة على الايمان وعلى التفكير السوي.
ولننظر في هذه المعجزة القرآنية الموجهة الى اجيال العرب من ابناء القرن الرابع عشر الهجري وما بعده دون سواهم من اجيال الامة ففي المرة الاولى التي ورد فيها ذكر قيام دولة اسرائيل من سورة الاسراء، وظف الله سبحانه الحدث ليقول لنا ان هذا القرآن هداية من الله للمؤمنين يرشدهم الى الطريق القويم. وتأتي هذه الاية مباشرة بعد خبر بني اسرائيل اي في الاية التاسعة (ان هذا القرآن يهدي للتي هي اقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات ان لهم اجرا كبيرا 17:9).
وفي الموقع الثاني من سورة الاسراء حيث اخبرت السورة عن جمع الاسرائيليين لفيفا من اقطار الدنيا الى ارض فلسطين في الاية الرابعة بعد المائة قال سبحانه في الاية التالية مباشرة عن القرآن الكريم (وبالحق انزلناه وبالحق نزل وما ارسلناك الا مبشرا ونذيرا. وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا. قل آمنوا به او لا تؤمنوا ان الذين اوتوا العلم من قبله اذا يتلى عليهم يخرون للاذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا ان كان وعد ربنا لمفعولا 17:105 - 108)
وقد فتحنا اعيننا نحن ابناء زمن النكبة على اصوات عالية تشكك بوجود الله وصدق رسوله. وتنكر ان يكون القرآن من عند الله. وتأتي هذه الآيات في مواقعها وفي زمانها ذات معنى وذات مغزى كبير.
ولهذا علاقة كبيرة بقيام اسرائيل على حساب الحق العربي وقد خُصِّصَت بقيةُ السورة لشرح اسباب هذه الحادثة وهي تعزو ذلك الى الخلل الكبير في علاقات المجتمع العربي  وأخلاقه وهو ذو الحق في ارض فلسطين.