الكاتب والناشط السوري "حمادة": تحرير حلب غير الخطط والخرائط المعدة لتقسيم سوريا

تاريخ النشر: 04 فبراير 2017 - 11:04 GMT
الكاتب والناشط السياسي السوري محمد سعيد حمادة
الكاتب والناشط السياسي السوري محمد سعيد حمادة

-مشروع الدستور السوري الجديد بالون اختبار روسي.. وهناك ما يحضر تحت الطاولة

-أصحاب النفوذ من حيتان الحرب وشركات الاستثمار يتهيؤون لقلب كل شيء في البلاد

-الحل السياسي مقرون بمدى السيطرة على الجغرافيا.. وما جرى في حلب ليس مصالحة

-الرئيس الأسد هو القوة الوحيدة القادرة على فرض النظام ولم شمل جميع السوريين

-الخزان البشري للجيش من كل المناطق بما فيها التي يسيطر عليها الإرهابيون

-القوة العسكرية الأقوى عند الكرد وضعت أوراقها كاملة في عهدة أميركا و"اسرائيل"

-الصدامات بين المسلحين في ريف إدلب هي حرب استخبارات المشغلين والممولين للإرهاب

-شاركت في المظاهرات منذ بداياتها.. ورأيت تدفق السلاح والاعتداء على رجال الأمن السوري

أجرى الحوار/ وسام نصرالله

يرى الكاتب والناشط السياسي السوري محمد سعيد حمادة أن مسودة المشروع الروسي للدستور السوري الجديد ما هو إلا بالون اختبار ومحاولة روسية لجس نبض جميع الأطراف في شكل سوريا الجديدة.

وأعرب حمادة المقيم في العاصمة السورية دمشق عن خشيته من المرحلة المقبلة وما تحمله من ملامح مرسومة بدقة لتلائم أصحاب النفوذ من حيتان الحرب، وشركات الاستثمار بعيد المدى، التي تتهيأ لقلب كل شيء في سوريا.

ويؤكد أن تحرير حلب من الإرهابيين غير الخطط والخرائط المرسومة التي كان يعتقد الحلف المعادي لسوريا أنها الأهم في تفتيت الدولة السورية، مشيرا إلى أن ذلك "الحلف" أوعز ل"داعش" خلال معركة حلب بالتحرك نحو تدمر، ولاحقا محاولة الاستيلاء الكامل على دير الزور.

ويشدد حمادة على أن ما يجري في سوريا ليس حربا أهلية كما يحاول الإعلام الغربي والعربي الترويج لها، بل هي حرب بين الدولة السورية وحلف طويل عريض تقوده أميركا.

ويقول حمادة أن المجتمع السوري بكل فئاته ما زال يدعم الجيش السوري والرئيس بشار الأسد، موضحا أن الخزان البشري للجيش هو من كل سوريا، وبالأخص تلك المناطق التي يسيطر عليها الإرهابيون.

تاليا نص الحوار مع الكاتب والناشط السياسي "حمادة"*:

* أثارت بعض بنود مسودة المشروع الروسي للدستور السوري الجديد، جدلا حادا بين أوساط السوريين بكل أطيافهم السياسية والإجتماعية، خاصة فيما يتعلق بتغيير هوية سورية العربية، وتحويلها الى دولة فيدرالية يتم رسم حدودها وفق الاعتبارات العرقية والطائفية، والنص حرفيا على عدم انخراط جيشها في اي حروب مستقبلية خارج الاراضي السورية، في اشارة الى "اسرائيل"؟

- كنت واحدًا من الذين يقولون بأن مشروع الدستور الروسي هو مجرّد بالون اختبار ومحاولة روسية لجسّ نبض جميع الأطراف في شكل سوريا الجديدة وطبيعتها السياسية من جهة، والإيحاء بأن الحرب انتهت وروسيا قد أخذت القرار بهذا وهي تقوم الآن بالتعاون مع جميع الأطراف بالإيهام أنها تعمل على تحديد شكل النظام السياسيّ في البلاد من جهة أخرى. ولم يكن يراودني أدنى شكّ في أن الأمر كلّه يجري بالتنسيق الكامل مع دمشق التي لم تبد تعقيبًا أو أنه كان من الواضح أنها على علم مسبق بما يجري.

غير أن ردود فعل الشارع السوريّ- الوطنيّ الذي يقف مع الجيش منذ بداية الحرب على سوريا- وتفاعله مع هذا الموضوع بالذات، والذي كان سلبيًّا، بمعنى أننا قدّمنا كلّ هذه الدماء على مدى هذه السنوات من أجل أن يأتي الروسيّ ليفصّل لنا دستورًا على قياس الإرهابيين أو الانفصاليين أو غيرهم، وما قابلته الدولة من قرارات لم تفصح عن سببها، إلا انها تصبّ في خانة أن كلّ من يتجرّأ على إبداء رأيه سيلاحق ويتعرّض للسجن، وبموجب القانون، جعلني أراجع في موقفي كثيرًا، وأن هناك ما يحضّر بالفعل من تحت الطاولة.

كنت معتمدًا ومستندًا إلى ما يردّده الرئيس بشار الأسد في كلّ مناسبة ولقاء صحفيّ، عندما يُسأل عن الدستور وشكل سوريا الجديدة وتفاصيل السلطات فيها، في أن الأمر متروك للشعب السوريّ لأن كلّ ما يجب البتّ فيه خاضع للاستفتاء الشعبيّ، وما يقرّره الشعب السوريّ هو الذي يجب أن يكون، ابتداء من الدستور وانتخاب الرئيس وصلاحياته، وانتهاء باللامركزية الإدارية و"الحكم الذاتي" أو "الفيدرالية" كما أوضح في مقابلته لوكالة الصحافة الفرنسية قبل سنة من اليوم.

 ينبع القلق من أن الاستفتاء الشعبيّ لا بدّ وأن يلزمه تحضير الرأي العام، عبر نقاشات ومداولات شعبية عامّة على جميع المستويات للخروج بنتائج مرضية أو جيّدة، وفي النتيجة وطنية، بعد كلّ التضحيات والخسائر التي مُنينا بها نتيجة لهذه الحرب العدوانية الظالمة على بلادنا. والسؤال هو كيف يمكن للدولة أن تهيّئ الرأي العام لرفض ما يخطّط لها وما يعدّه الأعداء والأصدقاء وهي تضيّق على مواطنيها بوّابات وأقنية الحوار في عصر ميزته الأساسية فضاء مفتوح لكلّ الناس في كلّ العالم؟ 

من الواضح أن كلّ ما يجري وما يسرّب عن تفعيل قانون في هذا الوقت أو ذاك يبدو أن هناك من درسه وأخرجه بعناية وتخطيط مسبق ليتمّ العمل به وقت الضرورة، وهو ما يشمل أمورًا تتعدّى أجوبة الأسئلة العامّة التي توجّهها الصحافة الأجنبية للسيد الرئيس. وهذا ما يشي بأن شكل سوريا القادمة مرسوم بدقّة تلائم أصحاب النفوذ من حيتان الحرب، على تعدّدهم، وشركات الاستثمار بعيد المدى، التي تتهيّأ لقلب كلّ شيء في البلاد بما يناسب مصالحها وتمريره بهدوء قانونيّ.

* ينص البند 11 من مسودة الدستور على حرية النشاط الاقتصادي والالتزام بمعايير السوق، أي إلغاء جميع المعايير الاشتراكية، بما في ذلك دعم السلع الاساسية، وتحديد الاسعار، فهل يمكن للدولة السورية أن توافق على هكذا بند يغير من بنيتها الإقتصادية في العمق؟

- هذا أيضًا متعلّق بالجواب على السؤال السابق. وسأعطي أمثلة على أن تسريب أو التذكير بقانون مثل قانون الإعلام ليس بريئًا وليس القصد منه عامّة الناس الذين يكتبون أحوالهم على صفحات التواصل الاجتماعي، بل القصد منه القوى والنشطاء المنتبهين إلى كلّ صغيرة وكبيرة، فمثلاً كيف يمكن الادّعاء بضرورة وجود معارضة وطنية داخلية، تصوّب وتراقب وتستثير همّة المواطن باتجاه مصلحة الوطن وتمتين لحمته وبلورة مطالبه وطموحاته، ومن دون الاعتماد على دعم السلطة، وتقوم هذه السلطة في الوقت نفسه بسنّ قوانين تجرّم التحدّث في الشأن العام وتحصره بفئة محدّدة من الشعب، تعرفها مسبقًا وتعرف انها مهلّلة ومصفّقة لأي قرار؟ كيف يستطيع نقابيّ ممرّض مثلاً أن يتحدّث أو يكتب عن مشاكل التمريض في قطاعه وهو مهدّد بالسجن إن فعل، لأن القانون لا يجيز له الكتابة في الإعلام؟  كيف لحرفيّ أن يتناول همًّا من هموم الحرفيين الكثيرة، وسوريا مقبلة على "إعادة الإعمار" كما يقولون، والشرطيّ بانتظاره؟

أمّا عن السؤال بالتحديد، فإنه يدور في الفلك نفسه. فكيف لمواطن حريص على وطنه وللمكاسب التي تحقّقت لأبناء شعبه عبر عقود من العرق والكفاح، وهي الديمقراطية بعينها، أن يوضّح لأبناء شعبه معنى سحب البساط تدريجيًّا، وبوقاحة أحيانًا، من تحت حاجتين أساسيتين له هما التعليم والصحّة، واللتان ما زالتا تشعران المواطن بالأمان قبل المأكل والمسكن والملبس، وتجعلانه يلتفّ حول مشروع الدولة ويدافع عنها؛ وهذا الشعور بالأمان هو الانتماء الفعليّ للمواطن، الذي يبدو أن هناك جهات كثيرة ومتعدّدة تريد له الانتماء إلى طائفته وجمعياتها الخيرية التي تؤمّن له جزءًا يسيرًا مما أمّنته وفعلته الدولة له مقابل الولاء والانتماء الكامل لها، وأن ما ينجزه أو يفكّر في إنجازه وإبداعه هو ملك لها وفي مصلحتها؟ وبالمناسبة، بدأ هذا الأمر قبل الحرب، فانتشرت الجمعيات الخيرية بالآلاف، وهي جمعيات طائفية بكلّ ما للكلمة من معنى. ونأتي لنسأل ببلاهة كيف وصلنا إلى ما وصلنا إليه.

ليس ما سرّب عن موضوع الإعلام متعلّق به وحده، بل الأمر مقرون، على ما يبدو، في أن هناك من يريد أن يقول للسوريين إما نحن وكما نريد وسنبقي سيف القانون الذي يناسبنا فوق رأسكم، وليختر كلّ منكم الهويّة التي يريد ما دام يصفّق لنا ونحن نتحدّث عن العروبة وأمجادها، وإمّا أن تضربوا رؤوسكم في مشارق الأرض ومغاربها، وإلا فالويل والثبور لكم ولنواياكم وأفعالكم وأبنائكم وشهدائكم وعقولكم.

* معركة حلب كانت نقطة تحول في موازين القوى لصالح الحكومة السورية، فهل يمكن القول أنها شكلت بداية لمسيرة الحوار والتفاوض للوصول إلى حل سياسي؟

- لا شكّ أن تحرير حلب من الإرهابيين غيّر الخطط والخرائط المرسومة التي كان يعتقد الحلف المعادي لسوريا أنها الأهم في تفتيت الدولة السورية، فتحرير حلب وأد الخرائط الموضوعة، تظرًا لموقع حلب وأهميتها على جميع الصعد. وقد عرف أعداء سوريا أن خططهم القديمة فشلت، ولهذا، وفي أثناء معركة حلب أوعزوا لـ"داعش" بالتحرّك نحو تدمر، ولاحقًا محاولة الاستيلاء الكامل على دير الزور، وهذا يعني ان الحلّ السياسيّ مقرون بمدى السيطرة على الجغرافيا. فمن يحقّق مكاسب على الأرض هو من يستطيع فرض شروطه السياسية، وإن بحدّها الأدنى. في واقع الأمر إن ما جرى في حلب ليس مصالحة. ما حدث هو أن الإرهابيين الموجودين في حلب عرفوا أن لا مجال لهم سوى الخروج من حلب بدل ان يقتلوا فيها، وخروجهم منها باتجاه إدلب وريفها بحدّ ذاته إنجاز كبير للدولة السورية، بدأت تظهر معالمه في القتال الشرس بين فصائل الإرهابيين صراعًا على النفوذ والمعابر والتمويل بنكهة تباينات "شرعية" واختلاف في "الرؤى الشرعية" والفتاوى.

أنا مقتنع ببدهية أن الحلّ السياسيّ لا ينضج إلا وقد بلغ الحسم العسكريّ خواتيمه، ذلك أن ما يجري في سوريا ليس حربًا أهلية كما يحاول الإعلام الغربي والعربي الذي يسير في ركابه الترويج لها، بل هي حرب بين الدولة السورية وبين حلف طويل عريض تقوده أميركا، وأدواته مجموعات من المرتزقة السوريين ومن شذّاذ الآفاق الذين جمّعتهم الاستخبارات الأميركية والغربية و"الإسرائيلية"، وأجيراتها من الاستخبارات العربية والتركية، من كلّ أصقاع الأرض لتدمير سوريا وتفتيتها خدمة لـ"إسرائيل" وضمان أمنها وسلامتها لمائة عام قادمة على الأقلّ. فقضاء الدولة السورية على هؤلاء وكسرهم مرة تلو الأخرى وبثّ روح الهزيمة فيهم وتيئيسهم ممّا صوّر لهم ووضع في رؤوسهم، هو جزء أساس في الحسم العسكريّ الذي يُخرج الحلف المعادي بماء وجهه، وهو ما يسمّى الحلّ السياسيّ. كما تلاحظ فالإعلام يروّج منذ سنوات أن الحسم العسكريّ غير ممكن ومستحيل، لأن مشغّليه يريدون سوريا ضعيفة هزيلة من خلال طاولة مفاوضات دولية، وقد عجزوا عنها ميدانيًّا.

* كيف تقرأ تصريحات الرئيس اللبناني العماد ميشال عون الأخيرة والتي يؤكد فيها أن الرئيس السوري بشار الأسد سيبقى، وأنه يشكل القوة الوحيدة التي بإمكانها إعادة فرض النظام ولم شمل الجميع؟

- الرئيس عون على اطّلاع ودراية بالواقع السوري، ويعرف هو وكلّ السياسيين في المنطقة أن أغلبية السوريين ما زالت مع الرئيس الأسد، وما زال المجتمع السوريّ بكلّ فئاته يدعمه ويدعم الجيش السوريّ، النواة الصلبة للدولة والمجتمع. فالحزّان البشريّ للجيش هو من كلّ سوريا، ومن المناطق التي يسيطر عليها الإرهابيون. ولو أن جهات نزيهة أجرت استفتاء أو استطلاعًا لرأي السوريين في المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة، لوجدت أن الرئيس الأسد سينال حصّة الأسد في التصويت لمن يريده السوريون. وأنا ابن منطقة شمال شرق حلب التي سيطر عليها ما أطلق عليه برنار هنري ليفي "الجيش الحر" في البدايات، ومن ثم احتلّتها "داعش" واليوم ما يسمّى "قوّات سوريا الديمقراطية"، وعلى تواصل يوميّ مع الناس هناك، وكلّ ما يقولونه ويسألون عنه هو متى سيأتي الجيش السوريّ ويخلّصنا مما نحن فيه؟

أجل الرئيس الأسد هو القوّة الوحيدة القادرة على فرض النظام ولمّ شمل جميع السوريين لأنه رمز الدولة السورية الواحدة الموحّدة من جهة، والقائد العام للجيش السوري الذي تلتفّ حوله أغلبية السوريين من جهة أخرى. فالسوريون، حتى الذين غُرّر بهم في البداية، أصبحوا على قناعة تامّة أن لا ضامن لهم سوى الدولة السورية، وقد جرّبوا ما فعله بهم "ثوّار" الناتو الذين اعتدوا على أعراضهم وممتلكاتهم وتحكّموا بلقمتهم وجعلوا من بناتهم سبايا وجواري في الدول التي دعمت وحرّضت وهلّلت لـ"الثورة" المزعومة.

* محللون سياسيون يعتبرون أن الملف الكردي هو الأخطر بالمطلق في ملفات الصراع بالمنطقة، بماذا تعلق على ذلك ؟

- يبدو الآن أنه الأخطر، لأن القوّة العسكرية الأقوى عند الكرد قد وضعت أوراقها، كما يبدو، كاملة في عهدة أميركا، وبالتالي "إسرائيل"، وعلى غرار ما فعل الأكراد في شمال العراق. غير أن امرًا دقيقًا ومهمًّا في المسألة الكردية في سوريا يجب الانتباه إليه والتذكير به، وهو أن الكرد، في المناطق التي يسيطرون عليها، لا يشكّلون النسبة الغالبة والكبيرة التي يصوّرها الإعلام. سأعطيك مثالاً، هم يسيطرون الآن باسم "قوات سوريا الديمقراطية" على منبج أكبر مناطق ريف حلب مساحة وعدد سكان، وقد قاموا بتغيير اسمها في إعلامهم إلى "مابوك"، لا يشكّل الأكراد فيها ما نسبته في الريف والمدينة 1% من عدد السكان. في عين العرب "كوباني" كما يقولون، المدينة الصغيرة كردية تكاد تكون كاملة إلى جانب عدد من القرى المحيطة بها، غير ان أغلبية ريف عين العرب هي من العشائر العربية. حتى في الجزيرة السورية لا يشكّل الكرد نسبة غالبة، وقد كنّا نشرنا إحصائية لعدد القرى الكردية في الجزيرة السورية بالنسبة إلى القرى العربية والسريانية والآشورية ولم يشكّل الكرد فيها سوى ما نسبته 32% من سكان الجزيرة السورية، معقل ما يسمّى "وحدات حماية الشعب" الكردية.

مشكلة مواطنينا من الكرد تكمن في تطلّع قياداتهم السياسية إلى الخارج بأعين فارغة، والتي تجعلهم يدفعون أثمانًا باهظة على الدوام؛ الساسةُ الكرد لا يستطيعون التخلّص من داء التبعية والتطلّع إلى الخارج- الغرب-، الذي زرع فيهم عصابًا دونيًّا بليدًا، هو ذلك النفور العنصريّ من كلّ من هم معهم وإلى جانبهم وحولهم عبر التاريخ، والذي صوّره لهم وهمٌ سلاليّ عرقيّ منحطّ، فبْرَكتْه وشجّعته دوائر شرّيرة في الغرب.

من هنا تتأتّى خطورة الملفّ الكرديّ في سوريا ودوره اللاحق في إطالة أمد الحرب، لأن السياسيين الكرد المسيطرين على القرار الكردي قد وضعوا بيضهم كاملاً، على ما يبدو، في السلّة الأميركية.

* كيف سينعكس خروج مسلحي "جبهة النصرة" من منطقة وادي بردى، خزان المياه المغذي للعاصمة، على سير المعارك في أرياف دمشق وتحديدا الغوطة الشرقية ؟

- عمومًا، يبدو أن القرار متّخذ في تنظيف ريف دمشق من الإرهابيين، غير ان الأولويات والتوقيت محكوم بسير الأمور على الأرض وما ترتئيه القيادة السياسية والعسكرية السورية فيه. فخروج "جبهة النصرة" وحلفائها من الإرهابيين جاء بعد ضغط عسكري كبير من الجيش السوري، ولم يتمّ لأنهم أرادوا الخروج أو لأنهم قدّموا مِنّة لأهالي دمشق. في كل الأماكن التي يخرجون منها يأتي خروجهم بعد حصار عسكريّ وتأكّدهم أن لا خيار لهم سوى المغادرة أو الموت. طبعا، هذا ينعكس على معنوياتهم في اماكن أخرى، تدخل واحدة بعد واحدة في هذا السياق.

* ملفات المصالحة بأي اتجاه تسير ؟ وما هي أكثر العقبات التي تواجه القائمين على هذا الملف "الشائك" ؟

- أغلب ما يسمّى بالمصالحات جرت بعد معارك عنيفة خاضها الجيش السوري، فالمصالحات مرتبطة عمومًا بسير المعارك. هذا يعيدنا إلى موضوع الحل السياسي وارتباطه بالتقدّم العسكري على الأرض. في كل مكان يجد المشغّلون والمموّلون للفصائل الإرهابية فرصة في إطالة أمد استنزاف الجيش، فإنهم يعدون عملاءهم بالمنّ والسلوى والدعم وغير ذلك، وعندما يتأكّد الإرهابيون أن وعود أسيادهم هباء، يرضخون للمصالحة وإخلاء المنطقة المتواجدين فيها.

* لماذا عودة الحديث عن إقامة مناطق آمنة في سوريا بعد ست سنوات من بدء الازمة، وتغيير الوقائع على الأرض من حيث تراجع اعداد النازحين أولا، وتقدم القوات السورية المدعومة بغطاء جوي روسي في مناطق عديدة بعد استعادتها مدينة حلب ؟

- هذا دليل دامغ آخر على أن الحرب ليست بين السوريين، بل هي حرب عالمية على سوريا، وعندما يفشل عملاء المشغّلين على الأرض يقوم الأصيل باتخاذ المبادرة وإيجاد طرق أخرى للضغط على الدولة السورية، محاولاً إطالة أمد الحرب من جهة وتحقيق ما أراده من هذه الحرب من جهة أخرى، وهو تفتيت سوريا وتقسيمها وبالتالي محوها كدولة وحيدة في المنطقة تقف ضدّ مشاريع الهيمنة الاستعمارية و"إسرائيل". وطرح هذا الأمر الآن يأتي في سياق ظروف الحرب العدوانية على بلدنا، والتي لم يبق الأجنبيّ العدوّ وسيلة إلا واستخدمها.

* في خضم التناسق والتناغم الأميركي والتركي حول إيجاد ما يسمى مناطقة آمنة في سوريا، ألا تخشون من تكرار السيناريو الليبي، عندما استخدم "الناتو" المناطق الآمنة في بنغازي منطلقا لتغيير النظام واغراق ليبيا بالفوضى الدموية ؟

- كل ما فعلوه ويفعلونه هو من أجل إنهاك سوريا وتفتيتها، كما أسلفت. ونحن كمواطنين سوريين نثق بحكمة وشجاعة قيادة البلاد في هذه الحرب، والمتمثّلة بالرئيس الأسد تحديدًا الذي قاد معركة سوريا عبر هذه السنوات بكلّ صبر وشجاعة وإخلاص. ففي الوقت الذي سخّرت دول كبرى وأخرى إقليمية وعربية خيرة خبرائها العسكريين والاستراتيجيين واستخباراتها في خدمة الإرهابيين في سوريا، استطاعت هذه القيادة إفشال مؤامراتهم واحدة تلو الأخرى. ونثق اليوم أنها ستفشل المخططات الحالية واللاحقة.

نحن مؤمنون بأن النصر حليفنا في هذه الحرب العدوانية على بلدنا وعلى المنطقة عمومًا، لأننا أصحاب حقّ، ولأننا على حقّ. وإن طال أمد العدوان، فإننا واثقون من النصر ومؤمنون به، وقد تعاظم هذا الشعور عند أغلب السوريين، ولهذا يزيد العدوّ من حجم حصاره وتضييق الخناق على السوريين في كل تفصيل من تفاصيل عيشهم، عبر الحصار الاقتصادي الخانق، لتيئيسهم وإرضاخهم لقبول شروطه. لكن الأغلب الأعمّ من السوريين بدأ يعرف اللعبة كاملة، وازداد قناعة بأن الرئيس الأسد قادر على السير بالسفينة إلى بر الأمان.

* من أي زاوية تنظر لتصاعد حدة الصدامات بين اكبر فصيلين في المعارضة المسلحة “احرار الشام” و”هيئة تحرير الشام” في ادلب؟

- هي حرب استخبارات المشغّلين والمموّلين للإرهاب، للسيطرة على قرارهم نتيجة لسيطرة عملائهم في المناطق المتواجدين فيها. تباين وجهات النظر بين القطريّ والتركيّ والسعوديّ، وبين التركيّ والأميركي، ومحاولات الضغط لتحقيق مكاسب سياسية من بعضهم هي من يقود المعارك ومن يزيدها حدّة أو يخفف منها. طبعًا معتمدين على ما يسمّى "الشرعيين" في هذا الفصيل أو ذاك في التصعيد أو التهدئة. لقد خبرنا عبر هذه السنوات الطوال من عمر الحرب ما يجري بين هؤلاء وعلى أيّ شيء يختلفون ولماذا.

* معارضون سوريون يقولون أن الجماهير المدنية التي شاركت في "الثورة" قد أصبحت خارج الفعل، وأن ما يحدث الآن في سورية حرب حقيقية ذات طابع أهلي وطائفي، فما هي حقيقة الصراع على الارض ؟

- هذا كذب ونفاق وافتراء يحرّكه حقد على السلطة السورية. كنت وما زلت مصنّفًا من المعارضين، وقد نلت، وما أزال، حصّتي من ظلم السلطة السورية وفاسديها، وقد كنت منذ بداية الأحداث في قلب ما جرى، أي في قلب المظاهرات، في بداياتها الخجولة حتى. وعليه أقول إن كلّ من انخرط في التظاهر، ومنذ الأيام الأولى، ولم ير أن الأمور ستصل إلى هنا، هو كاذب ومخادع، يحرّكه حقده وكيديته. لقد رأينا تدفّق السلاح والاعتداء على رجال الأمن السوري منذ الأيام الأولى للمظاهرات. ففي حين كان يخرج عناصر الأمن بالهراوات، وكانت التعليمات مشدّدة لهم في عدم حمل السلاح، كانوا يواجهون بإطلاق النار الذي كان يصوّره الإعلام على أنه إطلاق نار من قبل الأمن السوريّ على المظاهرات السلمية.

إن من يتحدّث عن أن "الثورة" سرقت يريد ان يعطي لنفسه أهمية في أنه فاعل في الشارع السوريّ وكان له دوره في تحريكه، وهو نفسه من قال في البداية وروّج إلى أن "جبهة النصرة" هي من صنع النظام السوري، وأكمل بعدها أن "داعش" صنيعة النظام، ليصل في النتيجة إلى أن الحرب في سوريا هي حرب أهلية ذات طابع طائفيّ والنظام السوريّ هو أحد أركانها ومسبّبيها. واقع الأمر، أن الجيش السوري وقوات الدفاع الوطني مؤلّفة من كلّ فئات السوريين، وكما أسلفت في جواب سابق من المناطق التي يسيطر عليها الإرهابيون، وهم يقاتلون جميعًا من أجل سوريا الواحدة الموحّدة المستقلّة القرار السيّدة، ويتصدّون في كلّ مكان من الأرض السورية لعصابات إرهابية مجرمة وعميلة للأجنبيّ العدو.

في معركة حلب لولا وجود أبناء حلب نفسها في طليعة المقاتلين لما تحقّق هذا النصر السريع الخاطف، لأنهم يعرفون زواريبها وحاراتها ومداخلها ومخارجها وكل تفصيل من تفاصيلها، فكيف يمكن أن يهجم أبناء حلب على أهلهم إذا كانت الحرب تأخذ هذا البعد الذي يريدون تصويره؟

أكرر إن ما يجري في سوريا هو حرب عدوانية واضحة لا لبس فيها على السوريين كلهم، ومن دون استثناء، وأن من يقاتل الإرهاب في سوريا هم سوريون من الرقّة ودير الزور والحسكة وحلب واللاذقية وحمص وحماه ومن كل مدن سوريا وأريافها. ولمن لا يعلم فإن محافظة حلب تأتي في المرتبة الأولى بعدد الشهداء في الجيش السوريّ.

* يقول الشاعر السوري أدونيس "لم أعُدْ أخافُ من موتِ البشر، وحدهم. صرتُ أخافُ أيضاً من موت الأشياء. موت الشوارع، والصّور والتماثيل، والحدائق، والجدران"، كيف تقرأ هذه الهواجس والمخاوف ؟

- أدونيس شاعر كبير، يقول ما يريد وما يهجس به، بلغته وأسلوبه، خصوصًا وأنه يرى كما يرى الجميع ما يفعله "المتشدّدون" و"المعتدلون" من الإرهابيين في البلاد، من سرقة آثارها وتدمير أوابدها وحرق كلّ ما هو حيّ ومثمر فيها. وقد رأى الجميع الحدائق التي كانت في مناطق سيطرة الإرهابيين في حلب وقد أحرقوها وأزالوها منذ سنوات. غير أنني ألفت إلى ضرورة أن نراجع صور مدن أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية وعلى أيّ شاكلة كانت وكيف أصبحت. إن من يؤمن بالحياة، يؤمن بنصر أبنائها القادرين على استمراها وتجديدها المستمرّ، وها هم يذهبون إلى الموت عندما يحسّون أنه السبيل الوحيد لحياة بلدهم وشعبهم.

* ما هي رؤيتك للمعارضة السورية ؟

- الرغم من المساوئ الكثيرة للسلطة السورية واستئثارها وإبداعها في طرق الأذى لمن تتحسّس خطورتهم، فإن ما يسمّى المعارضة السورية على تعدّدها هي مجموعات نزقة وإقصائية ومتعالية، ويعتقد كلّ واحد من قيادات هذه المعارضات أنه يملك الحقيقة المطلقة، ويعتبر نفسه فوق النقد ولا يقبل النقاش في أيّ من المواضيع التي يثيرها هو نفسه. ولعلّ الاستقواء العلنيّ أو المبطّن، بالأجنبيّ العدوّ بالنسبة لـ"معارضة" الخارج وبالأجنبيّ الصديق بالنسبة لـ"معارضة" الداخل، هو الناظم لهذه المعارضات الخلّبية التي يعرف السوريون أنهم لو تقدّموا لانتخابات حرة ونزيهة فلن يفوز أي منهم بمقعد تمثيلي على صعيد حيّ أو قرية سورية.

*السيرة الذاتية:

عمل في الصحافة اللبنانية منذ منتصف الثمانينيات، وكتب في أغلب الصحف والمجلات العربية، وحقّق عشرات الكتب والمخطوطات، وأصدر كتابين هما: "العدّاء- تمارين لغوية" و"ضدّ الموت"، كما أصدر بين عامي 2033 و2006 مجلّة "رؤى ثقافية" الفكرية الثقافية، وأدار موقع زنوبيا، وهو حاليا ناشر ويدير موقع "أورهاي".

 كان أول مخطوف في سوريا إثر تصدّيه وبعض شباب معرّة النعمان للمسلحين ومنعهم من الاعتداء على قبر المعري ومكتبته وعلى متحف المعرة، في حزيران 2011، كما اعتقل لدى السلطات السورية عام 2016 لمدة 4 اشهر.

سوري قومي ترك الحزب السوري القومي إثر انضمامه إلى الجبهة الوطنية التقدمية عام 2005