خاص-البوابة
كانت "مرام" من اوائل من استفدن من "قانون الخلع" لدى اقراره في الاردن قبل خمس سنوات، وهي تدين له بالفضل في انتشالها من "جحيم" زوج اذاقها صنوف "الذل".
واليوم، وبحسب ما تؤكده احصائيات دائرة قاضي القضاة، فقد تجاوز الثمانية الاف عدد الزوجات اللواتي انضممن الى قافلة الباحثات عن "الخلاص" عبر "الخلع"، وبما يمثل نحو 80 بالمئة من القضايا النسائية المنظورة امام المحاكم الشرعية.
هذا الرقم، بحسب تقرير لصحيفة "النشمية" الاردنية، له قراءتان مختلفتان، الاولى: ان الخلع شجع هؤلاء النسوة على "التمرد"، والثانية: انه القى اليهن طوق نجاة من ازواج استمرأوا اضطهادهن ويرفضون تطليقهن رغم علمهم بكراهتهن العيش معهم.
وفيما تتعامل القراءة الاولى مع الزوجة بوصفها "سجينة" وتعتبر مطالبتها بحريتها ضربا من "التمرد"، الا ان القراء الثانية تجادل بانه لو كان بمقدورها نيل الطلاق بالتراضي من زوج لم تعد تطيق حياته، لما سلكت طريق القضاء.
السبيل الوحيد
مرام ممن تنطبق عليهن القراءة الثانية، وهي تؤكد انها ما كانت لتلجأ الى "الخلع" لو وجدت غيره سبيلا.
استغرقت رحلة مرام، وهذا ليس اسمها الحقيقي، اكثر من ستة اعوام للخلاص من اضطهاد زوجها الذي كرهت حياة القسوة معه منذ شهور الزواج الاولى.
تقول "صفعني اول مرة بعد ثلاثة اشهر من زواجنا، وقال لي فيما انا ابكي واحاول استيعاب الصدمة: هذا بعض مما سترينه اذا ما تأخرت ثانية في ايقاظي من النوم".
طلبت منه الطلاق في المرة الثانية التي ضربها فيها وكانت بسبب ابدائها امتعاضها من تأخره في السهر وتركها وحيدة في البيت.
كان لهذا الطلب وقع "الصاعقة" على زوج مرام، ونالها منه ما نالت. تقول "ما ان طرق طلبي الطلاق مسامعه حتى بدا كمن ضربته صاعقة وتحول الى وحش كاسر انهال علي بالصفع والركل ولسانه لا يكف عن شتمي ووصفي بالفاظ ليس اقلها انني عاهرة".
في اليوم التالي فرت الى منزل اهلها. وعلى مدى عدة اسابيع ساق الجاهات المتتالية لردها.
لكن، وكما تقول مرام "سبق السيف العذل، فقد ضربني مرتين، واصبحت اخشى على حياتي منه، ولهذا رفضت كما رفض اهلي ان اعود اليه".
كان الرجل يبدو وادعا خلال الجاهات. ولما ايقن انها مصممة على الطلاق، خلع عنه الوداعة واعلن على رؤوس الاشهاد ان "الموت اقرب اليها من الطلاق".
لجأت بعد ذلك الى المحاكم وحبالها التي كان محاموه يزيدون من طولها، ومضت السنوات وهي لا تستطيع الحصول على حكم بالتفريق الى ان جاء القانون الجديد الذي بات يعرف بقانون الخلع.
تقول مرام "ثلاث جلسات خلال اقل من شهر وانتهى الامر. حصلت على حريتي بعدما تنازلت له عن حقوقي..لقد اشتريت نفسي".
ضائقة مالية
حكاية مرام، تتطابق في كثير من جوانبها مع حكايات اوردها تقرير لصحيفة الدستور لسيدات اخريات لجأن او في طريقهن للجوء الى المحاكم لخلع ازواجهن.
ومن هؤلاء الموظفة "أمل" التي تقول: كنت أعمل فى نفس الشركة التى يعمل بها زوجى السابق، ولكن مع وجود طفلين عمرهما ثلاث سنوات وسنة واحدة لم أستطع التوفيق بين عملى ورعايتي لأولادي، وكان من الصعب أن أتركهم فى الحضانة، لعدم ثقتى فى أسلوب رعاية الأطفال، وطبعا كان لتركى العمل وحدوث نقص فى مستوى الدخل أثره السلبى على حياتى الزوجية، حيث بدأت أطلب من زوجي المال.
وتابعت أمل: أحس زوجى بالضغط، وبدأ يتضايق فأوضحت له أن مستوى إنفاقنا لم يزد، ولكنه فى نفس المستوى، وأن سبب تزايد طلبى للمال هو عدم وجود مرتبي الذى كنت أخفف به عنه وأعوض به النقص فى المنزل. حاولت بكل السبل أن أشرح له هذا الموضوع.
ولكنه كما تقول: لم يكن يواجهني إلا باتهامات الإسراف، وبدأ يتدخل فى كل صغيرة وكبيرة فى المنزل ويحاسبنى بشدة على كل قرش أنفقه، وبالطبع تفجرت المشاكل بيننا، وتحول من شاب مهذب ووديع قبل وفي بداية حياتنا الزوجية إلى شخص شرس وعنيف، وفى إحدى المرات اعتدى علي بالضرب بعد مناقشة حادة بيننا.
وبتأثر تقول: لم أستطع أن أتحمل قيام زوجى بضربي، فقد كنت أتحمل قسوته ومشاكله، ولكن عندما وصلت الأمور إلى حد الضرب لم أتمالك نفسي وتوجهت إلى المحكمة أطلب الخلع.
نهاية غير متوقعة
أما ندى وهي موظفة، فتقول: إنتهت حياتى الزوجية نهاية غير متوقعة ومفاجئة بالنسبة لي عندما اكتشفت عن طريق الصدفة أن زوجي متزوج بأخرى دون علمي، والحكاية بدأت كأي قصة رومانسية بين شاب وفتاة، أحببته من خلال تردده المستمر على الهيئة التى أعمل بها، ونمت بيننا قصة حب توجناها بالزواج، وكانت حياتنا بالفعل هادئة وليس فيها ما يعكرها، وملأ طفلنا حياتنا وكانت الأمور تسير على ما يرام، حتى فوجئت بواحدة من جاراتي تخبرني بأن زوجى متزوج من أخرى.
تابعت ندى: لم أصدق فى البداية، وفي نفس اليوم واجهته بالحقيقة فاعترف بكل بساطة، ولم يكن أمامى إلا طلب الطلاق، فقد كان من الممكن أن أتسامح معه فى أى شىء إلا أن أشعر أن هناك أخرى تأخذه من بين يدي، وأن قلبه منقسم بيننا، وكنت على استعداد لمواجهة أى ضغوط حياتية، لكننى لم أكن مستعدة على الإطلاق للتسامح فى مسالة زواجه بأخرى.
وتقول ندى: حاول زوجي أن يقنعنى بأنه يحبني وأن حبه لي لم ولن يقل، ولكننى كنت مجروحة من تصرفه، وخصوصا أنه فعل ذلك رغم علمه الكامل بأنني أرفض هذه الفكرة تماما، طلبت منه أن يطلقني فلم يلب رغبتي عندها لجأت للخلع بناء على رغبتى وحكمت لي المحكمة.
استغلال الزوجة
أما منال - ربة منزل ، فتقول إنها تزوجت وهى فى التاسعة عشرة من عمرها ، ونظرا لأنها من أسرة غنية فقد تولت الإنفاق على الأسرة، وكان والدها يدعمها ماليا حتى لا تثقل على زوجها، واستمرت الحياة على هذا الحال، وحين توفي والدها وترك لها بعض الأموال والأملاك، استغل زوجها طيبتها وقام بالتصرف بأملاكها بموجب توكيل منها، وفوجئت بأنها أصبحت فى حالة غير ميسرة ماديا، ورغم قيامه بهذا التصرف فى أملاكها دون علمها وعدم منحها هذه الأموال التي حصل عليها من بيع أملاكها إلا أنها لم تطلب الطلاق، وبدأت تطلب من زوجها أن يقوم بدوره فى الإنفاق على الأسرة، لكنه بدأ يتهرب من المسؤولية ويغيب أياما خارج المنزل حتى لا تواجهه بمسؤولياته تجاه الأسرة.
وأضافت منال: ورغم أن أعماله ومشاريعه تسير بشكل جيد إلا أنه لا ينفق على الأسرة إلا في أضيق الحدود. وعندما ضاقت الحياة في وجهي ولم استطع في ظل هذه الظروف من مواصلة تربية اطفالي تربية اسرية سليمة طالبته بالطلاق فلم يستجب فقررت رفع قضية خلع.
اسباب واسباب
في قصة اخرى، تقول أم أحمد وهي موظفة، أنها حصلت على الخلع عن طريق المحكمة الشرعية، واهم الاسباب التي دفعتها للخلع هو سوء تفاهمها مع زوجها وسوء اخلاقه وشخصيته المهزوزه. وتعتبر أن الخلع فيه انصاف للمرأة خاصة اذا استحالت الحياة الزوجية بين الازواج.
ومن جهتها تقول سيدة طلبت عدم ذكر اسمها في تقرير اخر في الدستور ان: طبيعة عمل زوجي لـ15 ساعة متواصلة في اليوم شكلت فجوة كبيرة في علاقته بي وبأطفالنا..
وتضيف: فعليا "فقد" دوره كزوج وكأب واضحى مصدراً اقتصادياً فقط،، ولكن رغم تقديري لجهده وادراكي للأوضاع الاقتصادية الصعبة والتي تجبره على العمل لساعات طويلة جدا من أجلنا، الا ان ضعف التواصل او فقدانه بيننا زاد الخلاف وتفاقم الى درجة يصعب فيه الالتقاء.. لذا طلبت منه الطلاق فرفض.. وانا الآن جادة في خطوة طلب الخلع لانهاء الخلاف.
اما فاطمة التي تعاني من ظلم زوجها، وتعرضها للعنف والاساءة الدائمة منه..وعدم انفاقه عليها بالرغم من وضعه المادي الجيد..فتتمنى لو تستطيع خلعه.. واستغلال هذا الحق الذي وهبه الشرع لها كي تتخلص من الظلم وتدفعه عن نفسها.. ولكنها تعتبر ان الخلع للميسورات من النساء، وأنها لا تستطيع خلعه "حسب قولها" ، لأنها لا تملك أي مال كي تدفعه له مقابل طلبها للخلع.
دوافع تافهة!
في المقابل انتقد عدد من الرجال الأسباب التافهة التي تقود النساء للخلع حيث قال الموظف اياد شكري أن بعض النساء بلا مسؤولية في طلبهن الخلع، فبعد بضعة اشهر فقط من الزواج ولاسباب سخيفة تطلب الخلع، حبا في السيطرة أوفرض الرأي، وهي تعتقد ان الخلع فيه اثبات لذاتها، وانتقام لكرامتها المهدورة.
ولام شكري الاهل في تشجيع ابنتهم على الاقدام على الخلع دون تقديم النصيحة والإرشاد لها، وتوعيتها لسلبيات الإقدام على الخلع لما فيه ضرر عليها وعلى مستقبل أسرتها.
ويشاركه الرأي ابو محمد فيقول: كثير من النساء لا يتحملن مسؤولية الزواج، حيث يهدمن بيوتهن ويشتتن أطفالهن فيطالبن بالخلع من أزواجهن، لأجل وظيفة او حساب في البنك او السفر.
وأكد ما قاله إياد بأن للأهل دورا كبيرا في المسألة موضحا أن هناك عوائل للاسف لاتنصح بناتهن فتكون ردة فعلهن سلبية للغاية تعنتا.
جدل مستمر
رغم مرور خمس سنوات على اقراره، ما زال الجدل قائماً حول الخلع الذي يعتبر جزءاً من القانون المعدل لقانون الاحوال الشخصية.
فمن جهته، اعتبر القاضي الشرعي في محكمة الاستئناف الشرعية سامر القبج في تصريحات للجزيرة نت أن أبرز أسباب الخلع يعود "لإفرازات العولمة وتعلم المرأة فنون التمرد على الزوج واعتبار طاعته جزءاً من موروثات الماضي".
وقال ان العديد من قضايا الخلع ترفعها نساء حصلن على وظائف مهمة وذات مردود مادي جيد.
ولفت إلى أن أحد أسباب طلب الخلع هو عدم قدرة المرأة على إثبات الضرر المادي الواقع عليها.
وأضاف أن تعذر إقامة دعوى التفريق للشقاق والنزاع دفع بالنساء إلى إقامة دعاوى الخلع ضد الأزواج.
وما يؤكد دور الحياة المادية في أسباب الخلع أن 89 بالمئة من الحالات التي سجلت في الأردن في السنوات الخمس الماضية كانت في المدن الرئيسية (عمان والزرقاء وإربد).
بل إن محاكم في محافظات تصنف على أنها ذات طابع محافظ لم تسجل فيها أي قضية.
حيث تشير سجلات المحاكم الشرعية في الكرك وعجلون ومأدبا والطفيلة إلى عدم تسجيل أي قضية خلع جرى الفصل فيها.
مركز ميزان لحقوق الإنسان الذي يقدم الدعم القانوني والمادي للنساء المتضررات لا يقتصر دوره على تشجيع النساء على الخلع، كما تقول مديرته إيفا أبو حلاوة.
وترى إيفا أن قانون الخلع يظلم المرأة لكونه يلزمها بإيداع الحقوق الخاصة بالزوج في صندوق المحكمة، بينما لا يلزم قانون الأحوال الشخصية الرجل بإيداع المؤجل من المهر عندما يقدم على طلاق زوجته.
وبينت أبو حلاوة أن "ميزان" يقدم الدعم المالي والقانوني للزوجة لرفع قضية الخلع في حال تعنت الزوج ورفضه الإقرار بحقوق المرأة.
غير أن القاضي القبج يرى أن في "الخلع" إجحافا كبيرا بحقوق الرجل والمرأة، وقال "الزوجة المتضررة تكون مضطرة لإعادة ما قبضته من المهر ونفقات الزواج إذا طلبته قبل الدخول وهي مظلومة بهذا البذل". كما أن "الرجل الذي جهز بيتاً واشترى مصاغاً ذهبياً وتكبد مصاريف الزفاف من حفلات وغيرها، تأتي الزوجة الطالبة للخلع لتدفع له مهرها المسمى في العقد والذي لا يتجاوز دينارا واحداً في 50% من حالات الخلع".
شروط ومترتبات
التطليق بالخلع، كما يذكر المحامي مصطفى محمود فراج في دراسة ينشرها في موقعه على الانترنت، لا يحتاج من الزوجة لعناء الإثبات إذ يكفى أن تقر بأنها تبغض الحياة مع زوجها.
اما أنواع التطليق الأخرى فان الإثبات يقع على الزوجة مثل مرض الزوجة أو الضرر أو أي سبب أخر للتطليق.
وتبين الدراسة انه في حالة طلب الخلع قبل الدخول أو الخلوة تطلب الزوجة من القاضي التفريق بينها وبين زوجها إذا استعدت لإعادة ما استلمته من مهرها وما تكلف به الزوج من نفقات الزواج وللزوج الخيار بين أخذها عينا أو نقداً، وإذا أمتنع الزوج عن تطليقها يحكم القاضي بفسخ العقد بعد ضمان إعادة المهر والنفقات دون الحاجة الى أن يتراضيا فيما بينهما على الخلع بعكس حالة بعد الدخول أو الخلوة اذا يشترط أن يتراضيا فيما بينهما على الخلع فان لم يتراضيا عليه أقامت الزوجة دعواها بطلب الخلع.
وفي ما يتعلق بالأثار المترتبة على الخلع، تبين الدراسة ان الطلاق الذى يقع بالخلع هو طلاق بائن ومؤدى ذلك ان الرجل لا يجوز ان يرجع مطلقته المختلعه منه ويكون للطرفين ان يتزوجا مرة اخرى بعقد ومهر جديدين اذا اتفقا سويا، ولكن هذا الزواج لا يكون جائزا اذا كانت الطلقه التى اجراها القاضي بالخلع هى المكملة للثلاث.
وتوضح الدراسة كذلك انه لا تاثير للخلع على حضانة الصغار ولا على نفقتهما. كما انه لا تأثير له على ما يكون بين الطرفين من معاملات مالية اخرى كأن تكون دائنة او مدينة له. (ينشر بالتزامن مع صحيفة "