اميركي يكتب سيرة الملك فاروق: حياة لاهية وموت مأساوي

منشور 13 تِشْرِين الثَّانِي / نوفمبر 2007 - 09:04

بعد عرض مسلسل تلفزيوني مثير للجدل كتبته طبيبة مصرية وأنتجه سعوديون وأخرجه سوري عن ملك مصر السابق فاروق يأتي هذا الكتاب لمؤلف أميركي ليرسم صورة أخرى عما يعتبره فسادا للملك واسرافا في ملذاته وانشغاله عن الشعب.

ويقول وليام ستادين في كتابه (فاروق ملك مصر.. حياة لاهية وموت مأساوي) ان أحوال البلاد لم تكن مستقرة ففي العام الذي سبق الاطاحة به قام فاروق بتغيير الحكومة بضع مرات وانه كان منغمسا "في الحفلات والسهر وفي بذخه واسرافه على ملذاته وأهوائه" حيث زادت ثروته مما يعتبره استغلالا للنفوذ على 140 مليون دولار أميركي اضافة الى ألوف الافدنة.

ويأتي الكتاب بعد أن عرض طوال شهر رمضان الماضي مسلسل (الملك فاروق) لمؤلفته لميس جابر ومخرجه حاتم علي وانتاج قناة فضائية مملوكة لامير سعودي. ورأى البعض في المسلسل انصافا للملك الذي اتسم عصره كما يقولون بسيادة قيم الليبرالية في حين اعترض اخرون ساخرين على مفهوم الليبرالية الذي لا يتحقق في ظل تهميش مجتمع عانى في عصر فاروق الجهل والظلم والحفاء كما اتهموا فاروق بالاستبداد والفساد الذي أدى الى أن تكون الثورة عليه نتيجة طبيعية.

ورأى فريق ثالث في المسلسل تزويرا للتاريخ قائلين ان الحماس له ليس الا ادانة للواقع الحالي الذي يصفونه بأنه أكثر فسادا من أيام الملكية تحت الاحتلال البريطاني لمصر (1882-1954).

وشهدت الفترة الاخيرة من عصر فاروق قلاقل سياسية منها حريق القاهرة يوم 26 كانون الاول /يناير 1952 وتعاقبت الوزارات الى أن قام شبان غاضبون ينتمون لتنظيم (الضباط الاحرار) بزعامة جمال عبد الناصر بانقلاب ليلة 23 تموز /يوليو 1952 تحول مع التفاف الشعب الى ثورة وتم اجبار الملك على مغادرة البلاد يوم 26 يوليو ليظل في المنفى حتى وفاته.

ويقع الكتاب الذي ترجمه الكاتب المصري أحمد هريدي في 383 صفحة كبيرة القطع وصدر بالقاهرة في سلسلة (كتاب الجمهورية) وبه ملحق يضم عشرات الصور لفاروق صبيا وشابا وملكا تتصدر صوره أغلفة بعض أعداد مجلة تايم الاميركية وصور لاولاده وزوجتيه فريدة وناريمان وصور له في منفاه بايطاليا مع "احدى صديقاته" في مطعم أو "وسط صديقاته" بأردية البحر.

كما يضم الكتاب ملحقا بمقالات ودراسات لمؤرخين ونقاد تناولوا عصر فاروق بالمقارنة بين ما قالوا انه الحقيقة التاريخية والمسلسل التلفزيوني.

ويقول هريدي مترجم الكتاب في مقدمة ان سيرة فاروق مثلت للمؤلف ستادين تحديا لان الملك لم يكتب يوميات طوال حياته ونادرا ما كان يكتب خطابا "لم يكن قد كتب أي خطاب في حياته على الاطلاق وصديقه الوحيد ( الايطالي أنطونيو بولي) لم يكن غير كهربائي القصر قليل الثقافة والمعرفة" كما كان القريبون منه هم حرسه الالبان وجميعهم رحلوا ولم يتركوا مذكرات.

ويضيف أن المؤلف الذي يهتم بالعمل الوثائقي في الكتب والبرامج التسجيلية توصل الى "ملامح صورة أقرب الى الحقيقة لفاروق الانسان الملك" اعتمادا على التقارير الدبلوماسية البريطانية والامريكية التي تناولت بعض شؤون فاروق كما ظل على "سفر متصل" للحصول على معلومات من مصادر شفاهية أبطالها ممن عرفوا الملك وبعضهم أرستقراطيون مصريون "وعشيقات فاروق" اضافة الى أثرياء أصبحوا فقراء وفقراء أصبحوا أثرياء.

ويسجل المؤلف أن فاروق في "يوم السبت الاسود" الذي وقع فيه حريق القاهرة 26 كانون الاول/يناير 1952 تقدم 600 مدعو الى مائدة عامرة احتفالا بمولد ابنه أحمد فؤاد. وشبه قصر عابدين المكون من 550 حجرة مزينة بالحلي والجواهر واللوحات الفنية بقصر بكنغهام مع اختلاف يتمثل في وجود قصر عابدين وهو أحد القصور الملكية بالقاهرة وسط بيوت فقيرة خرج منها " الالاف من الطلبة الراديكاليين والقوميين والشيوعيين والاصوليين الدينيين وكلهم تصميم على استئصال الامبريالية... في نهاية السبت الاسود كانت الحرائق قد أتت على معظم المؤسسات الاجنبية التي أعطت للقاهرة سحرها وصورتها الدولية."

وأضاف أنه قبل أيام من قيام الثورة توجه فاروق الى مدينة الاسكندرية الساحلية ومعه 200 من أفراد الحاشية منهم مصففو شعر وخدم وأطباء وسائقون وحائكو ملابس حيث اعتاد أن يدير شؤون البلاد خلال الصيف من قصري (رأس التين) و(المنتزه) المطلين على البحر المتوسط.

ويتابع أن الملك الذي وصفت الصحف العالمية انذاك عرسه على زوجته الجديدة ناريمان "بأنه أكثر حفلات العرس في التاريخ بذخا" ظل كما هو " السادر في حياة الرفاهية ورغد العيش في قصر المنتزه قصر الاحتفالات" وكان عليه أن ينزع الفتيل حيث كانت البلاد على وشك الانفجار لكنه انشغل بزوجته وابنه.

ويقول ان فاروق "بحجمه الضخم الغارق في متع الحياة" كان عنوانا لعصر الاستهلاك حيث كان يمتلك 200 سيارة في ظل معاناة الفلاحين المصريين " الجياع" بسبب التفاوت الطبقي والحرمان من المشاركة في ثروات البلاد مضيفا أنه في سبيل انقاص وزنه اتبع نظاما غذائيا يزوده ببروتين خال من الدهون حيث كان يستورد بالطائرة كميات من المحار البحري من الدنمرك.

ويضيف أن من فوائد ذلك الطعام "استثارة القدرة الجنسية" لكن فاروق رغم ذلك ظل يتناول 12 بيضة في الافطار. وفي الصباح تتولى "كتيبة من النوبيين والسودانيين والخادمات الجركسيات" مهام تدليك جسده وفروة رأسه "مع اضافة دواء يرجع الى أيام الفراعنة من أجل اكتساب بعض الشعيرات في الرأس" الذي مال للصلع.

يقول ستادين في كتابه إن الغضب تصاعد في نهاية عصر فاروق وتمثل في الطلبة والضباط الأحرار الذين لم يتخلصوا "من إحساس بالذل والمهانة لهزيمتهم أمام إسرائيل في حرب 1948 وكانوا يلومون الملك فاروق على هزيمتهم تلك لأنه باعهم إلى تجار حرب زودوهم بأسلحة فاسدة كانت السبب في خسارتهم الحرب" التي انتهت بقيام الدولة العبرية في أرض فلسطين التاريخية.

وأضاف أن قليلين فهموا كيف انتهت قصة الحب بين فاروق وزوجته الأولى فريدة "إلى دخوله سلسلة علاقات متصلة لا تنتهي" مع أميرات وروائيات وممثلات وراقصات لكنهم لم يفهموا كيف استقر ملك "لديه وفرة في النساء الثريات الجميلات" على الزواج من ناريمان الشابة التي قابلها في متجر للمجوهرات وهي بصحبة خطيبها حيث كانا يشتريان خاتم الزفاف.

ويفسر ستادين زواج فاروق من ناريمان البالغة آنذاك نحو 16 عاما بأنه محاولة للتقرب إلى الشعب.

لكن محاولة التقرب إلى الشعب اصطدمت بسلوكيات أخرى لملك بدأ محبوبا وانتهى مكروها.

فيقول المؤلف إن فاروق كان يصحب بولي "أخلص صديقه له" ليلا إلى نادي السيارات الملكي ليلعب القمار مع أثرياء أجانب حيث كان فاروق "يحرص على أن يخسر لصالحهم بعض آلاف من الدولارات... أفضل أصدقائه المقامرين كانوا يهودا كذلك بعض خليلاته المفضلات."

ويضيف أن مجموعتين من الشعب لم تعجبا بفاروق هما تنظيم الضباط الأحرار ووكالة الاستخبارت المركزية الأمريكية وأن الرئيس الأمريكي الأسبق تيودور روزفلت سخط على فاروق بسبب تغييره للحكومات في فترة قصيرة إضافة إلى "رفضه طرد أفراد وزارة المطبخ من القصر وهم مجموعة من غير المسلمين لم تكن تمثل البلاد أو تتفق مع طموحات روزفلت" وفي مقدمتهم بولي واللبناني كريم ثابت المستشار الصحفي للملك.

وفي رأي المؤلف أن ثابت كان "المكروه الماكر كميكيافيللي... لكن فاروق كان شديد الإخلاص لأصدقائه" حيث حرص على اصطحابهم معه حين أجبر على مغادرة البلاد حاملا عشرات من الحقائب والجواهر التي خبأها في صناديق الخمور كما يقول ستادين.

وكانت (دار الشروق) بالقاهرة قد أصدرت (مذكرات كريم ثابت) بمقدمة لمحمد حسنين هيكل وتقع في أجزاء منها (ملك النهاية.. فاروق كما عرفته) و(نهاية الملكية.. عشر سنوات مع فاروق).

ويقول ستادين إن خطأ فاروق تمثل في عدم تقديره الصحيح لمقدرة الفلاحين المصريين على الحركة التي انتهت بالثورة عليه "لقد استقر في يقين ناصر أن فاروق على وشك القيام باغتيالهم وكان القرار هو أن ينالوا منه قبل أن ينال هو منهم" موضحا أن هذا التنظيم كان يضم نحو 300 ضابط منهم أقل من 14 من أهل الثقة الذين خططوا ونفذوا الثورة.

ويضيف أن فاروق خرج فجر يوم 21 تموز/ يوليو 1952 بسيارته المرسيدس من قصر المنتزه في جولات انتهت بمائدة القمار في نادي السيارات الملكي وجاءته مكالمة هاتفية من حسين سري رئيس الوزراء يحذره من انقلاب وشيك وخيره بين تعيين اللواء محمد نجيب وزيرا للحربية أو القبض عليه مع بقية "الضباط المتآمرين" فطلب الملك من رئيس الوزراء أن يقرأ عليه أسماءهم وهوياتهم ثم ضحك في استهزاء وعاد إلى مائدة القمار.

مواضيع ممكن أن تعجبك