العقل الاستراتيجي في الرياض يتبنى تصور "الفرصة الأخيرة"

منشور 13 كانون الثّاني / يناير 2016 - 04:18
العاهل السعودي
العاهل السعودي

 

رأت دراسة نشرها مركز الجزيرة للدراسات أن التحولات التي تشهدها المنطقة، ويشهدها العالم أيضًا، دفعت الرياض إلى عدم الركون لدعم الحلفاء؛ ما جعل العقل الاستراتيجي في الرياض يتبنى تصور «الفرصة الأخيرة».

 


وأوضح الباحث منصور المرزوقي في دراسته التي جاءت تحت عنوان " عامٌ للملك سلمان في قصر اليمامة: قطيعة أم امتداد؟" أن تبني تصور "الفرصة الأخيرة" يعني أن أي مشروع تبدأه الرياض تتم إدارته وكأنما لا يوجد هنالك فرصة ثانية، فلا خيار سوى النجاح، لأنه لا يمكن الاعتماد على الحلفاء في حالة الفشل. هذا الشعور بالخطر الوجودي يعمل، كما يقول المفكر الاستراتيجي، صامويل جونسون، على تركيز القدرات بشكل عجيب. والخطر، كما يجادل المؤرِّخ في الفكر الاستراتيجي، لويس قاديس، هو مدرسة في الاستراتيجية.

 


ويرى المرزوقي أنه للمرة الأولى منذ العام 1975، تتجاوز إدارة الدولة ظاهرة (theateritis)، كما يسميها المخطط العسكري جورج مارشال، والتي يمكن ترجمتها بـ «تجزئة مسرح العمليات». تعني هذه الأخيرة أن ينظر كل جنرال في احتياجات مسرح عملياته، بشكل منفصل عن الجنرالات الآخرين واحتياجات مسارح عملياتهم؛ مما يعوق النظرة الشمولية للحرب.

 


وفي ضوء هذا التحول، يتابع الباحث، يمكن فهم إلغاء الغالبية العظمى من المجالس العليا في الدولة، وتركيز كل طاقاتها في مجلسين اثنين، هما: مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية ومجلس الشؤون الأمنية والسياسية. وعلى الرغم من ذهاب البعض إلى أن هذه الخطوة هي ذات أبعاد سلطوية، إلا أن التحول في الفكر الاستراتيجي الذي قاد إلى مفهوم «الفرصة الأخيرة» جعل إدارة الدولة تنظر إلى «تجزئة مسرح العمليات» كعائق رئيس يجب التخلص منه، من هنا يمكن فهم سبب إنشاء هذين المجلسين.

 


وتشير الدراسة إلى أنه "في ضوء ما سبق، تبنَّت الإدارة الجديدة في الرياض خطوات جريئة داخليًّا وخارجيًّا؛ فعملية "عاصفة الحزم" في معناها الرمزي هي عنوان للفكر الاستراتيجي السعودي داخليًّا في المقام الأول ثم خارجيًّا في المقام الثاني".

 


هكذا، كما يقول الباحث، يمكن فهم مشاريع الخصخصة التي تمس قطاعات وشركات ذات أهمية كبرى ليس للاقتصاد السعودي فحسب، بل وللاقتصاد الإقليمي والعالمي، كعملاق الطاقة الدولي «أرامكو».

 

لقد اتخذ القطاع الخاص دورًا رئيسًا في هذا السياق، فلأول مرة -منذ بروز اقتصاد وطني على مستوى الدولة في عام 1953 (لحظة توحيد إدارة الدولة تحت سلطة مجلس وزراء واحد، وإلغاء مجلس الوكلاء وتحويل صلاحيات مجلس الشورى التشريعية والتنفيذية لمجلس الوزراء الجديد)- يصبح القطاع الخاص أداة من أدوات السياسة الخارجية، سواءً من حيث توفيره للبنية التحتية الملائمة لدعم دور المملكة العربية السعودية الإقليمي والدولي، أو من خلال حضوره في علاقات الرياض الخارجية.

 


ويرى الباحث أنه إذا فهمنا أن هذه التحولات تهدف في المقام الأول لتوفير بيئة استراتيجية قوية لحفظ أمن السعودية ودعم دورها الإقليمي والعالمي، يمكننا فهم الاتجاه الذي تتخذه التحولات الاقتصادية؛ فلقد تبنَّت الرياض خطة اقتصادية طموحة تهدف لتوفير ستة ملايين فرصة عمل خلال الـ 15 عامًا القادمة ورفع دخل الأسرة بنسبة 75%، لمواكبة الزيادة السكانية وتحديات البطالة.

 

وتقوم هذه الخطة على استهداف قطاعات سريعة الإنتاج والعوائد، لأن البيئة الاستراتيجية لحفظ أمن السعودية ودعم دورها بحاجة ماسَّة لعوائد مجدية في أقرب فرصة ممكنة؛ فالرياض بحاجة لما يسمى بقطاعات الإنتاج السريع (low hanging fruits).
ويخلص صاحب الدراسة إلى أنه "في ضوء ما سبق، يمكن فهم الإجراءات الاقتصادية في المدى المتوسط، والتي تهدف إلى تعزيز قدرات الدولة في المقام الأول. ويبدو أن المخططين الاقتصاديين في الرياض يراقبون نتائج هذه الخطة لاستنباط التوجهات بعيدة المدى، والتي يمكن أن تتركز على تعزيز جودة حياة الفرد لتفادي وضع يكون فيه فقيرًا في ظل دولة ثرية".

 


دور الإسلام السياسي في تحالفات السعودية الخارجية

 


وأكدت الدراسة أنه فيما يخص دور الإسلام السياسي في تحالفات السعودية خارجيًّا؛ فقد تحول من موقف متردد بين مواجهة صعود الإخوان المسلمين ومواجهة صعود إيران، إلى حسم القرار عبر إعطاء الأولوية المطلقة لمواجهة إيران. وأشارت إلى أن لهذا الأمر ظروفه الموضوعية والتي تمثَّلت في بداية الدولة السعودية الرابعة؛ مما قاد إلى تموضع الرياض في مكان الفعل، لا ردَّة الفعل كما كانت الحال سابقًا.

 


وذكرت الدراسة أن إيران تسعى للهيمنة على مناطق تماس واهتمام للرياض مما يشكِّل تهديدًا مباشرًا لأمنها، وبالإضافة إلى كونه خطرًا في ذاته، يمثِّل هذا السعي الإيراني للهيمنة تهديدًا على مستوى آخر؛ حيث يستخدم أدوات تشكِّل خطرًا على الرياض وعلى عواصم المنطقة أيضًا؛ هذه الأدوات هي أدوات "اللاعب غير الدولة".

 


وتابعت الدراسة , فبحُكم العقوبات والعُزلة الإقليمية والدولية طوال العقود الثلاثة الماضية، لم تتمكن إيران من استغلال كامل أدوات الدولة القومية (the nation-state). فلجأت إلى أدوات "اللاعب غير الدولة" the non) state-actor(، كحزب الله الحجاز، وحزب الله الكويت، وحزب الله لبنان، وفيلق بدر وجيش المختار في العراق، وجماعة الحوثي في اليمن وغيرها. وهي تعتمد في تحالفها مع هذا "اللاعب غير الدولة" على الطائفية. حيث ينبغي أن يكون الإحساس بالهوية الطائفية عاليًا حتى يتمكن "اللاعب غير الدولة" من الاستقطاب والحركة.

 

 

وفي نفس الوقت، لابد أن تكون الحكومة المركزية ضعيفة لكي يتمكن "اللاعب غير الدولة" من الفعل والتأثير. في المحصلة، يقود اعتماد طهران على "اللاعب غير الدولة" إلى ضعف الحكومات المركزية، وسيادة جوٍّ عام من الصراع الطائفي وعدم الاستقرار. وتشكِّل هذه البيئة حاضنة مثالية لتمدد التنظيمات المتطرفة "كداعش والقاعدة"، ويعتبر هذا تحديًا مزدوجًا للرياض.

 


وأشارت إلى تبنَّى فريق الحكم الجديد في الرياض مقاربة منهجية تتمثل في العمل على حرمان طهران من أداتها الرئيسة والمتمثلة أساسًا بـ "اللاعب غير الدولة"، وذلك من خلال تكثيف العمل في مجال مكافحة التنظيمات التي توصف بالمتطرفة والإرهابية كفيلق بدر وداعش وجماعة الحوثي وتنظيم القاعدة. وكان ذلك عبر دعم الحكومات المركزية بدايةً، ثم حسمت الرياض خياراتها الاستراتيجية وتبنَّت تنحية الخلافات مع جماعة الإخوان المسلمين جانبًا. لقد فتح ذلك المجالَ لعودة ثنائية المحاور؛ ما أدَّى إلى تجلِّي التقارب السعودي-القطري-التركي.

 


يأتي هذا السياق ضمن سياق دولي أعم تمثَّل في صعود عدم القطبية ما أحدث فراغًا في مناطق عديدة من العالم، من بينها الشرق الأوسط. من هنا، يمكن الانطلاق لفهم «التحالف العربي الذي يخوض عملية عاصفة الحزم»، و«التحالف الإسلامي لمكافحة الإرهاب»، و«مجلس التعاون الاستراتيجي بين الرياض وأنقرة».

 


وأوضحت أن عاصفة الحزم انطلقت في تحالف من عشر دول بقيادة المملكة العربية السعودية ويهدف إلى منع رزوح اليمن تحت نفوذ طهران، وذلك من خلال إعادة الرئيس الشرعي عبد ربه منصور هادي إلى السلطة. فالهدف الرئيس لعاصفة الحزم إذًا هو منع تحول اليمن إلى عراق آخر، تُتخذ قراراته في طهران بدلًا من صنعاء.

 

 

لكن هنالك هدف آخر على درجة عالية من الأهمية يتمثل في إعادة هيكلة مؤسسات الدولة اليمنية، ويشتمل ذلك على إعادة هيكلة المؤسسات الأمنية وإدماج القبيلة في مؤسسات الدولة، بحيث تصبح جزءًا منها، لا كيانًا موازيًا لها.

 

وبينما تحقق الهدف الأول، وهو منع سقوط صنعاء «كعاصمة عربية رابعة تسيطر عليها طهران»، سيتطلب تحقيق الهدف الثاني وقتًا طويلًا وجهدًا كبيرًا.

 


ولفتت إلى إعلان الرياض عن تشكيل التحالف الإسلامي لمكافحة الإرهاب، في 15 ديسمبر/كانون الأول 2015، بقيادة السعودية ومقره الرياض. ولهذا التحالف سابقة.

 

 

فلقد دعا الملك الراحل، عبد الله بن عبد العزيز، حينما كان وليًّا للعهد آنذاك، لإنشاء مركز دولي لمكافحة الإرهاب في منظمة الأمم المتحدة، أثناء افتتاحه للمؤتمر الدولي لمكافحة الإرهاب الذي عُقد في الرياض في 5 فبراير/شباط 2005، بمشاركة 55 دولة و7 منظمات دولية(7).

 

ولم يبدأ المركز عمله في مقر الأمم المتحدة إلا في عام 2011، تحت رئاسة مندوب الرياض الدائم لدى الأمم المتحدة السفير عبد الله المعلمي، وذلك بعد أن قدَّمت المملكة العربية السعودية تبرعًا بمبلغ 100 مليون دولار(8).

 


ويهدف التحالف الإسلامي لإنشاء إطار للتعاون في مكافحة الإرهاب، وينطلق من بروتوكول لتبادل المعلومات الاستخباراتية والتواصل المباشر بين الأجهزة المعنية في الدول الأعضاء.

 

 

وللرياض دورٌ محوري في مكافحة الإرهاب من خلال قدراتها الاستخباراتية وقواعد البيانات المتوفرة لديها. عليه، سيكون من مصلحة الدول الأعضاء في هذا التحالف التعاون بشكلٍ إيجابي مع الرياض بغرض الاستفادة من قدراتها وتعزيز فرص نجاح التحالف.

 

 

كما يهدف التحالف إلى توحيد الجهود وتركيز الطاقات عبر العمل المنظَّم، على الأصعدة السياسية والاقتصادية والإعلامية والثقافية. وعلى الرغم من كون العمل العسكري ليس هدفًا رئيسًا للتحالف، إلا أنه يفتح المجال للتدخل العسكري تحت مظلة منظمة التعاون الإسلامي.

 


ولإنشاء التحالف أهداف استراتيجية لا تقل أهمية عن الجانب العمليتي للمركز؛ فلا تزال الدول العربية والإسلامية تصطدم بسؤال الإرهاب على مستويين: الأول: هو تهديد الأمن والمصالح لهذه الدول، والثاني: يكمن في استخدام سؤال الإرهاب لتبرير التدخل والغزو الأجنبي. هكذا، رأت الرياض أن العالم الإسلامي يحتاج لأن يأخذ بزمام المبادرة في هذا المجال. فعلى المستوى الرمزي، تعتبر نشأة التحالف برهانًا على الفصل بين الإرهاب والإسلام.

 

 

كما يقوم التحالف باحتكار شرعية التدخل في الدول العربية والإسلامية. فمن الصعب -على المستوى الرمزي- أن يتم التدخل من قبل قوى أجنبية دون التعاون مع هذا التحالف. فعدم تعاون القوى الأجنبية يمكن تصوره أو تصويره على أنه حرب على الإسلام والمسلمين، لا على الإرهاب. هكذا يمكن للتحالف الإسلامي أن يحتكر شرعية التدخل.

 

 


لكن التحالف الإسلامي الذي أُعلن مؤخرًا عن تأسيسه يواجه تحديات عديدة، أهمها: تعريف مفهوم أو مصطلح الإرهاب، والذي يختلف تعريفه من دولة لأخرى حسب المصالح وطبيعة الأنظمة. ولا يمكن لدولة عضو في هذا التحالف أن تتبنى تعريف التحالف "للإرهاب" في إطار العمل المشترك، ثم تتبنى تعريفًا آخر داخليًّا.

 

 

وهذا يعني أن يشرعن التحالف، على الأقل نظريًّا، لنوع «ما» من المعارضة السياسية في الدول الأعضاء. مثلًا، إذا لم يتم تصنيف جماعات الإخوان المسلمين كجماعات إرهابية، كما يطالب بعض الدول، فهذا يعني أن مظلة دول التحالف تقبل بها كجماعات معارضة. هكذا يمكن أن تضيق المساحة التي تفصل السياسة الداخلية عن السياسة الخارجية، لأن التعاون في التحالف يتطلب عمل كل دولة على مستويين: داخلي وخارجي، من منطلقات مشتركة، أهمها تعريف الإرهاب.

 


وفي النهاية أوضحت الدراسة, أنه ينبغي إدراك أن مواجهة الدور الإيراني ليس في اليمن وسوريا فقط، بل في برلين وباريس ومدريد وروما وواشنطن ونيويورك ولوس أنجلوس. بناء بيئة صديقة ثقافيًّا وإعلاميًّا في الغرب لا يقل أهمية عن عقود السلاح والتمارين العسكرية المشتركة وصناديق الاستثمار السيادية.

 

 

مواضيع ممكن أن تعجبك