الأمن الغذائي في مصر: معالجة الأزمة المتصاعدة بنصف حلول

منشور 01 تمّوز / يوليو 2017 - 12:12
مصر ستصل بعد 13 عاما إلى العجز المطلق في المياه
مصر ستصل بعد 13 عاما إلى العجز المطلق في المياه

يترقب الشارع المصري حاليا مجموعة كبيرة من القرارات التي تتخذها الحكومة في يوليو والخاصة بزيادة الأسعار، خاصة ما يتعلق بأسعار الغذاء؛ وسبق أن تمت زيادة أسعار الوقود منذ أيام قليلة. وبدا من التصريحات الأخيرة للعديد من الوزراء أن الحكومة تتخوف من الأثر الذي سوف يترتب على أي زيادة مرتقبة في أسعار الكهرباء ومياه الشرب والمحروقات عموما.

ويتوقع المراقبون أن تؤدي هذه الزيادة إلى احتقان كبير في الشارع المصري، لأنها ذات تأثير مباشر على المواطن، حيث سينتج عنها ارتفاع فوري في تكلفة جميع وسائل المواصلات والأسعار الغذائية. وتمثل أي زيادة أخرى في أسعار الغذاء ضغطا مضاعفا على صانع القرار المصري الذي لن يواجه في المستقبل تهديدا بسبب معارضة سياسية أو غضب من غياب الحريات، بل ثورة “جياع“.

وارتفعت نسب الفقر وانعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية في مصر بشكل ملحوظ خلال السنوات الماضية. وصنفت دورية نيتشر الدولية للعلوم البريطانية، في بحث نشرته في عددها رقم 7651، مشكلة الأمن الغذائي من أكبر المشاكل التي تواجه النظام والحكومة في مصر في الوقت الراهن. والأمن الغذائي هو قدرة الناس على الحصول على الغذاء الكافي والصحي والآمن الذى يلبي احتياجاتهم الأساسية من الغذاء بشكل دائم.

وذكرت معدة البحث لويز سارانت، وهي مراسلة حرة في مجالي البيئة والعلوم تعمل من القاهرة، أن مصر تستورد 40 في المئة من إجمالي غذائها، و54 بالمئة من احتياجاتها المحلية من قمح الخبز الذي يعد المكون الرئيسي للوجبة الغذائية على الرغم من كل المحاولات التي تبذلها الحكومة لزيادة الإنتاج المحلي.

وتعرض أزمة نقص الإنتاج المحلي من الغذاء والاعتماد علي الاستيراد الاقتصاد المصري أيضا لخطر كبير نتيجة لهشاشته أمام التغيرات العالمية لأسعار الغذاء، خاصة بعدما انخفضت قيمة الجنيه المصري إلى النصف في عام 2016 بعد قرارات تعويم الجنية وتطبيق شروط صندوق النقد الدولي، ما نتج عنه ارتفاع هائل في أسعار السلع الغذائية.

وحسب إحصائيات لبرنامج الأمم المتحدة العالمي للغذاء، فإن 16 بالمئة من المصريين يجدون صعوبة بالغة في الحصول على احتياجاتهم الأساسية من الغذاء.

مصر ستصل بعد 13 عاما إلى العجز المطلق في المياه ولن يزيد متوسط نصيب الفرد على 500 متر مكعب فقط


وازدادت حدة أزمة نقص الغذاء في السنة الماضية، وعانى قطاع كبير من المواطنين نقصا في العديد من السلع الغذائية الضرورية لحياتهم اليومية كالأرز والسكر وزيت الطهي، وانعكست حدة تلك الأزمة بشكل أكبر في القرى والنجوع المصرية البعيدة عن العاصمة بشكل أكبر، وعلى سبيل المثال لم يجد 39 بالمئة من سكان صعيد مصر احتياجاتهم الأساسية من الغذاء بسهولة في عام 2016.

ورأى خبراء اقتصاديون أن الحل الأمثل لأزمة الأمن الغذائي يكمن في زيادة الإنتاج المحلي للغذاء، لكنهم أشاروا إلى أن تلك الزيادة لن تكون سهلة في ظل الانخفاض المستمر في نسبة الأراضي المصرية الصالحة للزراعة. وانخفض نصيب الفرد من هذه الأراضي في الخمسين سنة الماضية بنسبة الثلثين، خاصة مع عدم وجود بدائل أخرى لتلك الأراضي الخصبة.

وما زاد المشكلة- حسب تقرير الدورية البريطانية – ارتفاع نسب التعديات على الأراضي الزراعية في أعقاب ثورة 25 يناير عام 2011 نتيجة غياب آليات العقاب القانونية على المخالفين، ما شجعهم على مسابقة الزمن للانتهاء من بناء أكبر قدر من الأبنية على الأراضي الزراعية، فضلا عن التلوث وسوء ري الأراضي والمناخ الحار الذي يعجل بانخفاض القدرة الإنتاجية لأراضي الدلتا الخصبة.

 


بناء على الرمال

لطالما أعلنت الحكومة المصرية أن الحل الأمثل لمواجهة أزمة نقص الغذاء وزيادة الأمن الغذائي هو استصلاح الأراضي الصحراوية الشاسعة، إلا أن العديد من الخبراء أكدوا أن هذا التوجه فاشل وإهدار للمال العام. وأوضحوا أنه من الأفضل التركيز على زيادة إنتاجية الأراضي الخصبة المتاحة بالفعل، بالإضافة إلى تفعيل الآليات القانونية التي تمنع المخالفين من التعدي على أراضي وادي النيل والدلتا.

ومنذ إعلان الجمهورية المصرية في عام 1953 وفكرة استصلاح الأراضي الصحراوية وتحويلها إلى أراض خصبة تسيطر على صناع القرار المصري الذين ظلوا باستمرار يرفضون أطروحة أن زيادة إنتاجية الأراضي الزراعية الموجودة بالوادي والدلتا ستكون كافية لتغذية السكان الذين تضاعف عددهم ثلاث مرات خلال الخمسين سنة الماضية، بل ومن المتوقع أن يتعدوا المئة وخمسين مليون نسمة بحلول عام 2050.

وقال أيمن أبوحديد وزير الزراعة المصري الأسبق وأستاذ الزراعة في جامعة عين شمس بالقاهرة، إنه توجد حاليا إمكانية لاستصلاح أكثر من سبعة ملايين فدان من الصحراء المصرية، ولكن السؤال الذي يجب طرحه هو: هل يوجد ما يكفي من المياه- وخاصة المياه الجوفية- التي يمكن أن تكفي لعملية الاستصلاح؟

 


أزمة العجز المائي

وفق أرقام منظمة الأمم المتحدة عن العجز المائي، فإن المصريين يواجهون في الوقت الحالي هذه المشكلة بشكل حاد. ويُقدر متوسط نصيب الفرد من المياه ما بين 340 و660 مترا مكعبا سنويا. وبحلول عام 2030 سينخفض هذا المتوسط إلى 500 متر مكعب فقط، ما يجعل مصر في مصاف الدول التي تواجه “عجزا مطلقا” في المياه.


تحسين إنتاجية الأراضي الزراعية أولوية


واعتمدت خطط إستصلاح الأراضي الزراعية منذ الثمانينات في القرن الماضي على مياه النيل كمصدر رئيسي لري الأراضي المستصلحة، وقد تم بناء القنوات التي تنقل مياه النيل إلى تلك الأراضي، لكن نتج عن ذلك أن جميع الأراضي المستصلحة كانت بجانب وادي النيل الضيق ما زاد من التكدس السكاني في تلك المناطق.

ومثّل مشروع المليون ونصف المليون فدان الذي أعلن عنه الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في ديسمبر عام 2015 نقلة في فكرة استصلاح الأراضي الصحراوية المصرية، إذ يهدف إلى استصلاح أراضي الصحراء الغربية بالاعتماد على المياه الجوفية بدلا من مياه نهر النيل.

لكن نبه جمال صيام أستاذ الاقتصاد الزراعي بجامعة القاهرة إلى أن هناك مشكلة في فكرة الاعتماد في استصلاح الأراضي الصحراوية على استخدام المياه الجوفية في مشروع المليون ونصف المليون فدان، وهي عدم وجود إحصائيات دقيقة ومستحدثة عن حجم المياه الجوفية المتاحة بالصحراء الغربية. وشدد على أن دراسة الجدوى التي اعتمد عليها هذا المشروع الطموح لم تكن بالدقة الكافية.

وتعتبر مسألة الاعتماد على المياه الجوفية لإنتاج الغذاء في مصر محل جدل كبير بين الخبراء، إذ بينما يرى البعض منهم أن على الدولة استغلال تلك الموارد من المياه الجوفية، لأنها لن تنضب قبل مرور 100 عام على الأقل وحينها ستكون تكلفة تكنولوجيا تحلية المياه المالحة قد انخفضت بشكل كبير لتعويض تلك المياه، فإن الكثيرين يخالفون هذا الرأي.

وأوضح حسام شوقي مدير المركز المصري لتحلية المياه بالقاهرة، في سياق ما جاء في تقرير مجلة نيتشر، أنه للاعتماد على المياه المحلاة يجب أن تحدث طفرة كبيرة في طريقة صناعتها، وأن يتم تصنيع جميع أدوات التحلية محليا حتى تستطيع الدولة تخفيض ثمن التحلية المرتفع، فالدولة الآن تنفق على تحلية المتر المكعب الواحد من مياه البحر ستة جنيهات، بينما للاعتماد عليها في الزراعة يجب أن تنخفض التكلفة إلى جنيه ونصف الجنيه للمتر.

ولو لم تنضب المياه الجوفية، فإن استخدامها في استصلاح الصحراء عملية مرتفعة التكلفة لأنه كما يشير ألفار كلوساس، الباحث بإدارة المياه الجوفية بالهيئة الدولية لإدارة المياه بالقاهرة، استخدام المياه الجوفية لاستصلاح الأراضي الزراعية يكلف عشرة أضعاف زراعة أراضي وادي النيل والدلتا الخصبة.

وأبدت هاني كيرستين أستاذة الجغرافيا بجامعة “أرهاس” في الدنمارك، والتي درست خطط استصلاح الصحراء المصرية، استغرابها من لجوء المصريين إلى استصلاح الصحراء من الأساس والعمل على نقل قطاعات كبيرة من المزارعين من أراضيهم الخصبة في الوادي والدلتا إلى الصحراء. وأكدت أن ذلك لا يتناسب مع الفلاحين الذين يعانون أصلا من فقر مدقع في أراضيهم الأصلية، وبالتالي سيكون في غاية الصعوبة عليهم أن يذهبوا ليستثمروا في أراض أخرى.

 


أين المحاصيل الضرورية

على صعيد الجدوى الاقتصادية، أشارت داليا جودة خبيرة إدارة المياه بالقاهرة، إلى أن خطط استصلاح الصحراء “المزعومة” لن يكون لها دور مؤثر في الحد من أزمة الأمن الغذائي للمصريين، لأن الغالبية العظمى من تلك الأراضي المستصلحة مخصصة لكبار المستثمرين الذين يُصدّرون معظم ما ينتجونه من محاصيل زراعية، والدليل على ذلك أن 42 ألف فدان من مشروع المليون ونصف المليون سيخصص لبناء مشاتل لإنتاج محاصيل التصدير.

ويشكك صيام أيضا في جدوى مشروع المليون ونصف فدان في الحد من مشكلة الأمن الغذائي، حيث رأى أن حل المشكلة يكمن في إنتاج المحاصيل الزراعية الضرورية للشعب المصري مثل القمح والذرة والحبوب الأخرى، وتلك المحاصيل يصعب استصلاحها في الأراضي الصحراوية لأنها تكون مرتفعة التكلفة بالنسبة إلى الفلاح الذي سيتجه لزراعة الفواكه التي توفر له عائدا سريعا ومضمونا.

كما أن الفلاح المصري الفقير لن يستطيع تحمل تكلفة زراعة الحبوب في الأراضي الصحراوية المستصلحة، وبالتالي لا بد له أن يتجه لزراعة الفاكهة والمحاصيل الكمالية، وهذا ما تهدف إليه الحكومة للزيادة من عائدات التصدير.

وعلى النقيض من هذه الانتقادات، قال محمود ميداني رئيس مركز البحوث الزراعية بالجيزة (غرب القاهرة) إنه على الرغم من أن مشاريع استصلاح الأراضي الصحراوية تهدف بالفعل إلى تصدير 70 بالمئة على الأقل من إنتاجها إلى الخارج إلا أنها من ناحية أخرى ستعالج أزمة النقص الغذائي من خلال توفير فرص العمل المتولدة عنها، فإذا ساهمت تلك المشاريع على سبيل المثال في توظيف مئة ألف مزارع، فإن ذلك سيوفر لهم دخلا أفضل ما يجعلهم قادرين على شراء منتجات غذائية كافية وبجودة أفضل.

مع ذلك، يشدد خبراء الزراعة والغذاء على أن الأولوية يجب أن تكون لتحسين إنتاجية الأراضي الزراعية المتوفرة بالفعل، حيث قام الباحثون بمركز البحوث بالجيزة على مدار الخمس عشرة سنة الماضية بإنتاج أكثر من 300 صنف وهجين زراعي جديد قادرة على تحمل الحرارة المرتفعة والزيادة في معدلات الملوحة بالتربة الزراعية. ونجحت تلك الأصناف الزراعية المستحدثة في زيادة إنتاجية المحاصيل الزراعية بنسبة 55 بالمئة للحبوب و46 بالمئة للبقوليات و20 بالمئة للمحاصيل الزيتية، ومع ذلك قامت الحكومة في السنوات الأخيرة بتخفيض ميزانية هذا المركز بنسبة كبيرة، من ما يعادل 1,1 مليون دولار في 2015 إلى 170 ألف دولار فقط في 2016.

وعلى الرغم من تلك الظروف المالية الصعبة التي يعمل في ظلها المركز، إلا أنه هو والمراكز البحثية الأخرى مستمرة في العمل على زيادة معدلات الإنتاج للأراضي الزراعية الموجودة بالفعل، والأهم من ذلك مساعدة الفلاحين على الحد من معدلات استهلاكهم لمياه الري والأسمدة والبذور عن طريق إمدادهم بالماكينات الحديثة التي تعفي الفلاح من عملية الزراعة اليدوية.

أزمة الغذاء والأمن الغذائي في مصر تتعدد حولها النظريات والآراء، لكن ما يكاد يجمع عليه الخبراء والمهتمون هو أن السياسات الحكومية المتبعة حاليا لم تعد تكفي، وأنه آن الأوان للجوء إلى حلول أكثر واقعية وكفاءة وعلمية حتى لا تتفاقم المشكلات أكثر وأكثر، خاصة في ظل دائرة الأزمات الاقتصادية الخانقة المتلاحقة الأخرى التي تثير قلق المصريين والحكومة معا.

مواضيع ممكن أن تعجبك