تيمور كوران*
كان الشرق الأوسط في القرن العاشر إقليماً متطوراً وفقاً لمقاييس معيار المعيشة، والتكنولوجيا، والإنتاجية الزراعية، والقراءة والكتابة والإبداع المؤسساتي. ولكنه فشل في ما بعد في مجاراة التحول المؤسساتي الذي تمكنت أوروبا الغربية من خلاله من زيادة قدرتها على حشد الموارد، وتنسيق الأنشطة الإنتاجية وعقد التبادلات. وبالرغم من محاولات الإصلاح، بقيت المؤسسات الإسلامية التقليدية عاملاً من عوامل التخلف الإقتصادي في الشرق الأوسط.
يجب الإشارة في البداية إلى أن هذا المقال لا يعتبر الإسلام غير متوافق مع النمو الإقتصادي والتطور. إذا كان الشرق الأوسط قد أخفق في تطوير مؤسساته الإقتصادية—وكان مجبراً على "نقلها" من الخارج—فليس لأن الإسلام قد منع التطور، بل بسبب تفاعلات سلبية غير مقصودة بين المؤسسات الإسلامية المصممة لخدمة أهداف اقتصادية نبيلة كالكفاءة والعدالة.
لم "تنزل" المؤسسات الإقتصادية الإسلامية في عهد الرسول (ص) ولم تكن العناصر الرئيسية موجودة عام 661 عند نهاية عصر الخلفاء الراشدين، كما أن هناك القليل من المؤسسات الاقتصادية التي ورد ذكرها في القرآن. إن الخصائص الإقتصادية المميزة للحضارة الإسلامية لم تتطور وتُؤسَّس بشكل متين إلا بحلول عام 1000 للميلاد تقريباً. و
السؤال المطروح هو: ما هي المؤسسات المسؤولة عن الركود الاقتصادي لدول الشرق الأوسط؟
أولاً، خلال القرون التي تلت ظهور الإسلام، أنتج القانون الإسلامي منظومة غنية من المبادئ وإجراءات منظمة للعلاقات التعاقدية. هذا البناء القانوني، إذا ما قورن بالأنظمة القانونية في ذلك العصر، كان يوفر للتجار والمستثمرين مرونة عالية. أما من وجهة النظر الحديثة، فإن القانون الإسلامي لا/لم يترك مجالاً للشركات أو المشاريع التجارية الجماعية—حقوقاً شرعية مميزة عن حقوق الأفراد الذين يمولونها أو يخدمونها. لقد اعترف القانون الإسلامي فقط بالأفراد الحقيقيين، وبينما يستطيع أعضاء الشراكة مقاضاة أحدهم الآخر كأطراف في عقد معين، لا تمتلك شراكتهم مقاماً أو منصباً قانونياً خاصاً بها.
ثانياً، بالرغم من أن بعض القروض كانت تقدم عن طريق شراكات صغيرة وقصيرة الأمد، إلا أنه لم تكن هناك بنوك قادرة على حشد وتوفير موارد كبيرة، أو على دعم الاستمرارية بعد وفاة المساهمين الاصليين.
ثالثاً، إن النظام الوراثي الإسلامي مصمم بحيث يقسم الثروات لأهداف مساواتية. وقد كان لذلك أثر غير مقصود في كبت الإبتكار المؤسساتي. إذ حد من تركيز الثروة كما أعاق إمكانية الحفاظ على المشاريع التجارية الناجحة أو أصولها المالية عبر الأجيال. فكانت النتيجة تشتيت الملكية والثروات.
رابعاً، كانت دويلات الإقليم عازفة عن تقديم الخدمات العامة وشبه العامة. لذا، فإن القليل من الجوامع الكبيرة والمكتبات والأبنية الخيرية كان يمول من قبل الدولة، بل كان يتم توفيره من قبل مؤسسة الوقف عن طريق تحويل ملكية خاصة ثابتة إلى هبة لدعم خدمات اجتماعية: مدرسة أو مصدر مياه أو جامع. فأصبح الوقف "وسيلة لتمويل الإسلام كمجتمع" مع العلم أن المؤسسات الإسلامية الأصلية لم تحتوِ على الوقف الذي لم يتم ذكره في القرآن.
لقد أدرج الوقف ضمن الثقافة الإسلامية بعد قرن من ظهور الإسلام، غالباً كحل لإشكالية عدم إستقرار حقوق الملكية الخاصة. فانعدام الضمانات الوقائية ضد الضرائب الانتهازية والمصادَرة كان مصدراً هائلاً لقلق أصحاب الأملاك الذين قاموا بالاستفادة من وسيلة تمكنهم من حماية أموالهم الشخصية وتعزيز الحماية المادية لعائلاتهم.
إن منح الملكية كوقف يعطيها حصانة جوهرية ضد المصادرة. فقد كان مؤسس الوقف يتمتع بامتياز تعيين نفسه مسؤولاً بحيث يستطيع أن يدفع لنفسه راتباً ضخماً ويعين أفراد عائلته في مناصب مدفوعة الأجر. كما يستطيع أيضاً أن يتحايل على ضوابط الوراثة الإسلامية من خلال تعيين أحد أبنائه خليفة له وحرمان من يحتاج من أقربائه الآخرين. ولم يكن تأسيس الوقف آنذاك مجرد تعبير عن الإحسان. فبالإضافة إلى تعزيز مؤسس الوقف لسيطرته على ثروته، كان يعمل أيضاً على التقليل من مخاطر فقدانها بالكامل لحاكم متعطش للموارد المالية.
ولأن نظام الأوقاف حبس الموارد المالية في استخدامات تم تحديدها منذ قرون خلت، اصبحت تلك الموارد عاطلة أو مختلة الوظيفة. ومن المظاهر الساطعة على هذا الجمود بطء النظام في توفير الخدمات الحضرية الجديدة. وبالاضافة إلى ثقله الإقتصادي الجسيم، فقد أسهمت الجهود الرامية للإفلات من قوانين النظام في شيوع الفساد الذي أعاق التجارة والاستثمار، كما أنه كبح المطالبة بحقوق الملكية المحفوظة دستورياً، وذلك من خلال دفع الافراد إلى ابتكار تحايلات يمكن أن تحفظ لهم بعضاً من ثرواتهم.
لنبدأ بالأخبار السيئة، إذ أنه لا يمكن رفع الشرق الأوسط من حالة تأخره الاقتصادي في المدى القريب. حتى وإن قدر لجميع السياسات الحكومية السيئة التخطيط في الإقليم أن تختفي اليوم، فإن القطاع الخاص سيحتاج إلى عقود طويلة من الزمن ليتطور. أما الأخبار السارة فهي أن الإصلاحات الاقتصادية ممكنة التحقيق دون معارضتها للإسلام كدين. ومهما كانت نتائج الصراعات الجارية حول تفسيرات الإسلام في المجالات الأخرى—التربية والتعليم، حقوق المرأة، حريات التعبير—فإن المؤسسات الاقتصادية الرئيسية للرأسمالية الحديثة قد تم تبنيها منذ وقت ليس بالقصير مما جعلها تبدو غير أجنبية، لذا أصبحت مقبولة ثقافياً، حتى لدى الإسلامويين المضادين للحداثة. إضافة إلى ذلك، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار التقليد الإسلامي الطويل في تحديد الدور الاقتصادي للحكومة، فليس هناك من تعارض بين الإسلام والنظام الاقتصادي الذي يعتمد على المشاريع التجارية الخاصة بشكل أساسي.
تيمور كوران: أستاذ الملك فيصل للفكر والثقافة الإسلامية في جامعة كاليفورنيا الجنوبية، لوس أنجلوس. هذا المقال برعاية مصباح الحرية، www.misbahalhurriyya.org