طالبت قوى المعارضة السودانية تشكيل لجنة تحيق دولية في مقتل النائب الاول للرئيس السوداني، جون قرنق، فيما تواصلت اعمال الشغب في الخرطوم ومدن اخرى وارتفع عدد قتلاها الى نحو 63 شخصا.
لجنة تحقيق
أفادت تقارير صحفية الثلاثاء بأن عدد من قوى المعارضة في السودان طالبت بإجراء تحقيق دولي في حادث مقتل الزعيم الجنوبي جون قرنق الذي قتل في حادث تحطم مروحية بدعوى وجود شبهة جنائية في الحادث.
ونقلت صحيفة "الشرق الاوسط" عن بيان للحزب الشيوعي قوله إن "قرنق فقد لا يعوض حيث كان الفقيد طرازا نادرا من القيادة السياسية والعسكرية" وطالب الحزب في بيانه "بلجنة تحقيق دولية في حادث تحطم الطائرة " واقترح أن "يتولى مجلس الامن الدولي تشكيلها وتحديد صلاحياتها".
في الوقت ذاته طالبت حركة العدل والمساواة في دارفور بتحقيق دولي داعية الجنوبيين إلى أن يتمسكوا بما حققوه في اتفاقية السلام.
ونقلت الصحيفة عن القيادي البارز في الحركة احمد حسين ادم قوله إن الحكومة السودانية "لم توفر الحماية الكافية له كنائب للرئيس رغم الظروف..مفروض أن تتم مراعاة الظروف التي يسافر فيها". وطالب ادم الجنوبيين بالحذر من "المندسين الذين يتصيدون في المياه العكرة" ودعا إلى "اجتماع لكل القوى السياسية لاتخاذ خطوات لمستقبل السودان" مؤكدا "التزام حركته بإجراء المفاوضات في موعدها المقرر في 24 من الشهر الجاري".
من جانب آخر قال زعيم حركة جيش تحرير السودان المتمردة في دارفور عبد الواحد محمد احمد نور إن "وفاة قرنق نتيجة تحطم مروحيته لم تنجم عن حادث واعتقد أنها نتيجة مؤامرة كبيرة ضد الشعب السوداني".
ولم يتهم أي طرف أحد بصورة مباشرة بالضلوع في حادث مقتل قرنق فيما أكد القيادى الجنوبي في الحركة الشعبية لتحرير السودان ابيل الير ان مقتل قرنق حادث طبيعي بسبب سقوط الطائرة وتحطمها نتيجة لسوء الاحوال الجوية ودعا لضبط النفس وفهم الحادث في سياقه الطبيعي.
وكان الرئيس الاوغندي يوويري موسيفيني أعلن تأليف لجنة تحقيق خاصة في الحادث.
وقال في بيان تلاه نائب الرئيس جيلبير بوكينيا:"قررت انشاء لجنة مؤلفة من ثلاثة خبراء للتحقيق في الحادث" سيسميهم وزير النقل سريعاً.
وقال موسيفيني انه طلب من حكومة أجنبية الاطلاع على ملابسات ما جرى للتأكد نهائياً مما اذا كان الامر يتعلق بحادث، وهي نقطة يشدد عليها المسؤولون الاوغنديون، أم بعمل تخريبي أم عمل ارهابي. وشرح في بيانه تفصيلاً ما تمتاز به الهليكوبتر من طراز "ام آي 72" التي اشترتها اوغندا قبل ثماني سنوات من صفات امنية وتجهيزات متطورة خاصة بالطيران. ولئن اعتبر مقتل قرنق مأسوياً، أكد انه لن يؤدي الى تقويض اتفاق السلام.
وصرحت ريبيكا أرملة قرنق في حديث الى الاذاعة السودانية بان موعد جنازة زوجها الذي نقل جثمانه الى نيوسايت القاعدة العسكرية لـ"الحركة الشعبية لتحرير السودان"، سيحدد بعد التشاور مع قادة الحركة.
واعلن الحداد الوطني في السودان ثلاثة ايام .
وعقد نائب قرنق سالفا كيري مؤتمراً صحافياً في نيروبي، مقر "الحركة الشعبية لتحرير السودان" طمأن فيه "الجميع الى ان قيادة وكوادر الحركة الشعبية لتحرير السودان والجيش الشعبي لتحرير السودان سيبقون موحدين وسيسعون جاهدين الى تطبيق اتفاق السلام بكل صدق".
وقال: "اغتنم هذه الفرصة لطمأنة الجنوب السوداني خصوصاً والشعب السوداني عموماً الى أن قيادة الحركة الشعبية لتحرير السودان والجيش الشعبي لتحرير السودان ستواصل أهداف الحركة التي وضعها الدكتور جون قرنق وترغب في تحقيقها". وحض" أعضاء الحركة الشعبية لتحرير السودان والجيش الشعبي وكل الامة السودانية على الهدوء والتيقظ"، مشيراً الى انه سيغادر فوراً نيروبي الى نيوسايت لعقد اجتماع أزمة.
أعمال شغب
وقد ارتفع الى 63 شخصا عدد قتلى أحداث الشغب التي اندلعت بعد مقتل قرنق والتي لا تزال متواصلة.
وأصبح قرنق الذي برز كشخصية رئيسية في اتفاق سلام الجنوب المبرم في كانون الثاني /يناير واعتبر قصة نجاح نادرة في افريقيا النائب الاول للرئيس السوداني في التاسع من تموز/يوليو.
ومات قرنق في مطلع الاسبوع بعد تحطم طائرة الرئاسة الاوغندية الهليكوبتر التي كان يستقلها وسط احوال جوية سيئة.
وتحركت الحركة الشعبية لتحرير السودان بسرعة لملء الفراغ بأن عينت مساء الاثنين سالفا كير زعيما لها خلفا لقرنق وقالت انها تتوقع أن يؤدي اليمين نائبا أول لرئيس السودان خلال اسبوعين.
وأعلنت الولايات المتحدة ارسال اثنين من كبار دبلوماسييها لتشجيع انتقال سلس في القيادة الجنوبية وضمان مواصلة عملية السلام في السودان.
وقال الرئيس الاميركي جورج بوش "الولايات المتحدة مصممة على مواصلة التزامنا بعملية السلام في السودان." وأشاد بوش بقرنق قائلا انه كان "زعيما ذا بصيرة وصانعا للسلام".
لكن ما أن تأكدت انباء وفاة قرنق حتى خرج الاف من الجنوبيين المؤيدين له الذين كانوا قد استقبلوه استقبال الابطال عندما أصبح نائبا أول للرئيس الى شوارع الخرطوم ملوحين بسكاكين وقضبان ونهبوا متاجر وأشعلوا حرائق واشتبكوا مع الشرطة.
واضاف الطالب سويد عبد الله قائلا لرويترز "انهم يضربون كل من يرون انه يشبه العرب."
وقال أحد شهود العيان لتلفزيون رويترز "الناس يجرون في الشوارع. رجال الشرطة يأخذون الناس من الشوارع. هناك ألسنة لهب ودخان".
وأعلنت حكومة الخرطوم حظر التجول بالعاصمة من الساعة السادسة مساء (1500 بتوقيت غرينتش) حتى السادسة صباحا (0300 بتوقيت غرينتش).
وأحداث الشغب التي شهدتها العاصمة من أسوأ الاضطرابات في السنوات القليلة الماضية. وفي مايو ايار هاجم نازحون جنوبيون مركزا للشرطة في مخيم على مشارف العاصمة وقتلوا 17 على الاقل من رجال الشرطة والاهالي في أحداث العنف.
وتعهدت كل من الحركة الشعبية لتحرير السودان التي كان يتزعمها قرنق وحكومة الخرطوم اللتان تقاتلتا على مدى 21 عاما بالحفاظ على اتفاق السلام الذي أسهم قرنق في التوصل اليه.
وقال مسؤولون سودانيون يوم الاثنين ان قرنق وستة من مرافقيه وطاقم الطائرة الهليكوبتر المؤلف من سبعة أفراد قتلوا في الحادث رغم ان عضوا بمجلس القيادة في جنوب السودان قال انه تم انتشال 17 جثة.
وصدمت وفاة قرنق المنطقة حيث وحد جيران السودان صفوفهم للمساعدة في إنهاء أطول حرب أهلية تشهدها القارة.
وقال لازاروس سومبييو كبير وسطاء كينيا في محادثات السلام التي تمخضت عن اتفاق سلام يناير كانون الثاني "انها صدمة.. فقد زعيم صاحب رؤية هو الذي صاغ الاتفاق مع علي عثمان طه (الناب الاول في ذلك الوقت).
"أصلي حتى يبقى السودانيون متزنين."
وعبر الرئيس السوداني عمر حسن البشير عن ثقته في ان اتفاق السلام سيستمر رغم مقتل قرنق.
وقال البشير في بيان اذاعه التلفزيون "نحن واثقون" من ان اتفاق السلام سيمضي قدما كما هو مقرر له وان "يظل مستقبل السودان امانة في قلوبنا وفي قلوب اشقائنا في الحركة الشعبية لتحرير السودان."
ومن جانبها أكدت الحركة الشعبية لتحرير السودان يوم الاثنين مقتل زعيمها قرنق وأعلنت انها ملتزمة برؤيته من اجل اقرار السلام.
وقال كير في مؤتمر صحفي في نيروبي فيما كان اعضاء الحركة يبكون حزنا "فقد السودان ابنه المحبوب الدكتور جون قرنق... نحن في الجيش الشعبي لتحرير السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان سنواصل رؤيته للسلام في السودان."
وأضاف قائلا "نريد أن نؤكد للجميع أن القيادة وجميع كوادر الجيش الشعبي لتحرير السودان ستحافظ على وحدتها وستجاهد لتطبق باخلاص اتفاق السلام الشامل."
وقالت وزارة الخارجية الاميركية ان دبلوماسيين اميركيين كبيرين هما كوني نيومان مساعد وزيرة الخارجية للشؤون الخارجية وروجر وينتر المبعوث الاميركي الخاص الى السودان سافرا الى السودان للاجتماع مع الزعماء في الجنوب وفي الخرطوم.
وسجي جثمان قرنق في نعش خشبي في حجرة خاوية لالقاء نظرة الوداع عليه. وأعلنت الحركة الشعبية لتحرير السودان الحداد لمدة خمسة ايام في جنوب السودان بدءا من الثلاثاء.
وكان قرنق قد غادر أوغندا بطائرة هليكوبتر في وقت متأخر من مساء السبت الماضي عائدا الى السودان بعد محادثات مع الرئيس الاوغندي يوويري موسيفيني. وقالت عدة مصادر في أوغندا والسودان انه يبدو أن الطائرة تعرضت لاحوال جوية سيئة وثارت تكهنات أيضا عن أن وقودها نفد.
وسقطت الطائرة بالقرب من المنطقة الحدودية الجبلية النائية وتضاربت الاراء بشأن على أي جانب من الحدود سقطت.
وقال دينج الور عضو مجلس القيادة بجنوب السودان لرويترز من نيو سايت انه تم انتشال 17 جثة من الموقع وهو رقم أعلى من الرقم الذي اعلنته الرئاسة السودانية لضحايا الحادث. واضاف قائلا "نحن لا نستبعد اي شيء. وطلبنا من هيئة الطيران الاوغندية ان تراجع سجلات الرحلة."
وكان اكثر من مليون سوداني قد خرجوا لاستقبال قرنق عند وصوله الخرطوم لاداء اليمين كنائب اول للرئيس في التاسع من يوليو تموز ووقع مع البشير عدوه السابق دستورا مؤقتا جديدا للبلاد.
واعتبر الدور الذي لعبه قرنق ضروريا لنجاح محادثات السلام الخاصة بالجنوب وكان كثيرون يأملون ان يلعب دورا لانهاء الصراع في دارفور بغرب السودان.
وبدأت الحرب الاهلية في الجنوب في عام 1983 عندما سعت الحكومة الاسلامية في الخرطوم لفرض الشريعة الاسلامية على الجنوب الذي تقطنه أغلبية غير مسلمة. وقتل مليونا شخص في الصراع أغلبهم بسبب الجوع والمرض.
واثبت قرنق انه محنك سياسيا بتحالفه مع الشيوعيين وخطبه ود الجماعات المسيحية الامريكية واستفادته من الصراع العشائري لاحكام قبضته على السلطة في وقت سادت فيه الصراعات الداخلية حركته.