الصحافة تبحث عن وظيفة على مواقع التواصل الاجتماعي

منشور 24 كانون الثّاني / يناير 2017 - 05:28
الكل صار صحافيا

الكل صار صحافيا
الكل صار صحافيا الكل صار صحافيا

يقف جون هينلي منحنيا أمام جهاز الكومبيوتر الذي تم توصيله قبل قليل بشاشة عرض كبيرة في إحدى القاعات القابعة في قلب مبنى صحيفة الغارديان في وسط لندن، وقد ملأ الحماس المشوب بالقلق ملامحه. وبحركات سريعة على منصة صغيرة تبدو وكأنها أدوات يلجأ إليها هينلي لترتيب أفكاره، يضع رزمة أوراق على طاولة أمامه وينتصب أمام ما يقرب من مئة شخص استعدادا لبدء الحديث عن موضوع الساعة في عالم الصحافة والإعلام: كيف ستبدو الصحافة في مستقبل تهيمن عليه وسائل التواصل الاجتماعي.
وبات فيسبوك وتويتر قادرين على ربط الناس ببعضهم البعض، في حين يعطي غوغل القراء الخيار للذهاب مباشرة إلى ما يريدونه، وليس ما يريده محررو الصحف، الذين عادة ما يحبون أن يستمع الناس فقط إلى ما يريدون قوله. وهينلي، الذي عمل طوال عشرين عاما صحافيا متنقلا في الغارديان، أحد أهم أعضاء الفريق المسؤول عن رقمنة محتوى الغارديان، كما يلعب دورا هاما في إدارة فريق السوشيال ميديا في الصحيفة التي يصل عدد زائري موقعها إلى أكثر من 8 ملايين قارئ يوميا.

ويقول هينلي وهو يحك لحيته التي غزاها الشيب إن “الصحافيين لم يعودوا حراس الحقيقة”. وأضاف “لقد كنا نحدد في السابق ماذا يجب أن يقرأ الناس كل صباح، وكانت سلطة تصنيف ما هو الخبر وما ليس خبرا في أيدينا حصرا. الأخبار كانت تتدفق باتجاه واحد من الصحافي إلى القارئ فقط”. لكن ظهور موقعَيْ فيسبوك وتويتر وتطبيقات اتصال أخرى قوضت الكثير من صلاحيات الصحافة التقليدية، وقضت على تصورات جيل كامل من الصحافيين.

واليوم يستطيع أي شخص يحمل هاتفا ذكيا في أي مكان في العالم أن يتحول إلى صحافي للحظات، إذ يكفي نشر صورة مع تعليق فوقها على تويتر لتوجيه أنظار مؤسسات إعلامية كبرى إلى حدث يقع في منطقة نائية. ويقول هينلي، وقد كان الأسى ظاهرا من خلف نظارات دقيقة جعلته يشبه فيلسوفا من العصور الوسطى، “اليوم إذا كنت تملك هاتفا ذكيا فإنك تستطيع الإتيان بعمل من أعمال الصحافة. لطالما عرف القراء أكثر مما يعرف الصحافيون، لكنهم لم تكن لديهم الفرصة أبدا للتعبير عن أنفسهم، واليوم باتوا يملكون الفرصة في وقت صار فيه تدفق المعلومات يجري في مليون اتجاه”.


وفي السابق كان نشر أي من المقالات والتقارير هو نهاية رحلة بناء القصة وإيصالها إلى القارئ، لكن اليوم باتت مرحلة النشر هي البداية التي تسبق نقاشا واسعا حوله. ويقول الصحافي الأميركي جيف جارفيس إن “عملية التعامل مع الجمهور على أنه كتلة متماسكة والتعامل معه باتجاه واحد، ومقاس واحد يناسب جميع المنتجات، لم تعد أمرا ملائما”. ولم تعد المصادر الدبلوماسية أو الحكومية التقليدية هي الهدف الأول للصحافي الذي يعمل ميدانيا في دولة أخرى، إذ أصبحت مواقع التواصل هي الجسر الذي يعبر فوقه الصحافي إلى الناس.. المصدر الطبيعي لأي قصة صحافية حقيقية.

وباتت استراتيجية العمل الجديدة تعرف بـ”رحلة التغريد”، وتعتمد على تواصل الصحافي مع شبكة واسعة من متابعيه على مواقع التواصل الاجتماعي، وتحويلهم إلى مصادر فعالة. وهذا بالضبط ما فعله هينلي قبل الذهاب إلى اليونان لتغطية تأثير الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي ضربت هذا البلد الأوروبي الصغير على طبقات واسعة من الفقراء. وفي طريقه إلى مطار هيثرو في لندن، نشر هينلي تغريدة على تويتر قال فيها إنه في طريقه إلى أثينا “بحثا عن قصص تمس حياة البشر. أحتاج إلى المساعدة”. وعلى الفور تفاعل مع تغريدة هنلي المئات من المغردين الذين تحولوا فيما بعد إلى مصادر لأكبر تغطية صحافية باللغة الإنكليزية لمأساة اليونان.

ويقول هنلي “تركت لندن وكان لدي حوالي 400 متابع على تويتر، ووصلت أثينا وقد صار لدي 800 متابع، ومع نهاية الأسبوع وصلوا إلى 1200 متابع”. وأضاف “بعد هذه الرحلة تحولت جذريا إلى وسائل التواصل الاجتماعي كأداة صحافية ناجعة. بالنسبة إلى الصحافي مواقع التواصل هي رأس مال لا ينازعه شيء آخر”. ومؤخرا ابتكرت مجموعة من التقنيين في الغارديان برنامجا جديدا يمكن القراء من متابعة المكان الذي يغرد منه الصحافي على الأرض. وسهل ذلك كثيرا من إمكانية التواصل معه من قبل الناس العاديين بشكل غير مسبوق.

 


جريدة تويتر

تقول مالوري لوتشيش، المتخصصة في عالم الاتصالات، إن “الناس يقرأون الأخبار ويتبادلونها ويتفاعلون معها عندما تنشر أول مرة من قبل أصدقاء يعرفونهم وأشخاص يثقون بهم”. وشكل هذا التصور الفلسفة التي تحول تويتر من خلالها إلى موزع أخبار. وكما ينشر الصحافي مواده على صفحات جريدة مطبوعة أو موقع إلكتروني يحظيان باهتمام واسع من القراء، ينشر القراء على “صفحات تويتر” الذي بات يحظى باهتمام واسع من الصحافيين.

وبات تويتر لدى الكثير من الصحافيين المصدر الأساسي لأفكار تتحول لاحقا إلى قصص نابعة من بين صفوف الناس، من دون أن تهبط عليهم من أعلى كما كان يحدث في السابق. ولا يتوقف صحافيون كبار في الغارديان عن التغريد. وفي أروقة المبنى الضخم القريب من محطة “كينغز كروس″ المركزية في لندن، يجلس صحافيون من كل الأعمار على مقاعد في كافتيريا كبيرة صممت على الطراز الحديث، منهمكين في التحديق في شاشات هواتفهم.

ويؤمن هؤلاء، ومعهم كثيرون آخرون، بأنهم يمرون بمرحلة مخاض انتقالية ستنتهي بموت الطرق التقليدية لممارسة الصحافة، التي لم تكن تحظى بثقة ما كان يعرف في السابق بـ”الجمهور”. والمخاض الذي تعيشه الصحافة اليوم هو المرحلة التالية لمرحلة التأسيس، التي استغرقت أكثر من قرنين تم خلالهما صياغة المبادئ الأساسية للصحافة الحديثة: الشفافية والمصداقية والتشويق. وتحقق الكثير من مبادئ كانت تمثل أعمدة العمل الصحافي، لكنها لم تكن كافية لكسب ثقة القارئ.

وعلى عكس ما كان متوقعا، ساهم العصر الرقمي في إعادة بناء الثقة بين الصحافي والقارئ، بعدما بات بمقدور الأخير التفاعل والتأثير في قصة صحافية أكثر ملاءمة لاحتياجاته. وحولت “رقمنة الصحافة” الصحافي التقليدي إلى مدون، ضمن سياسة تبنتها الغارديان التي باتت تجذب كبار المغردين وتضيف متابعيهم إلى جمهورها. ويقول إياد بركات، الخبير في التكنولوجيا والسوشيال ميديا، “الغارديان كانت من أوائل الصحف العالمية التي تنبهت وتفاعلت إيجابيا مع الثورة الإعلامية التي أحدثها الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، فهذه الثورة لم تأت فقط بأدوات نشر حديثة ووسائل تواصل جديدة مع الجمهور بل غيرت طبيعة الجمهور جذريا”.

وأضاف بركات، الذي كان يجلس على بعد خطوات من هينلي، بينما كان الأخير يصول ويجول على المنصة محدثا صخبا ينم عن حماس كبير، إن “القارئ لم يعد مجرد قارئ وبالتالي غيرت الغارديان سياستها واستراتيجيتها الصحافية على هذا الأساس، وكان هذا جليا في الاستراتيجية الإعلامية التي أطلقتها الغارديان في السنوات الأخيرة، وسمتها الإعلام المفتوح، وما تلاها من تحولات طبقتها كل مؤسسة الغارديان ورسخت مكانتها الحالية كأهم المؤسسات الصحافية في العالم”.

وفي مايو 2013 نشرت الغارديان تحقيقا حوى جميع وسائل الإعلام الممكنة لتغطية نيران كبيرة التهمت أجزاء واسعة من الغابات في أستراليا، وراح ضحيتها العشرات. وقاد هينلي فريق الصحيفة على الأرض، الذي نجح في إنتاج قصة كبيرة حظت بتغطية واسعة من وسائل إعلام عالمية. ونشر التحقيق تحت عنوان “عاصفة النار”. وتم تقديم القصة في شكل مجموعة من الأشرطة المصورة التي تم تركيب فقرات القصة عليها، إلى جانب لقاءات صوتية وأخرى مصورة قدمت صورة واقعية حينها لمعاناة الآلاف من الأستراليين.

وجسد التحقيق لأول مرة صورة حية لشكل الصحافة في مستقبل تحكمه التنافسية بشكل كبير. لكنه كشف أيضا عن دور القصة الصحافية في خلق مصادر تمويل جديدة، في وقت تعاني فيه الصحافة من شح متسارع في مصادر التمويل.

 


انقطاع الأكسجين عن الصحافة

يقول جيف جارفيس إن “الصحافة النوعية ستزدهر نتيجة لعلاقة استراتيجية تتمحور حول المجتمعات والمصالح المشتركة”. لكن المشكلة الرئيسية ما زالت في الإيرادات، وكيفية تمويل الصحافة في وقت قادم لن يكون فيه أي قارئ مستعدا لأن يدفع ثمنا لها. والصحافة الحقيقية اليوم في حالة بحث دائم عن الأموال التي تغطي كلفة الإنتاج، من بينها الموارد الثقيلة والتحقيقات الصحافية وشهود العيان والتقارير المستقلة من مناطق الصراعات الدولية.

ومن دون المال، مهما كان الشكل الجديد الذي تبدو عليه الصحافة ومهما كانت النوايا الحسنة للصحافيين، تبقى الصحافة في خطر. وأصبحت شركتا غوغل وفيسبوك الموزعين الأكبرين للمحتوى الصحافي في العالم، وبات دور الصحافيين مقتصرا على توفير المواد الخام التي يمكن الاستفادة منها. ويقول باحثون كثر إن الصحافيين في حاجة ماسة للتوصل إلى تسوية مع عمالقة التكنولوجيا الجديدة، الذين باتوا يمثلون البديل عن الصحف، كأقطاب إعلامية جديدة.

ويقول جافريس “نحن نعمل على إنشاء المحتوى، وهم يعملون في مجال التوزيع. هم يحتاجون إلى منتجاتنا ونحن بحاجة إلى جزء من أرباحهم كي تمولنا”. ومن دون التعاون بين “المنتجين” و”الموزعين” ستتحول الصحافة إلى”شورناليزم” (الصحافة الخفيفة/ صحافة المواطنة). وسيتسبب دور الصحافة الجديد، كمجرد وسيط لإنتاج المحتوى، مع الوقت في تنازل الصحافة عن وظيفتها الأساسية كمحرك أساسي خلف أي نظام ديمقراطي حقيقي.

ولجأت صحف كبرى، كصحيفة التايمز وفاينانشيال تايمز ونيويورك تايمز وواشنطن بوست، إلى البحث عن مصادر تمويل عبر جمع اشتراكات شهرية من قراء الموقع الإلكتروني للصحيفة. لكنها تحاول في نفس الوقت تحويل مواقع التواصل الاجتماعي إلى مصادر تمويل جديدة عبر زيادة عدد المتابعين تدريجيا. ويقول بركات “نجاح مؤسسات الإعلام المهني المحترف واستمرارها مستقبلا يتطلبان اتباع استراتيجية مشابهة لما طبقته الغارديان، استراتيجية تتقن أدوات ومنصات التواصل الاجتماعي الإعلامي الحديثة وتأخذ بعين الاعتبار الطبيعة المختلفة للإنسان المعاصر الذي بات صانعاً للخبر وناشراَ وموزعاً ومعلقاً يتمتع بإطلاع واسع وقدرة عالية على الوصول إلى الآراء المختلفة”. وأضاف “عن قريب ستتوفر أدوات وتطبيقات ذكاء صناعي تمكن الجمهور من فحص كل ما يقال في الإعلام حتى أثناء البث التلفزيوني الحي والتدقيق في صحة كل معلومة تقال فوريا، هذه التغيرات القادمة ستثبت مكانة وسائل الإعلام المهنية المحترفة مثل الغارديان”.

مواضيع ممكن أن تعجبك