مشكلة الثنائية الفلسطينية، أن لا ثالث لها، فهي تدفع طرفي الأزمة إلى الانغماس في عنادهما، وكأنهما يخوضان سباقا محموما لمن يقطع المسافة بين ضفتي النهر أولا، وكلاهما يقفز على صخرة ناتئة وسط تيار جارف تليها أخرى، ولا يملكان من خيارات إلا الاستمرار في ذلك الوثب العبثي المتأرجح نحو اليابسة، لأن الوقوف يعني السقوط..
وفي سباق في اتجاهين متضادين، تأخذ العزة بالإثم كلا الحركتين، فتح وحماس إلى التمترس وراء نقيضين، ويستمريء أحدهما تكفير الآخر إلى أن ينزل الوحي، ويصبح اعتناق أية فكرة حمساوية ثائرة، صدعا في منطق السلام، فالمفاوضات لدى رام الله، هي تلك اليابسة الوحيدة التي تستند عليها، بعد أن أحرق أهلها مراكبهم في أوسلو.. وفي غزة التي احترقت قبل حين، تلوك حماس جراحها الملتهبة، ويعرف قادتها أن أي اقتناء لرفاهية الحلول السهلة، سوف يحرمها من رمزية المقاومة، وستهوي بقاعدتها الجماهيرية إلى الهاوية.
وزاد تفاقم الأزمة وديمومتها رسوخا، تلك القناعات لدى الطرفين بأن المسألة الحسابية الوحيدة التي يقبلها أحدهما هي الطرح، وأي حديث عن جمع أو قسمة، لا يعدو كونه هرطقة تفرق أكثر من أن تجمع بينزطة وروما في أتون لاهوتي واحد.. بل إن التجربة أثبتت أن أية مجاملة تفضي إلى اتفاق، تعقبها نكسة تعيد الجميع إلى ما قبل نقطة الصفر.
انساقت فتح وحماس أكثر وراء قناعاتهما التي بدت مبررة، كل في معسكره، إلا أن التعصب للحجة أخرج منطق المصالحة من الحوار لحساب الريبة، فصارت المناكفة عنوانا لحرب داحس والغبراء الفلسطينية... واتخذت السلطة صكوك تعهداتها مع إسرائيل التي أكلها العث، ذريعة لمشاكسة حماس، وصار التزامها غاية لا تبرر الوسيلة.. وحماس الموتورة بمجزرة غزة، أصبحت تحت وطأة الشعور بالاضطهاد، متشبثة بموقفها مهما بلغت الخسائر.
لا شك أن فرضية القفز فوق الماء، تقتضي سقوطا مدويا لأحدهما، فبلوغ الطرف الآخر من النهر، يشترط فائزا واحدا، والمسافة الطويلة إلى الضفة المقابلة قد تنطوي على خطر الانزلاق إلى قرارات بثقل الجسد المتهاوي، يعللها الوقوف الطويل في مجرى التيار الذي يغري بمجاراته، أو يستفز الرغبة في معاكسته، وفي كلتا الحالتين يؤدي التهاون أو التهور إلى خلق موقفين فلسطينيين منفصمين، يعفي إسرائيل من حرج الاحتلال بحكم الوصاية، ويكسبها الوقت للتفشي فيما تبقى من الجسد الفلسطيني الذي ارتحل إلى اتجاهين، فكان أن فازت إسرائيل في النهاية بمقاولة مجانية لبناء جدار عازل آخر في المجتمع الفلسطيني، لا يجلب عليها شبهة الآبارتايد.
وإسرائيل دولة الزمن الضائع، أفضل من يرقص على نشاز الآخرين، رفعت لذلك جلسة المفاوضات بحجة عدم اكتمال النصاب، واختار شعبها رجل اليمين نتنياهو ليقرع الجرس مذكرا بكلمة السر التاريخية، (أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض).
قديما، حاول عرفات أن يوظف جدلية (خذ وطالب) في مناورة بدت خاسرة، وفتحت الباب أمام أوديسا فلسطينية لم تكتمل فصول ملحمتها، فحارب وهادن، وأبقى القضية طافية فوق السطح.. لكن عرفات سقط في رحلة التيه قبل أن يعرف أن الفرقة بين الأخوة الأعداء سوف ترخي حدودها إلى أبعد من أن يستطيع الجسد المنفلق، أن يلوح بغصن الزيتون في يد، ويقبض على البندقية في اليد الأخرى.