الاقباط في مصر: ازمة متجددة

منشور 28 كانون الأوّل / ديسمبر 2004 - 06:32

اعتكاف الأنبا شنودة يعيد طرح ملف القضية القبطية

الأقباط يعانون التهميش في المؤسسات العامة وعقبات تعترض بناء كنائسهم

الدولة المصرية تؤجل الحلول... والشارع يتسلّم الملف ؟

تحقيق مارلين خليفة

عن صحيفة النهار اللبنانية

للمرّة الثانية يعتكف بطريرك الأقباط الارثوذكس والكرازة المرقسيّة في مصر الأنبا شنودة الثالث في أحد الاديرة بسبب مشاكل الطائفة مع الدّولة. فمن "الخطّ الهمايوني" الى التهميش السياسي والإجتماعي، جملة تراكمات بلغت ذروتها مع موجة اعتناق فتيات وسيّدات قبطيات الإسلام في ظروف غامضة.

إعتكاف الأنبا شنودة الثالث في دير وادي النطرون منذ الثامن من الشهر الجاري ليس حدثاً عادياً، ولا سيّما ان أحد معاونيه أعلن أن الإعتكاف مستمر "حتى يصل قداسته (مع الدولة) إلى حل يرضي ضميره لمجموعة من المشاكل الخاصة بالأقباط".

وكان بطريرك الأقباط إعتكف للمرّة الأولى في أيلول (سبتمبر) 1981 بعدما اتّهمه الرئيس المصري الراحل أنور السادات بالتورّط في إشعال فتنة طائفية، ولم يتراجع إلا بعد اغتيال السادات في الشهر التالي برصاص مسلمين متشددين.

الإعتكاف الأخير جاء عقب عودة زوجة أحد القساوسة وفاء قسطنطين الى حضن الكنيسة القبطية بعدما أعقب "اختطافها" استنفار أمني تمثل في طوق فرضه مئات جنود الأمن المركزي المصري على الكاتدرائية القبطية في القاهرة، التي تظاهر حولها الآلاف من الأقباط مالئين الدّنيا بهتافاتهم وصراخهم.

القضية طارت كالشرارة من محافظة البحيرة الى القاهرة حيث تضاربت روايتان: الأولى عاطفية والثانية دينية مما قسم الرأي العام وأثار الحيرة وفي حديث الى "النهار" اعتبر الناشط في مجال حقوق الإنسان في مصر المحامي محمود قنديل ان "عدم حصر الموضوع منذ البداية في محافظة البحيرة هو خطأ جسيم".

ويشرح أن "الرواية الأولى تفيد أن السيدة قسطنطين إرتبطت بعلاقة عاطفية مع زميل لها، أما الثانية فتقول أنها رغبت في اعتناق الإسلام وقصدت كما هو متعارف عليه في مصر مديرية الأمن في منطقتها لإشهار إسلامها، فاحتجزت للتحقيق.

وجاء اعتكاف الأنبا شنودة نتيجة تأخّر الجهات الأمنية في تسليم المرأة الى الكنيسة، وكان يجدر بمديرية الأمن تسليمها الى احد القساوسة الذي يقوم بإجراءات ما يعرف "بالنصح والإرشاد". فإذاَ أصرّت السيدة على الإسلام يرفع الأمر الى الأزهر للموافقة أو عدمها، لكن الملف اشتعل قبل وصوله الى الأزهر إذ كان في مراحله الأولى". حسب قنديل.

ويتساءل مفتي جبل لبنان محمّد علي الجوزو "لم لا يعتكف شيخ الأزهر حين تعتقل الدولة العشرات من الإخوان المسلمين بل المئات وتضعهم في السجون، ولماذا يغضب الأنبا شنودة وهو المدلّل من الدولة المصرية عندما تعتقل الدولة عشرات الشبان المشاغبين؟(...) ولم يريد أن يعامل الأقباط أفضل من المسلمين؟". ويعطي الجوزو لبنان مثالا: "تعتقل الدولة اللبنانية شبانا مسلمين ومسيحيين فلا يعتكف غبطة البطريرك ولا سماحة المفتي، فما هذا الدّلال القبطي وهذا "الدّلع"؟"

ويرى بعض المفكّرين السنّة أنّ قضية الإرغام على الإسلام غير حقيقية. ويجد المفكّر والباحث رضوان السيّد "أن في الأمر مبالغة، ولا سيما حين يحكى عن خمسين ألف قبطي يعتنقون الإسلام سنويا"، ويعلّق بقوله: "لا ننسى أن المسائل الدينية المتعلقة بالطلاق والتي تجعله شبه مستحيل، -وهو كذلك عند الكاثوليك تدفع بنسوة كثيرات يعانين مشاكل أسريّة الى تغيير دينهنّ بغية الخروج من أسر زوجية فاشلة".

ولعلّ إختفاء زوجة القس، التي روت الأخبار أن زميلها في العمل محمد المرجون "خطفها" وأرغمها على إشهار إسلامها، هو مثل على ذلك حتى إثبات العكس. ويقول مصدر قبطي مصري عليم لـ"النهار" أن دور الزميل في العمل غير معروف بعد، "وثمة آراء تذهب الى أنه ساعدها عبر توفير الكتب الإسلامية لها والتلاعب بالمشاعر كي تتحول الى الإسلام، ولا سيما أنها كانت تعاني أزمة عائلية شديدة ولم تكن ترغب في البقاء مع زوجها الكاهن المريض، وهو ما دفعها الى التفكير في التحوّل الى الإسلام أملا في الخروج من أزمتها".

المعلومات الأخيرة التي جمعتها "النهار" من أكثر من مصدر قبطي في مصر تشير الى وجود الحالات التي يتحدّث عنها رضوان السيّد، وإن كانت نسبتها غير معروفة. وتفيد آخر المعلومات أن السيدة قسطنطين خضعت أخيرا لجلسة "النّصح والإرشاد" مع المسؤولين في الكنيسة القبطية، ثم سلّمت الى النيابة العامّة حيث أقرّت بتمسّكها بإيمانها المسيحي، وصرفها وكيل النيابة فذهبت عقب ذلك مباشرة الى دير الأنبا بيشوي في وادي النطرون حيث يقيم الأنبا شنودة حاليا.

رأي الأزهر في هذه القضية غير معلن حتى اليوم. مع ذلك ثمة احتجاج صامت في أوساط بعض التيارات الإسلامية ضدّ موقف الحكومة التي "سلّمت في رأيهم مسلمة الى المسيحيين خاضعة لابتزاز قبطي". وينفي مدير تحرير مجلّة "وطني" القبطية سامح فوزي ذلك معتبرا أنه "غير صحيح، لأن ما حصل يوافق العرف المتّبع وهو إخضاع راغبي الإسلام لجلسات "النصح والإرشاد"، والسيدة لم تسلّم قانونا الى جلسة نصح وإرشاد ديني".

بين المشاكل العائلية التي تدفع بعض السيدات القبطيات الى اعتناق الإسلام، وبين الإضطهاد السياسي والإجتماعي الذي يشعر به أقباط مصر على أكثر من صعيد خيط رفيع. فالإستبعاد عن المراكز الحساسة في الدّولة، والإبعاد المتعمّد عن الشأن العام، والتضييق الديني، وقائع لا يمكن إنكارها عبر تاريخ هذه الطائفة. لذا، فإن مسألة شخصية تفصيلية تؤجج مشاعر مكبوتة عبر الزمن.

إسلام من أجل الطلاق؟

حالات أسلمة النساء القبطيات تثير اللغط، وليست السيدة وفاء قسطنطين البالغة من العمر 47 عاما حالة معزولة. فمنذ السّبعينات من القرن الماضي، تشهد مصر ظاهرة غريبة تتمثّل في اعتناق فتيات مسيحيات الإسلام، وهنّ غالبا دون السّن القانونية. ووفق بيان صحافي لـ "جمعية أقباط أوروبا" فإن "جهات مجهولة تقوم باختطافهنّ، ترهيبهنّ، تعنيفهنّ وأحيانا تتعرّضن للإغتصاب قبل أن ترغمن على الزواج بمتطرّفين إسلاميين".

وأشار بيان "جمعية أقباط أوروبا"، الذي صدر في 14 تموز(يوليو) 2003، الى أن هذه الممارسات "تحصل في وضح النّهار وعلى مرأى ومسمع من الشرطة والسلطات القضائية المصرية التي لا تقوم بأيّ رد فعل، فتبدو متواطئة مع الفاعلين. هذه الملفّات غالبا ما تصنّف تحت خانة "وقف التحقيق لعدم وجود أدلّة"، أو على أنها قصص حب كلاسيكية أو ممارسات فردية معزولة".

تقع هذه الحوادث عادة في القرى القبطيّة في مصر العالية، وهي أدّت على مرّ الأعوام الى نزوح كثيف لعائلات مسيحية نحو القاهرة تاركة وراءها أرض الأجداد لتعيش في الضواحي الفقيرة كما حيّ المقطّم بغية حماية فتياتها.

ويشير البيان المذكور الى أنّ " الخطة تنفذها جهات إسلامية أصولية كالإخوان المسلمين، ومؤيّدي الجهاد الإسلامي أو جماعة التكفير والهجرة بغية التخفيف من القرى المسيحية وشراء الأراضي بأسعار زهيدة".

هذا الأمر دفع شيخ الأزهر الى إصدار فتوى مفادها انه لا يحق للفتاة المسيحية الزواج بمسلم أو إعتناق الإسلام إلا إذا بلغت سنّ الرشد، وهو حسب القانون المدني 21 عاما، "لكن في الوقت عينه يقبل الأزهر بالفتيات القاصرات اللواتي تعتنقن الإسلام ولو تحت الترهيب".

الكنيسة القبطية تحدّثت مرارا عن هذه الأفعال، ولا سيما في سينودس الإسكندريّة في 17 كانون الأول (ديسمبر9 عام 1976 الذي طالب بإعادة تلك الفتيات الى عائلاتهنّ.

ومن الحالات الأخيرة اختطاف الآنسة أنوار راتب في 18 حزيران 2003، في قرية نزلة مصطفى قرب أسيوط، والآنسة نيفين كامل (17 عاما)، بتاريخ 12 نيسان (ابريل) 2003 في قرية تقع في محافظة المنية، مما حدا بشقيقتها الى إعلان الإضراب عن الطعام، والآنسة ميريان بيسادا التي اختطفت في 29 حزيران (يونيو) 2003 في قرية أبو طشت قرب القينة.

"ما من معلومات موثّقة في هذا الشأن" يقول محمود قنديل الذي عمل عشرة أعوام في مجال حقوق الإنسان في هذه القضايا، ويضيف: "كثيرا ما تختلط الحوادث الفردية والشخصية بالتوترات الدينية فيصعب الفصل بينها".

عاش مفتي جبل لبنان محمّد علي الجوزو في مصر بين عامي 1948 و 1960، واندمج في المجتمع المصري، وينفي "رؤية أحداث لخطف الفتيات القبطيات وإرغامهنّ على اعتناق الإسلام كما يتحدّث الإعلام"، ويتعجّب المفتي:" كأن المسلمين في مصر ينقصهم فتيات فيعوّضون عن ذلك باختطاف القاصرات القبطيات"، ووصف الحديث عن الموضوع بـ"النكتة السخيفة"، معتبرا أن "الأزهر الشريف ليست مهمّته متابعة الفتيات القبطيات للإهتمام بأمرهنّ"...

تظاهرة الشباب القبطي الأخيرة في الكاتدرائية القبطية في القاهرة هي الثانية، وحصلت الأولى في أعقاب نشر صحيفة "النبأ" صوراً فاضحة لراهب سابق مع سيدة عام 2001. يومها أغلقت الصحيفة ناشرة الصور، علما أنّ نشر الصور جاء بعد مرور عام على حوادث الكشح التي شهدت مقتل 21 قبطيا.

"تكشف هذه التطورات أن مرور أربعة أعوام على وقوع أزمة "النبأ" لم يؤد إلى حصول تغيير حقيقي في أسلوب إدارة الشأن الطائفي، أو معالجة المشكلات التي تنتج من توتر في العلاقات الإسلامية - المسيحية، بل بالعكس أدّى إلى تفاقمها وتمددها كمّاً وكيفاً". حسبما قال لـ"النهار" مدير تحرير مجلة "وطني" الأسبوعية التي تعنى بشؤون الأقباط في مصر سامح فوزي.

إدارة الأزمة من الدّولة

هذه الحقيقة تزيد من وطأة المشاكل الطائفية الصريحة بين المسلمين والأقباط في مصر، إذ تعني أن الجمر يكمن تحت الرّماد. ويعود التوتر الأول الى مطلع السبعينات عندما وقع أول حادث طائفي بين الطرفين، اذ تعرضت كنيسة في منطقة الخانكة لحريق. آنذاك اعتبرت القيادة السياسية بقيادة الرئيس أنور السادات أن "الحادث شأن سياسي يدار عبر مجلس الشعب".

هكذا تمّ تشكيل لجنة لتقصّي الحقائق برئاسة القانوني جمال العطيفي، أعدّت تقريرا شاملا عن المشكلات القبطية ولاسيما بناء الكنائس وترميمها، لكنّ التقرير لم يناقش، ولم يؤخذ بأي من التوصيات الواردة فيه، بل جرى تسليم الملف القبطي إلى وزارة الداخلية أسوة بملف الأصولية الإسلامية.

هذا التعاطي مثّل نقطة تحول في أسلوب إدارة هذا الملفّ من الدّولة المصرية الذي جرى نقله الى الشارع، "رغم أن المشكلات القبطية التي يتم تداولها حاليا تعود إلى بداية القرن العشرين إلا أنه لم يحصل أن نوقشت خارج الساحة السياسية، ولاسيما في الفترة التي سبقت ثورة 1952"، كما يرى سامح فوزي.

ويصرّ الأقباط على وجود اختلاف جوهري بين ملفّهم وملف الحركات الإسلامية. ويشرح فوزي: "ليس للأقباط أي مشروع سياسي يجسّد إرادة جماعية، ولم يتوسّلوا العنف في مسعاهم للمطالبة بالمواطنة الكاملة، بل ايّدوا الدولة والنخبة الحاكمة. ولم يحدث إلا في حالات فردية محدودة - أن انضمّ الأقباط إلى مشروع سياسي معارض أو مستقل عن مشروع الدولة. حتى اليسار الذي يعتبر من أشد القوى السياسية مطالبة بحقوق مساوية للأقباط في المجتمع المصري لم يستطع أن يجذبهم إلى صفوفه على نطاق واسع، ولا سيّما في الأعوام العشرين الماضية".

ويقارن: "أما الحركة الإسلامية - باختلاف فصائلها - فتملك مشروعا سياسيا مناهضا للشكل الحالي للدولة، ولأشخاص النخبة السياسية الحاكمة، وهي عبّرت عن خصومتها مع الدولة عبر حرب استنزاف طويلة أوقعت ضحايا في صفوف الفريقين فضلا عن المدنيين الأبرياء، مسلمين وأقباطا".

الأمن يمسك الملف القبطي

أدى اعتبار الملف القبطي شأنا أمنيا إلى انسحاب المؤسسات السياسية منه، وفي أفضل الأحوال تحوّل بعض مسؤوليها وسطاء بين أجهزة الأمن والمؤسسة الدينية، وتولّت الأولى الملفّ القبطي بأكمله الى درجة أنه بات من الضروري نيل موافقتها على بناء الكنائس وترميمها رغم صدور قرار جمهوري بتفويض السلطات المحلية (المحافظين) إصدار تصاريح الموافقة على الترميم.

الحوادث التي وقعت أخيرا "تكشف ضرورة عودة الملف القبطي إلى المؤسسات السياسية"، على ما يقول فوزي، ويضيف: "يبدو أن الاتجاه التفكيكي يسود المجتمع بوعي أو من دون وعي. فانتشار الشائعات الطائفية من دون التصدي لها لفترة طويلة، وصمت الإعلام الحكومي عن التصدي بشفافية لحوادث طائفية تتناولها الفضائيات على نطاق واسع وتتصدر مانشيتات صحف المعارضة، واستمرار خطاب إعلامي تقليدي عن الوحدة الوطنية والمؤامرة الخارجية، والركون إلى المفاوضات الطائفية في تسوية المشكلات التي تعبر عن حالة ما قبل المجتمع الحديث... كلها أمور تؤدي حتما إلى وجود قنوات تعبير طائفية أكثر حدة، مما يعني أن هناك ما يشبه الاتفاق الضمني اللاواعي على تمزيق وحدة المجتمع" .

ويعتبر فوزي أنه قد يكون "من الملائم عودة الملف القبطي مرة أخرى الى المؤسسات السياسية بوصفه قضية مواطنة وحريات وليس قضية أمن وذلك في إطار من دولة القانون، وإلا فسيتظاهر الشباب القبطي أمام مجلس الشعب وليس في ساحة الكاتدرائية، وسيخرج من حيز الفعل الطائفي إلى حيز الفعل السياسي".

ويوافق المحامي محمود قنديل على هذا الوصف مشيرا "الى ان ثمة خطأ جسيما في التعاطي الأمني مع الملفّ القبطي وهو مدمّر على المدى الطويل، ولا سيما مع ظهور شبح الخارج عند كلّ توتّر وتحديدا الولايات المتحدة الأميركية التي تستغل ملفّ الأقباط لأهدافها".

روزنامة أزمات ومطالب

طوال القرن العشرين والأزمات القبطية تتلاحق. ويروي فوزي أنه أجرى أخيرا دراسة تناولت رؤية المثقفين الأقباط الى الإصلاح السياسي شملت تحليلا لحوارات أجراها مع 21 مثقفا من داخل مصر والمهجر ينتمون إلى كل التيارات السياسية بلا استثناء، وهم اجمعوا على وجود مشكلتين أساسيتين. تتمثل الأولى في عدم تولّي الأقباط المواقع القيادية في المؤسسات السياسية وجهاز الدولة البيروقراطي واستبعادهم من أجهزة توصف بأنها العمود الفقري للدولة مثل أجهزة الأمن وسواها من المؤسسات التي ترتكز عليها الدولة، أما المشكلة الثانية فهي العقبات القانونية والإدارية التي تعترض بناء الكنائس وترميمها.

علما بأنّ المشكلة الأولى قائمة منذ أكثر من قرن، والثانية تعود الى العام 1856 تاريخ إصدار "الخط الهمايوني" الذي ابتدعه الخديوي، عندما اشتدّ الصراع بين الدولة العثمانية وبعض الدّول الأوروبية التي كانت تتدخّل في الشؤون الداخلية، فكان هذا الخط نوعا من إعطاء حقوق المواطنة للأقباط، وورد في نهايته جزئية صغيرة يطالب فيها السلطان "بأن من يريد بناء كنيسة يطلب من عظمتنا ويصرّح له".

هذه "الجزئية العثمانية" عملت بها الدّولة المصرية منذ أعوام، فلم يكن يُرخّص ببناء كنيسة إلا بقرار جمهوري خاص، وانسحب الأمر على الترميم حتى لو تعلّق الأمر بدورة المياه في المراحيض. وفي العام 1998 صدر قرار فوّض بموجبه الرئيس مبارك صلاحية الترميم الى المحافظين مما قلّل الفترة الزمنية المطلوبة للحصول على ترخيص.

ويعود الشعور بالإضطهاد لدى الأقباط الى 107 أعوام خلت. فقد قدّم وفد قبطي عام 1897 عريضة إلى المعتمد البريطاني في مصر اللورد كرومر ورئيس الوزراء المصري آنذاك مصطفى باشا فهمي يشكو فيها من عدم تعيين الأقباط في المناصب العليا وضعف تمثيلهم في المؤسسات السياسية. هذان المطلبان تكرّرا في البيان الصادر عن المؤتمر القبطي الذي انعقد عام 1911، لكن من دون جدوى.

وعام 1934 أصدر وكيل وزارة الداخلية ما يعرف بـ"الشروط العشرة لبناء الكنائس" كنوع من إستكمال للخط الهمايوني، أبرز هذه الشروط: أن تبعد الكنيسة عن أيّ مسجد مساحة لا تقلّ عن ألف متر، أن تبتعد عن مقابر المسلمين ومنازلهم، أن يكون عدد المسيحيين لهذه الطائفة المراد كنيسة لهم لا يقلّ عن ألف فرد، وعدم تهديد البناء الإستقرار السياسي.

ويرصد كتاب "فرّق تسد" للمؤلف زغيب ميخائيل والصادر عام 1950 مشكلات قبطية جديدة منها عدم تخصيص برامج في الإذاعة للأقباط، والقيود التي تعترض بناء الكنائس وترميمها وحرمان ما أسماهم الكاتب "نوابغ الطلاب الأقباط" البعثات الدراسية في الخارج.

تمثيل سياسي ضعيف

شهدت مرحلة الستينات إمعانا في تهميش دور الأقباط سياسيا، فأصبح وصول ممثليهم إلى البرلمان بالتعيين وليس بالانتخاب، على نقيض ما عرفته مصر في القرن التاسع عشر، عندما دخل الأقباط أول برلمان في تاريخ مصر الحديث وهو مجلس شورى النواب عام 1866 بالانتخاب وليس بالتعيين. هكذا لم يعد التمثيل السياسي للأقباط نابعا من الشعب بل من إرادة الحاكم. وبات التمثيل السياسي القبطي في حدوده الدنيا، فلا يوجد مثلا الا سبعة أعضاء منهم في مجلس الشعب (مجموع أعضائه 454)، وخمسة منهم جرى تعيينهم بقرار جمهوري ولم يصلوا إلى موقعهم بالانتخاب.

في السبعينات أصبح التيار الإسلامي جزءا من تحالف دشنه الرئيس السادات ويجمع التحالف الجديد البورجوازية الناشئة والبيروقراطية والتيار الإسلامي.

"إلا أن الصلح المنفرد مع إسرائيل سرّع بتهاوي هذا التحالف واضعا الإسلاميين في صفوف أعتى المعارضين لنظام السادات وخليفته الرئيس حسني مبارك. ومنذ ذلك الحين أصبح الأقباط رهائن صراع طويل بين الدولة والتيار الإسلامي. وتم باسم هذا الصراع تأجيل البحث في حقوق المواطنة الكاملة للأقباط في إطار تأجيل الديمقراطية ذاتها" حسبما يقول فوزي.

* * *

لا تعداد رسميا للأقباط ا ليوم. لكنّ التصريحات الرسمية، ومنها للرئيس حسني مبارك، تشير الى أنهم يشكلون 10 في المئة من سكان مصر أي سبعة ملايين، فيما تشير مصادر الأقباط الى أنّهم عشرة ملايين، وهم يعانون بالتالي الخوف الذي تشعر به الأقليات: "نحن مقبلون على تعميق فكرة الأقليات في مصر إذا استمرّ التعاطي الرسمي على هذا المنوال وأيضا التعاطي الديني، إذ تجاهر قيادة المسلمين بأن الأمور سليمة فيما الواقع مغاير. والحل يكمن في ترسيخ فكرة المواطنة وليس الطائفية القادرة على تدمير الوطن، ولا سيما أن الخارج، وخصوصاً الولايات المتحدة، تطلّ دائماً وراء أي مشهد للتوتر الطائفي بين الأقباط والمسلمين" كما يقول محمود قنديل.

ويميل المفتي الجوزو من جهته الى تبسيط الأمور معتبرا أن الحوادث الأخيرة سببها "زوجة قسيس هرم ضاقت ذرعا بالحياة مع زوجها فهربت من البيت، وحاولت إشهار إسلامها فرفض الأزهر وأحالها على لجنة من القساوسة أقنعوها بالعودة عن قرارها، ثم أرسلت الى الدّير، لكنّ عناصر الشغب استغلت الأمر ودخلت الكاتدرائية في العباسية وبدأت ترشق السيارات بالحجارة وتعتدي على المتاجر والدّكاكين مما إضطر العناصر الأمنية الى اعتقال بعض هؤلاء المتطرفين والمتعصّبين".

ويشير الجوزو أنه من حق الأنبا شنودة "أن يقف هذا الموقف أمام طائفته لإقناعها بالحرص على إطلاق سراح المعتقلين" لكن ليس من حقّه أن يحوّل الأمر فتنة طائفية هو العاقل الحكيم الذي يعرف تماما أن الدولة المصرية لا تفرّق بين قبطي ومسلم".

معاناة منذ أيام الأباطرة

القدّيس مرقس، كاتب أحد الأناجيل الأربعة، هو من أسّس المسيحية في مصر بعد مجيئه الى الإسكندرية (العاصمة الأولى لمصر) عام 48 ميلادية. وقبل المصريون القدماء أو الأقباط المسيحية فوقفوا انطلاقا من إيمانهم بالإله الواحد ضدّ ألوهية الإمبراطور الروماني مما جعلهم عرضة للإضطهادات. فصدر مرسوم العام 202 م. بوجوب منع الناس إعتناق المسيحية، تلاه آخر عام 250 م. يأمر المواطنين بحمل شهادة صادرة من السلطات المحلية تثبت أنهم قاموا بتقديم القرابين للآلهة ومن رفض منهم قطع عنقه أو ألقي للأسود أو أحرق حيّا بعد تعرّضه لأقسى أنواع العذاب.

ويعتبر الأقباط أنّ ذروة الإضطهاد الديني كانت أثناء حكم الإمبراطور دقلديانوس الذي مارس القتل الجماعي ووحشية التعذيب فسقط شهداء كثر واتخذوا من يوم أحد المجازر بداية للتقويم القبطي المعروف في الغرب بإسم Anno Martyrum أو عام الشهداء. لكنّ الكنيسة القبطية لم تتوقف عن النمو فاتّخذت شكلها النهائي في القرن الثاني. وبحلول القرن الثالث كان لها هيئة منظّمة من رجال الكهنوت تتدرّج بدءا من البطريرك في الإسكندرية حتى أبسط كاهن مرورا بالرهبان الذين يعيشون في الصحراء الشرقية والغربية.

ينتمي الأقباط الى الكنيسة الأرثوذكسية. وهم دعوا بعد الإنقسام في مجمع خلقيدونيا عام 451 م. الى الإيمان "بطبيعة واحدة للمسيح". ويعتبر ما نتج من مجمع خلقيدونيا من أسوأ المراحل في تاريخ الكنيسة القبطية في العصور القديمة، فاضطهدوا بسلطاتهم الدينية التي قسمت الى بطريرك تابع لبيزنطية وآخر أرثوذكسي ثم ارتكبت في حقهم المجازر الوحشية واستمر الإنقسام الى حين الفتح العربي عام 642 م. في مصر الذي اكمل مسيرة اضطهاد الأقباط. عاش الأقباط تحت الحكم العربي ثلاثة عشر قرنا تباينت فيها أحوالهم بين التعايش في تسامح نسبي أحيانا، فيما قاسوا أحيانا أخرى إضطهادات شديدة تبعا لأهواء كل حاكم.

* عن صحيفة "النهار" اللبنانية. 28 كانون الاول/ديسمبر 2004.

مواضيع ممكن أن تعجبك