التنقيب عن الاثار في القدس يكشف المزيد من الجدل

تاريخ النشر: 25 مارس 2010 - 06:21 GMT

يتسابق علماء الآثار في القدس للكشف عن قطع أثرية تشير الى الماضي اليهودي للمدينة لاستخدامها في تبرير مطالبة اسرائيل بأن تكون القدس بكاملها عاصمة الدولة اليهودية الحديثة. لكن المنتقدين يقولون ان بعض ما يتم التوصل اليه هو مجرد لي ذراع العلم لاثبات "ميراث توراتي" مازال مثار جدل.

ويقول رافاييل جرينبرج وهو عالم اثار اسرائيلي من جامعة تل أبيب عمل في القدس "تخلى الاثريون عن الكثير من أفضل أساليبهم من أجل تلبية المطالب المستمرة للاعبين سياسيين في الاساس."

ونظرا لسخاء التمويل الذي يأتي بعض منه من جماعات دينية عازمة على توسيع المستوطنات اليهودية ينفذ الاثريون أعمال الحفر بسرعة قياسية بحثا عن مواقع توراتية محتملة في القدس الشرقية المحتلة والمناطق المحيطة بها في الضفة الغربية.

ويقول المنتقدون إن الاعمال تسير بسرعة بالغة حتى أن انهيارات تحدث في بعض المناطق مما يزيد من حدة التوترات مع نحو 250 ألف فلسطيني يقيمون في القدس التي تسيطر عليها اسرائيل بالكامل منذ عام 1967.

وبدأت أعمال التنقيب عن الاثار في القدس منذ ما يزيد بكثير على قرن من الزمان - عندما بدأ هواة بريطانيون الحفر أسفل المدينة القديمة قبل 150 عاما مما كشف عن بقايا يقول الكثيرون انها لمستوطنة محاطة بالجدران كان يحكمها الملك داود الذي ورد ذكره في التوراة.

ومازال الحفر مستمرا في موقع مدينة داود الذي تحول الان كذلك الى مزار سياحي يرتاده نحو 400 ألف زائر سنويا. وتمول الموقع جماعة ايلاد التي تؤيد الاستيطان اليهودي.

وأوقف رجل في الستين من عمره يرتدي القلنسوة اليهودية مجموعة من الزوار كانت تتطلع للجدران الحجرية المشققة وفتح التوراة.

قال المتطوع الذي عرف نفسه باسم مردخاي "هنا وجد الاثريون ختما طينيا باسم (الملك) جيداليا بن فشحور الوارد في الاية 38.1 من كتاب ارميا." وأضاف "لا أعرف فيما أحثكم على التفكير فيه لكن ماذا يمكن أن يكون هذا المكان سوى المدينة التوراتية القديمة."

ولكن جرينبرج غير مقتنع بالتركيز المبالغ فيه على الكتاب المقدس.

ويقول "علم الاثار لا يمكنه أن يثبت أو يدحض ما ورد في التوراة." وأضاف "وجود اسم يشابه اسما ورد في التوراة لا يمكن أن يفسر بأكثر من ذلك.. انه مجرد اسم."

وقال ان بعض علماء الاثار يحاولون استرضاء الممولين مثل جماعة ايلاد التي تسعى لتأكيد وجود جذور توراتية وتطوير السياحة لتعزز المطالبة اليهودية بالمنطقة.

وقال جرينبرج الذي يعلن منذ فترة شكوكه بشأن التنقيب عن الاثار في القدس " بمرور الوقت عندما يمولك مثل هؤلاء الناس بمبالغ ضخمة - ونحن نتحدث هنا عن ملايين الدولارات- تصبح جزءا من الالة."

ويشعر علماء الاثار في القدس بالضغوط التي تمارس عليهم من كل جانب.

ويقول روني رايش وهو عالم اثار من جامعة حيفا في شمال اسرائيل " يراقب متطرفون دينيون عملي من كل جانب من البلدية وهيئة الآثار. كل يدفع من جانبه."

وكان رايش يتفادى مجموعات السياح وهو يتسلق الدرج الحجرية العالية لبحيرة سيلوام التي نقب فيها عام 2004. وتفيد نصوص الكتاب المقدس ان المسيح شفى ضريرا في هذا المكان.

ويؤكد رايش على أن مموليه من جماعة ايلاد لا يفرضون نفوذهم عليه وانه "لا يتفق" مع كل شيء تفعله ايلاد. وقال ان عمله يتعرض لهجوم ظالم. فالمنتقدون "لا يمكنهم محاربة ايلاد في المحاكم لذلك يستغلون أعمال الحفر التي أقوم بها" لمهاجمتها بالوكالة.

واستعراضا لرأي شخص من الخارج يتحدث الكاتب البريطاني سايمون جولدهيل في كتابه الصادر عام 2008 بعنوان "القدس.. مدينة الشوق" عن الحماس في أعمال الحفر التي تعيد كتابة النصوص كل عام تقريبا كما تحدث عن الجدل الشخصي المرير.

وكتب جولدهيل الاستاذ بجامعة كمبردج يقول "الخلاف الشديد على وضع الكتاب المقدس بالنسبة لعلم الاثار هو خلاف تقليدي في القدس." وأضاف "فهو يلامس العديد من القضايا الشخصية داخل الدوائر الصغيرة للعاملين بالاثار ويتشابك مع المشاعر السياسية المشحونة الخاصة بالتاريخ القديم لهذا البلد."

ويتهم بعض المنتقدين مثل هاني نور الدين من جامعة القدس الفلسطينية في المدينة بعض علماء الاثار العاملين هناك بأنهم يهتمون بالدعاية أكثر من اهتمامهم بمراجعات العلماء.

وذكر اسم ايلات مازار من الجامعة العبرية في القدس التي لفتت الانتباه الشهر الماضي باكتشاف جدار قالت ان الملك سليمان بناه في القرن العاشر قبل الميلاد.

وقال نور الدين "انها لا تورد أي سياق أثري لما توصلت اليه من نتائج سوى تأريخ قطع من الفخار." وتابع "يتعين تنحية التوراة جانبا فهو ليس كتاب تاريخ."

لكن مازار وهي سليلة أسرة تضم بعض أشهر علماء الاثار في اسرائيل ترد على ذلك قائلة "التنقيب في القدس دون معرفة ما ورد بالتوراة مستحيل." وقالت انها ستكتب تقريرا علميا بما توصلت اليه بعد دراسات معملية.

وتقول مازار مشيرة الى الجدار المكتشف حديثا ان التوراة توفر " جوهر الحقيقة" وتابعت "لدينا خط تحصين رائع يرجع تاريخه للقرن العاشر (قبل الميلاد) يشير الى نظام مركزي قوي." وأضافت "التوراة تبلغنا بأن مثل هذا الملك كان موجودا في هذا الوقت واسمه سليمان. فلماذا نتجاهل ذلك."

وقالت "السؤال هو ما اذا كان بامكاننا رصد ذلك واثبات وجوده. وها هو ذا."

ويشكو جرينبرج من أن التركيز على تواريخ بعينها للشعوب المقيمة على الاراضي المحيطة بالقدس قد يطمس حقيقة أن ما يكتشف هنا يمكن أن تكون له أهمية أكبر بكثير من مجرد اثبات أو دحض الروابط مع أسلاف جماعة أو أخرى.

وقال "علم الاثار الاسرائيلي يمكنه أن يسهم بالكثير للتاريخ ذاته عن تطور الحضارات الانسانية القديمة... ولكن اذا كان كل ما نتعامل معه هو من كان اليهود أو الفلسطينيون فان هذا أسلوب عفا عليه الزمن لعلم الاثار لا يقدم شيئا للعالم."