دمشق – البوابة من سعاد علي
مشادة كلامية تبدأ بالهمس وتنتهي بصوت مرتفع، المراجع يبدأ بالصراخ ويطلق سيلا من التهديدات للموظف في حال لم ييسر له معاملته، بينما الموظف يبتلع نصف لسانه ويحاول تلطيف الجو وإرضاء المواطن!!!
مشهد لم نألفه هنا في سورية، لكنه يؤكد أن شيئا ما قد تغير فعلا على صعيد العلاقة بين المواطن والموظف في هذا البلد؛ إنها الشفافية.. هذه الكلمة السحرية التي عرفت طريقها إلى مسامعنا دون عقولنا.. فلم نقتنع بأنها أصبحت حقيقة "لا ضحكا على الدقون".
لقد عرفت العلاقة بين المواطن والموظف في سورية نوعا من التسلط والاستهتار فظل المواطن في علاقته مع موظفي القطاع العام وطيلة عقود "يمشي الحيط الحيط" كما يقول المثل الدمشقي وذلك كيلا يتسبب في إثارة غيظ الموظف وبالتالي يكون السبب في تعطيل معاملته وإرسالها إلى غياهب الأدراج، لكنه وبعد رفع عدد من الشعارات البراقة كالشفافية والتطوير والتحديث الإداري، ومحاربة الفساد و التصدي للروتين، وعقب صدور تعليمات تسهيل معاملات المواطنين، بدأت هذه الصورة بالتغير ومالت نبرة المواطن إلى الارتفاع قليلا، وذلك للمطالبة بحق من حقوقه المهدورة، فصرنا نشهد مثل هذه الحوادث في بعض الدوائر الرسمية.
يقول السيد عصمت وهو مهندس في إحدى دوائر القطاع العام: أفكر جديا في ترك وظيفتي، لأن علاقتي المباشرة مع المراجعين حولت مهنتي إلى معركة. لا يمر يوم واحد دون أن احتك مع مراجع. الوضع اختلف كثيرا عما كان عليه في السابق عندما كان المواطن يتعامل معنا باحترام، أما اليوم ومع أول إشكال يحدث نسمع تهديدات باللجوء إلى جهاز الرقابة أو التشكي للمدير. المواطن على حق دائما ويجب علينا أن نقدم له شرحا مفصلا عن خطوات معاملته كيلا نتعرض لتهديداته، في حين لا يزال الروتين يخترقنا حتى العظم !!!
أما السيد أنور وهو موظف في مؤسسة تابعة للحكومة فيقول: أشعر وكأن بعض المراجعين يحاولون التشفي من الموظفين ردا على المرحلة السابقة عندما كان الموظف اقل عرضة للمسآلة.
نحاول في مديريتنا تسيير أمور المواطنين قدر استطاعتنا ولكننا محكومون بجملة معوقات، فنحن نفتقر إلى الأتمتة، وإلى الخبرات، ومعظم الموظفين ليسوا مؤهلين للقيام بهذا العمل. بعض المراجعين يتفهمون الوضع والبعض الآخر لا يتردد في طرق باب المدير العام للتشكي. باختصار المسألة تغيرت كثيرا عن السابق ولا يجب الوقوف إلى جانب المراجعين قبل تأمين الاحتياجات الكاملة لموظفي الدولة وتغيير القوانين التي خلقت الروتين وساهمت في إيصالنا إلى هذه الحالة. كذلك فنحن أيضا مواطنين ولدينا معاملات شخصية في دوائر رسمية أخرى ولكننا لا نفعل مثل هذه مع موظفي تلك الدوائر في حال تأخرت معاملاتنا قليلا.
من المؤكد أن عوامل أخرى أثرت في هذه المسألة ومنها التغيير الذي طرأ على الطريقة التي يتم اختيار فيها مدراء الدرجتين الثانية والثالثة والتي لم تعد على أساس الولاء المطلق للحزب والمخابرات القادرين على حمايته دائما، فكانت النتيجة مدراء ضعفاء ولا يشعرون بأنهم "مسنودين" وهذا ما جعل الموظفين يبادرون إلى تسيير أمور المراجعين خوفا من أن يكونوا كبش فداء لن يتردد المدير بالتضحية بهم، ليس من مبدأ النزاهة، بل من مبدأ "اللهم نفسي".
لم يصبح موظفي القطاع العام في سورية ملائكة بعد.. فالمرتشون لا يزالون حاضرون بكثرة، و"المسنودون" لم ينقرضوا بعد.. والمستهترون بقضايا المواطنين موجودون أيضا.. لكن شيئا ما قد تغير ويأمل الكثيرون أن يصبح هذا التغيير القاعدة لا الاستثناء.