محمد عمر
عمان – برنامج "عين على الإعلام"
يطوي رئيس الوزراء ملفات عمله اليومي، ويذهب ليرقد قرير العين، مطمئنا، فهو لن يواجه في اليوم التالي بصحافة مشاكسة، بل بصحافة مطواعة بشكل عام، يجهد اغلب كتابها، على كثرتهم، في حرق البخور درءا لأي عين حتى لو كانت عين مجلس النواب، ويتجاهل بعضهم القضايا المحلية تماما، وقلة منهم ترفع صوت النقد.
يحلو للصحافة ان تنصب نفسها "سلطة رابعة" تشكل جزءا من المنظومة الاجتماعية في البلد، تراقب عمل السلطات التقليدية الثلاث. وبمراجعة جميع المقالات والتعليقات والتحليلات التي تناولتها صحف يومية واسبوعية، منذ التاسع عشر من الجاري (كانون الاول) وحتى التاسع والعشرين منه، حاولنا اختبار صحة هذا "الادعاء" ويمكن الركون وبقليل من المغامرة الى ان الصحف المحلية ابعد ما تكون عن تشكيل "سلطة رابعة" في الاردن، بقدر ما هي سلطة "تابعة" وخصوصا للسلطة التنفيذية.
من بين ما يقارب من 230 كاتبا، يوميا واسبوعيا وطارئا، عربيا واردنيا، تعاقبوا على الكتابة في صحف "الرأي، الدستور، الغد، العرب اليوم، الديار، اللواء، الجزيرة، الوحدة، المجد، السبيل، شيحان، البديل الاعلامي، الهلال، الحدث". تخصص في الكتابة بالشأن المحلي من الكتاب اليومين بواقع مقال يومي كل من فهد الخيطان "العرب اليوم"، احمد جميل شاكر ونزيه القسوس "الدستور"، نزيه "الرأي".
كيف تناول الكتاب الشأن المحلي:
تراوحت تعليقات كتاب الاعمدة والتحليلات والآراء في الصحف المحلية ما بين عدد قليل جدا من المواد التي تناولت بالنقد مجمل أداء الحكومة في كل الملفات الساخنة التي شهدها الاردن خلال الشهر الحالي وادت الى وضع شبه متوتر خاصة بين مجلس النواب والحكومة وما بين انتقادات مخففة لجانب من هذا الاداء، فيما جاهدت اغلب التعليقات في الدفاع عن الحكومة والاغرب ان كتابا وضعوا انفسهم الى جانب الحكومة مقابل البرلمان.
- "فهد الريماوي كان الاقسى في انتقاد الاداء الحكومي بشكل عام بمقاله في "المجد" (20 كانون الاول) "الدولة الاردنية الى اين؟".
- فهد الخيطان في "العرب اليوم" واظب على النقد اليومي لاداء الحكومة في تعاملها مع ملفات "اصلاح اداري بدون خلوات وخبراء أجانب (19/12)، ارباح سوق عمان وعدم استفادة المواطنين منها (20/12)، كارثة الصقيع (29/12)، المواجهة بين النواب والحكومة (21/12)، تأجيل خطة التنمية السياسية بانتظار جيل جديد من الديمقراطيين (28/12)".
- سميح المعايطة، خصص اغلب مقالاته للشأن المحلي، وان كان تناول موضوعات عربية، ولكنه لم يبخل بانتقاد الاداء الحكومي في مقالته اليومية بـ"الغد" عن "تضخم جهاز المستشارين في الحكومة (23/12)، ومعالجتها لقضية بلدية الطفيلة والتفوئيد وتدفئة المدارس (19/12)، اختراع الصقيع (21/12)، رد الحكومة الانفعالي على النواب (28/12)".
- بسام الياسين كتب ايضا مقالة في اسبوعية "الجزيرة" (20/12) منتقدا فيها "اخطاء وخطايا الحكومة" فيه ملفات الشاحنات، الصقيع، التفوئيد، كوتات الحج والمياه الجوفية". واصابت سهام نقده مجلس النواب كذلك.
- فهد الفانك خصص الكثير من مقالاته خلال الفترة، لمراجعة ونقد الموازنة فكتب في "الرأي" عن "المخصصات السخية في الموازنة (21/12)، حلول جراحية للموازنة (23/12)، هندسة الموازنات وتزيين النافذة (26/12)، من يقرر اولوية الموازنة (29/12)".
- حيدر رشيد (العرب اليوم 23/12) في مقاله "حقائق حول اضراب سائقي الشاحنات" انتقد موقف الحكومة معتبرا انه لم يكن صحيحا مشيرا الى ان الاضراب بات ظاهرة في الاردن".
- غسان معمر في (الغد 19/12) في مقاله "مدارس الجفت والسنكترون" انتقد تقصير الحكومة في تدفئة المدارس.
انتقادات "متفرقة":
- عاطف الجولاني كتب في "السبيل" (21/12) "تضيقات جديدة غير مبررة" عن اعتقال شخصيات من المعارضة، وتطرق للموضوع ياسر ابو هلاله في "الغد" (21/12) بطريقة مخففه في مقاله "حكومة الكترونية ومعارضة الكترونية: معارك أبطال الديجتال".
- طاهر العدوان، في "العرب اليوم" (20/12) عن "ارتفاع الأسعار وجدول الغلاء".
- ناهض حتر (العرب اليوم 22/12) "أفكار وطنية كبيرة من منظور بيئي" عن خطة وزير البيئة لمواجهة التلوث. وكتب فخري قعوار في (الرأي 29/12) "هل سيستخدم الفحم البترولي" معربا عن مخاوفه من تراجع الوزير عن وعوده بعدم استخدام هذه المادة. وانتقد أسامة الرنتيسي في (الغد 21/12) إدارة شركة الاسمنت في مقاله "إدارة الاسمنت تتجمل على حساب التلوث البيئي" وكتب ايضا سيف الدين صوالحه في (الديار 22/12) "الفحيص دايخة" بسبب التلوث، بركات الجبر في (الديار 28/12) ينتقد في مقاله "الوزراء غائبون" غياب وزراء الحكومة عن مؤتمر بيئي لاقليم الشمال.
- نبيل غيشان في (العرب اليوم 19/12) كتب مقال بعنوان "وينكو" عن تقاعس وزير الصحة بزيارة المناطق المصابة بالتفوئيد، واثنى نزيه في (الرأي 19/12) في مقال "كم تلة رمل مخبوءة لا نراها".
دعوات ومناشدات للحكومة!!
- باسم سكجها (الدستور 28/12) في مقاله "سد الكرامة" دعا الى عدم الاعتماد على الدراسات الاجنبية وفي "العقود الاستثنائية" (22/12) دعا الحكومة الى احترام القوانين في التوظيف.
- ماهر ابو طير في (الدستور 27/12) في مقال "قلوب صغيرة اوجاع كبيرة"، دعا الى فتح ملف الاحتياجات الصحية للاطفال.
- صالح القلاب (الرأي 28/12) في "لا للجريمة المنظمة" ناشد الحكومة والقضاء تشديد العقوبات للحد من الجريمة.
- محمد الحلايقة (الغد 19/12) "شاحنات واستثمارات" تمنى على الحكومة حل ازمة الشاحنات لتأثيرها السلبي على سمعة الاردن.
- طارق مصاروة في (الرأي 28/12) في مقاله "الكوارث الطبيعية وكودات البناء" دعا وزارة الأشغال عدم نسيان كودات البناء، وفي مقاله "التفاح وغضب المسؤولين"، دعا إلى غضبة مسؤول لمعالجة العمالة الوافدة.
- سامي الزبيدي في (الرأي 21/12) في مقاله "عن المركز والأطراف" دعا إلى مراجعة قانون البلديات مشيدا برئيس الحكومة.
علي أي حال، فقد شكلت الدعوات والمناشدات للحكومة والوزراء والمؤسسات سمة غالبة يبدو ان البعض لجأ اليها لتجنب النقد، وقد ناشدت الصحف الحكومة في الكثير من القضايا كإنشاء صندوق لتعويض المزارعين وشمول السائقين العموميين بالتأمين الصحي ومراقبة محطات الوقود التي تقوم بغش المواطن وتقديم دعم مالي للاحزاب وخاصة التيار الوسطي وتنمية الثقافة كمقدمة للتنمية السياسية. وتنبيه الحكومة لما يتوجب عليها القيام به تجاه المناطق الصناعية المؤهلة بعد توقيع مصر على اتفاقية مماثلة.
الوجه الآخر على المقلب الآخر، اضافة الى ان عشرات الكتاب الذين تجاهلوا الشأن المحلي تماما او كتبوا على استحياء منتقدين جانبا أو اخر او مناشدين، فقدت وجدت الحكومة الكثير الكثير ممن دافعوا عنها وذهب بعضهم الى الوقوف في صفها مقابل مجلس النواب.
- وكان سلطان الحطاب في صدارة المدافعين عن الحكومة وخلت مقالاته من أي ملاحظة او حتى مجرد عتب، فقد كتب في مقاله بـ(الرأي 23/12) المعنون "في حديث على التلفون: الرئيس الفايز يطفيء الازمة"، مدافعا عن دور رئيس الوزراء في انهاء ازمة الشاحنات، مخالفا بذلك الحقيقة البسيطة من ان تدخل الملك هو الذي انهى الازمة بعد ان عجزت الحكومة عن حلها. وفي مقاله "التحالف مع الشيطان" (28/12) دافع ايضا عن رد رئيس الوزراء الذي وصفه سميح المعايطة بـ"الانفعالي" على النواب الذين انتقدوا توقيع اتفاقية تجارية مع اسرائيل. واشاد بهيئة قطاع الاتصالات في "المحاسبة بالثانية" وبخصصة الأكاديمية الملكية للطيران في "اكاديمية الطيران الملكي..نموذجا".
- سهى بدر (الرأي 19/12) في مقال "قراءة هادئة في مشهد صاخب" دافعت عن التعيينات الحكومية ووجهت سهام نقد شديدة لمجلس النواب الذي قالت انه اهدر "ست جلسات من عمر دورته القصيرة ولم يبدأ عمله بعد".
- عدنان الزعبي (الديار 22/12) في مقاله "الحكومة والنواب" دعا البرلمان الى الاتصاف بالواقعية وتقدير وضع الحكومة وعدم اطلاق "الخطابات المغرية".
- اما زميله في نفس الصحيفة فكتب في نفس اليوم مقال "نائب مستورد" هاجم فيه بشدة بعض النواب، معتبرا ان مجلس الاعيان اكثر اداركا للواقع مطالبا بدورات تدريبية لبعض النواب.
- عمر الحضرمي في (الرأي 19/12) في مقاله "النواب واكتمال النصاب" انتقد انشغال النواب بقضية اللجان معتبرا انها مضيعة وقت.
- سليمان ابو سويلم تناول في (الرأي 26/12) الموضوع في مقاله "مجلس النواب واللجان الدائمة" معتبرا ان ما جرى يثير مخاوف من اداء مجلس النواب.
- صالح صلاح شبانة في (اللواء 22/12) هاجم ايضا بعض النواب في مقاله "مواسم الانتخابات" وقال ان بعض منهم لم يدخل مكتبه حتى الان.
- محمد ابو رمان في (الغد 28/12) في مقاله "شراكة قسرية" تناول الجدل بين الحكومة والنواب على خلفية توقيع الاتفاق مع اسرائيل معتبرا سيطرة الاخوان المسلمين، الذين لا يملكون سوى الشعارات، على الحياة السياسية والمجلس تعبير عن عقم سياسي يحتاج الى تشكيل حركة وطنية معارضة.
- احمد الدباس (الدستور 28/12) أشاد بقرار وزير العمل انشاء هئية التشغيل. وفي مقاله بصحيفة (شيحان 23/12) بعنوان "الانتخابات البلدية" يدعو النواب الى عدم الاستقواء على الحكومة.
وتأتي هذه المقالات حول مجلس النواب في وقت شهدت فيه العلاقة بين الحكومة ومجلس النواب توترا شديدا توقع البعض ان يستمر وربما يسفر عن رحيل الحكومة.
- وهاجم صالح القلاب النقابات في مقاله بـ(الرأي 26/12) "النقابات في الاردن" ودعاها للكف عن "المزايدات والعرط".
- تيسير عماري في (الرأي 19/12) في مقال "الاصلاح الاداري" دافع عن رئيس الوزراء الذي "طمأن الموظفين الى انه لن يستغني عن احد.
- ماجد القرعان في (الجزيرة 20/12) في مقاله اولوياتنا حكومتنا الرشيدة اعتبر ان الحكومة بدأت بترجمة مضامين شعار "الاردن اولا".
- بتول دانو تيكا (الكلمة 19/12) في "وثقة رئيس الوزراء" قالت ان التاريخ سوف يسجل للفايز انه اول من وضع وثيقة للسياسات الحكومة لاصلاح القطاع العام.
- هايل ودعان الدعجة في (الرأي 28/12) دعا الجماهير الى مراعاة صلاحيات الحكومة الاقدر على تفهم الاحداث.
- خالد الخرابشة (الرأي 21/12) "حمى التفوئيد" يشيد بالجهود الصحية وتحويل الاردن لنموذج للرعاية الصحية.
- سلامة الدرعاوي (العرب اليوم 28/12) يمتدح الانجازات الاقتصادية في مقاله "النمو الاقتصادي انجاز حقيقي".
- محمود الخرابشة (الديار 23/12) "الديمقراطية نهج متأصل في تاريخنا ونظامنا السياسي".
- ابراهيم سيف (الدستور 29/12) "الاقتصاد الاردني 2004" مقال اشادة بالإنجازات الاقتصادية.
- باتر علي وردم (الدستور 19/12) "التعيينات في اطار الثقافة الاردنية" مدافعا عن التعيينات الحكومية بوصفها جزء من الاطار الثقافي العام.
- عبدالله القاق (الدستور 23/12) في مقاله "ونحن نودع العام 2004" مدافعا عن انجازات الحكومة في مجالات الحريات والديمقراطية والاقتصاد.
هذه محض مقارنة بسيطة، قد لا تبدو كافية للتدليل على مدى التأثير الذي تملكه السلطة التنفيذية في الصحافة، غير ان الصحف حفلت ايضا بمقالات يصعب حصرها في هذه المراجعة المحكومة بعدد كلماتها. وكثيرا ما حققت الحكومات المتعاقبة افادة كبيرة من الجو الايجابي العام الذي تشيعه الصحافة عن الاوضاع في البلد وقد كتب خلال هذه الفترة عشرات من التعليقات التي اشادت باستراتيجية الامن العام ورسالة الملك الى مدير المخابرات وتوجيهاته بوضع خطة امنية وكذلك توجيهاته بالاهتمام بطلبة المدارس وجهوده الخارجية كما ومواقفه السياسية وتدخله الايجابي لحل ازمة الشاحنات. اضافة الى العديد من المقالات التي تناولت "التهديدات او الحملات" على الاردن وكلها تخلق جوا عاما يفيد السلطة التنفيذية وان عن طريق غير مباشر اذ لا يخفى على احد قدرة الحكومات الأردنية على استغلال كل هذه المسائل لاعفاء نفسها من النقد.
بقي ان هنالك العشرات من المقالات التي تظهر في الصحف لا تجد لها معنى فمن كاتب يبث شجون ذاتية الى كتاب آخرين لا زالوا يعيشون في "عصر البراءة" يهرقون حبرا في مقالات وعظية ودون كيشوتية لا تسمن في الزمن الذي نعيش.
أما ما هو اكثر من ذلك وسيكون موضوع حلقة قادمة فهو مقدار تجاهل كتاب الصحف للشأن المحلي مقابل تركيزهم على القضايا الخارجية التي احتلت المساحة الاكبر من الاهتمام والنقد الاكثر قسوة.
لقطة:
الكاتب رشاد أبو داود يكشف عن "وجهنا الإنساني" إزاء ضحايا زلزال التاريخ في آسيا، فيكتب في (الدستور 29/12) عن "نانسي والطوفان"، معربا عن حزنه وتعاطفه مع خادمته الآسيوية التي أمضت معهم اكثر من سنتين، وقلقها على اسرتها، ولا يبخل بعواطفه تجاه هذا الحزن وان كان يستغرب كيف عرفت "نانسي بالزلزال"، حقا انها انسانية في زمن المتاجرة بالرقيق الجديدة، تضاهي انسانية جندي اميركي يقدم علبة شوكولاتة لطفل عراقي.