يتباهى أبو علي بخصوبته العالية، يقول متفاخراً "سأواصل الإنجاب حتى سن التسعين"، ينظر إلى أبنائه الذين يساعدونه في العمل ويتابع الحديث, "هؤلاء عزوتي"، كلهم يصبحون رجالا ويحملون اسمي.
أبو علي "45" متزوج من اثنتين ولديه من الأولاد "21 " يحلم بالزواج مجدداً، لا يقف أمام زواجه من امرأة ثالثة إلا سوء أوضاعه الإقتصادية كما يقول، يتابع "إذا الله فرجها على راح اتجوز الثالثة والرابعة".
يعمل أبو علي في تجارة "الخردة " يساعده في العمل أبناؤه الذين تتراوح أعمارهم بين العاشرة والثامنة عشر.
فيما ينهمك أبناء في تفكيك قطع الخرده وتنظمها حسب الصنف يقول”لولا هؤلاء الأولاد لاستعنت بعمال لمساعدتي" ويضيف:" لن يكون العمال حريصين على (المصلحة) كأصحابها".
غالبية أبناء أبو علي تركوا الدراسة للالتحاق بالعمل مع والدهم، أبو علي ليس حالة فردية في المجتمع الأردني "التقليدي" الذي ما يزال يدافع عن الأسرة الكبيرة ويؤمن بمفاهيم العزوة والجاه .
يتوقع الخبراء أن يتضاعف عدد سكان المملكة مرة أخرى بحلول عام 2030 إذا استمرت معدلات النمو على ذات الوتيرة، تأتي هذه التوقعات على الرغم من الجهود التي بذلت لخفض مستويات الخصوبة لتصل إلى (3.7 ) مولود لكل سيدة، وهي نسبة تعتبر من أعلى نسب الخصوبة في دول المنطقة.
التنمية والزيادة السكانية
استمرار الزيادة السكانية على ذات الوتيرة سيصاحبها جملة من التحديات على المستوى الوطني.
ووفقا لأمين عام المجلس الأعلى للسكان الدكتور زهير الكايد فان زيادة أعداد السكان سيفاقم من مشكلات الفقر والبطالة، إضافة إلى استيعاب كافة جهود التنمية الإقتصادية والإجتماعية،ويضيف النمو السكاني المرتفع سيشكل تحديا إضافيا على البلد باعتباره بلداً صغيراً في مساحته ومحدوداً في مصادره فضلاً عن بيئته شبه الصحراوية والتي تؤثر بشكل مباشر على التنمية .
في سياق متصل، يعتبر ارتفاع نسبة المعالين في المجتمع ( تحت سن 15 و فوق سن 64 ) تحدياً اضافياً يقف أمام جهود التنمية، وبحسب عطاف الحديد أخصائية البرامج السكانية في المجلس الأعلى للسكان فإن الصورة الديموغرافية في الأردن تنطوي على تحديات جدية،تتابع إن ارتفاع نسبة المعالين يفترض بالضرورة استثمار موارد مهمة في الخدمات التعليمية والصحية الأمر الذي يشكل ضغطا على الموارد الموجودة والتي من الواجب توجيهها نحو التنمية الاجتماعية والإقتصادية.
وفقا للإحصائيات السكانية فإن نسبة المعالين تحت سن 15 عام 36.4% ، فيما تصل نسبة المعالين فوق 64 عام إلى 3.2%.
إضافة إلى ما تسببه الزيادة السكانية من معيقات للتنمية فإنها تعد سبباً رئيسياً للفقر والأوضاع الإقتصادية الصعبة التي تعيشها الأسر الكبيرة.
نحو بلد منتج
أما الخوف من تضاعف عدد السكان نتيجة لاستمرار معدلات النمو الحالية، وما سيصاحب ذلك من تحديات اقتصادية واجتماعية طرح مفهوم الهبة الديمغرافية كوسيلة لإحداث تغير في السياسة السكانية في الأردن.
وبحسب مدير وحدة السكان والتنمية في المجلس الأعلى للسكان عبد الرحيم المعايطة فإن "الهبة الديموغرافية" هي التحول الديموغرافي في التركيب العمري للسكان بحيث تصبح نسبة السكان في سن العمل (15 سنة إلى 64 سنة) أكبر من نسبة الفئات المعالة (فئة اقل من 15 سنة وأكثر من 64 سنة).
وبناء على الخطة المقدمة لهذا التحول يتوقع أن تشكل نسبة الفئات المنتجة 70% من عدد السكان عام 2030.وفقاً للمعايطة.
ومن شروط التحول للوصول إلى " الهبة الديموغرافية " اخفاض معدل الإنجاب الكلي إلى (2.1) مولود لينخفض بذلك معدل النمو السكاني إلى ما دون (1.5%) بحلول عام 2020 بدلاً من (3.7 ).
كما يتزامن التغير مع نمو بطئ لفئة كبـار السن لتصل إلى ( 5%) من السكان وانخفاض نسبة السكان المعالين (صغار السن) من (36.4%) عام 2006 إلى (29.4%) عام 2020. وارتفاع نسبة (السكان في سن العمل) من (60.2%) عام 2006 إلى (66.4%) عام 2020.
وبحسب عطاف الحديد فإن التعجيل في الوصول إلى التحول الديموغرافي المنشود واستثماره يتطلب انخفاض معدل الإنجاب الكلي للوصول وانخفاض حجم الأسرة.
إضافة إلى انخفاض معدل الوفيات ، كما يتطلب انخفاض معدل الإعالة (صغار وكبار السن) وارتفاع عدد السكان في سن العمل.
خطوة على الطريق
في الوقت الذي يحلم فيه أبو علي بمواصلة الانجاب متجاهلاً جميع المشاكل والأعباء الإقتصادية التي يتحملها جراء ذلك ومستنداً إلى المثل القائل " الله بيبعث الولد وبيبعث رزقته معه " ، تنطلق حملة المباعدة بين المواليد من (3-5) سنوات ، من خلال استخدام وسائل تنظيم نسل حديثة.
ووفقاً لنائب المجلس الأعلى للسكان الدكتورأحمد قطيطات فإن الحملة لا تتعارض مع القيم والعادات المتبعة مؤكداً أن "المباعدة لا تعني تحديد النسل بل تنظيمه".
وتهدف الحملة التي تشارك فيها ، وزارة الصحة بالتعاون مع المجلس الأعلى للسكان، وبرنامج "الإعلام شركاء لصحة الأسرة "جامعة جونز هوبكنز الممول من الوكالة الأميركية للإنماء الدولي. إلى رفع معدل استخدام وسائل تنظيم الأسرة المختلفة من 65 إلى 70%، وصولاً إلى خفض معدل الخصوبة الإجمالي إلى 2.1% بدلا من 3.7 بحلول العام 2020.
وبحسب مديرة مديرية العناية بصحة الام والطفل في وزارة الصحة الدكتورة رويدا رشيد فإن أفضل طريقة للمباعدة بين المواليد اتباع وسائل تنظيم الأسرة الحديثة (حبوب منع الحمل واللولب... الخ) بهدف تحقيق درجة عالية من الأمان وعدم حدوث حمل غير مرغوب.
ووفقاً لرشيد فإن التحدي الأكبر يكمن في اقناع السيدات باستخدام وسائل تنظيم النسل الحديثة باستمرار دون انقطاع بالإضافة إلى تعزيز دور الرجل بدعم زوجته نفسياً في قرارها نحواستخدام الوسائل الحديثة التي تناسب جسمها وفقا لنصائح الطبيب".
من جهتها تؤكد الدكتورة نغم أبو شقرة، من مشروع القطاع الخاص لصحة المرأة، أهمية أن يكون قرار اختيار الوسيلة المناسبة لتنظيم الأسرة، مبنياً على المعرفة المستندة إلى المعلومات الصحيحة بهدف وصول الفرد إلى قرار مبني على معلومات دقيقة وواضحة.
واعتبرت أبو شقرة دور مقدمي الخدمات الصحية من الأطباء والعاملين في الحقل الصحي ذا أهمية كبيرة، كونه يتمحور حول مساعدة المستفيدين في التوصل بشكل دقيق واضح إلى المعلومات التي يحتاجونها وعن جميع خيارات وسائل تنظيم الأسرة.
في سياق متصل يقول قطيطات: "إن كل دينار يصرف على برنامج تنظيم الأسرة يحقق وفراً بقيمة 21 دينارا وإن الإنفاق بهذا الخصوص، الذي بلغ 25 ألفا و488 دينارا في عام 2005، يتوقع أن يجعل الوفر التراكمي يصل في عام 2020 إلى 8.02 بليون دينار".
قطيطات وهو يعمل مستشار النسائية والتوليد في وزارة الصحة ينفي أن تكون وسائل تنظيم النسل مسببت للعقم .
وبهدف تبديد مخاوف المتزوجات من الإصابة بالعقم نتيجة استخدام وسائل منع الحمل ينصح قطيطات المتزوجات بالإنجاب في السنة الأولى من الزواج والتأكد بأن ليس لديهن أية مشاكل في الخصوبة .
تنظيم النسل، خفض معدلات الخصوبة والنمو،"الهبة الديمغرافية"،خفض نسب المعالين، رفع نسب المنتجين والقضاء على الفقر، مفردات تتكرر في سياق التحول القادم ، تحول يهدف لخلق مجتمع منتج يساهم في دفع عجلة التنمية بعيدا عن المفردات التي ما زال يصر عليها أبو علي وأبناء جيله.
