ووريت زعيمة المعارضة الباكستانية بينظير بوتو الثرى في مقبرة أسرتها في اقليم السند بعد يوم من مقتلها في عملية انتحارية اتهمت السلطات تنظيم القاعدة بالوقوف وراءها، وتسببت في اندلاع احتجاجات عنيفة ما تزال متواصلة في انحاء البلاد.
وشارك في تشييع جثمان بوتو مئات الالاف من انصارها الذين راحوا يلطمون رؤوسهم وهم يسيرون في موكب الجنازة الذي تحرك من مسقط رأسها في السند بجنوب البلاد الى مقبرة العائلة.
وانتحب زوجها اصف علي زرداري وهو يصطحب الكفن الذي غطي بشعار حزب الشعب الباكستاني الذي كانت تتزعمه بوتو ( 54 عاما) الى مقبرة العائلة في قرية جارهي خودا بخش.
وصلى زرداري في المقبرة مع أولاده الثلاثة وهم ابنه بلوال (19 عاما) وابنتيه بختاوار (17 عاما) واصفة (14 عاما).
وردد كثير من المشيعين شعارات معادية للرئيس الباكستاني برويز مشرف والولايات المتحدة التي أيدت على الدوام قائد الجيش السابق على أمل أنه سيستطيع صون الاستقرار في البلد النووي الذي تعصف به أعمال عنف ينفذها متشددون اسلاميون.
ولقيت بوتو مصرعها الخميس في اعتداء انتحاري اودى بحياة عشرين شخصا اخرين على الاقل في روالبندي في ضاحية اسلام اباد بعيد تجمع انتخابي لحزبها، ابرز حزب معارض للرئيس برويز مشرف، قبل اسبوعين من الانتخابات التشريعية المتوقعة في الثامن من كانون الثاني/يناير.
اتهام القاعدة
وقالت وزارة الداخلية الجمعة ان لديها معلومات "مخابرات" تشير الى ان القاعدة وراء قتل بوتو، مؤكدة انها لقيت مصرعها اثر اصطدام راسها بفتحة سيارتها ولم تصب باي رصاص او شظايا جراء الانفجار.
وقال جاود اقبال شيما المتحدث باسم وزارة الداخلية في مؤتمر صحفي "لدينا (معلومات) بيانات اعتراض استخباراتية تشير الى ان بيت الله محسود الزعيم بالقاعدة وراء الاغتيال".
ومحسود احد اكثر زعماء المتشددين المطلوب اعتقالهم في باكستان ومقره منطقة وزيرستان الجنوبية على الحدود الافغانية.
لكن شيما اكد ان الحكومة "ليست على علم" باعلان تنظيم القاعدة مسؤوليته المباشرة عن عملية الاغتيال كما كان ذكر التلفزيون الباكستاني الخاص "ايه آر واي تي في"، دون مزيد من التفاصيل.
وفي وقت سابق قال محلل مستقل لوكالة انباء رويترز ان أنصار القاعدة في أجهزة الأمن الباكستانية قد يكون لهم دور في اغتيال بوتو لكن من المستبعد أن يكون مشرف متورطا.
ويقول محللون ان اغتيال بوتو يضعف سلطة مشرف الذي تعتبره الولايات المتحدة حليفا مهما في حربها ضد الارهاب باستبعاد احتمال اتفاق المشاركة في السلطة بين الاثنين الذي كان من شأنه تدعيم مكانته السياسية المتدنية وتحقيق الاستقرار في البلاد.
وشجب أيمن الظواهري الرجل الثاني في تنظيم القاعدة هذا الشهر عودة بوتو باعتبارها مناورة أميركية.
وقبيل عودة بوتو في تشرين اول/أكتوبر تعهد حاجي عمر القائد بطالبان بمهاجمتها.
احتجاجات دامية
الى ذلك، اعلنت الشرطة ومصادر طبية ان اكثر من 32 شخصا قتلوا خلال احتجاجات عنيفة اندلعت في باكستان بعد اغتيال بوتو. وبين القتلى اربعة رجال شرطة.
وشهدت مدينة حيدر اباد الاضطرابات الاسوأ حيث جرى استدعاء قوات الجيش لاستعادة الهدوء بعد فشل أمر للشرطة باطلاق النار على المحتجين الذين يلجأون للعنف في كبح الاضطرابات.
وقالت الشرطة وشهود ان المحتجين أضرموا النار في 25 بنكا ومئة سيارة ومنافذ بيع وجبات سريعة أجنبية في حيدر اباد. وأحرقت ايضا عدة عربات قطار.
وخلت شوارع كراتشي اكبر مدينة في باكستان ومركزها التجاري من المارة الى حد كبير. وفي شرق المدينة هاجم أكثر من الفي شخص مركزا للشرطة ونهبوه وأضرموا فيه النار.
واندلعت حرائق ايضا في انحاء قلب اقليم السند. وقالت الشرطة ان أعمال عنف اندلعت في أقاليم أخرى وقتل شخص في مدينة لاهور الشرقية.
وقال شهود انه في بيشاور تم احراق مكتبين لحزبين سياسيين مواليين لمشرف، كما اضرم محتجون في اقليم بلوخستان النار في محطة قطارات وعدة بنوك ومركبات حكومية ومكاتب لحزب موال لمشرف.
وفي مدينة مولتان في اقليم البنجاب الحق حشد اضرارا بسبعة بنوك واحرق ثماني محطات بنزين. وخرج المحتجون الى شوارع مظفر اباد في القطاع الباكستاني من كشمير. وفي وادي سوات حيث يقاتل الجيش متشددين موالين لطالبان قالت الشرطة ان انفجارا في تجمع انتخابي لحزب الرابطة الاسلامية الباكستانية - جناح القائد الاعظم الموالي لمشرف أسفر عن مقتل ستة منهم مرشح عن الحزب في الانتخابات المقبلة.
مطلب الأمة
وصرح الزعيم الباكستاني المعارض نواز شريف الجمعة ان "المطلب الاول" للامة هو استقالة الرئيس برويز مشرف في اقرب وقت ممكن، معتبرا ان اغتيال بوتو يشكل "دليلا" على انه لا يريد تنظيم انتخابات حرة وعادلة.
من جهة اخرى، رأى رئيس الوزراء السابق ان الابقاء على الانتخابات التشريعية في موعدها في الثامن من كانون الثاني/يناير يمكن ان يؤدي الى "تدمير" باكستان. وقال "اذا بقيت الحكومة متمسكة بموعد اجراء الانتخابات في الثامن من كانون الثاني/يناير، فذلك سيؤدي بنا الى طريق التدمير الذاتي الذي لن يؤدي فقط الى تدمير الحكومة وانما ايضا الى تدمير البلاد".
واكد شريف ان "على مشرف الاستقالة. انه المطلب الاول للامة اليوم ويمكنني ان ارى ان الناس يريدون ان يحصل ذلك في اقرب وقت ممكن وبدون تأخير".
واتهم شريف الرئيس الباكستاني بانه "لا يعتزم اجراء انتخابات حرة وعادلة وما حدث بالامس كان دليلا على ذلك"، في اشارة الى اغتيال رئيسة الوزراء الباكستانية السابقة.
أخطر ازمة
في غضون ذلك، رأى محللون ان باكستان باتت تواجه اخطر ازمة في تاريخها بعد اغتيال بوتو الذي استهدف زعزعة استقرار هذه القوة النووية البالغ عدد سكانها 160 مليونا ونسف الانتخابات الوشيكة.
ورأى المحللون انه سيتحتم على الرئيس برويز مشرف اقناع معارضيه الذين يحملونه كحد ادنى مسؤولية عدم توفير الحماية الضرورية لبوتو والا فقد يطرد من السلطة بعدما حكم ثماني سنوات.
وتواجه باكستان قبل اقل من اسبوعين على انتخابات حاسمة ما زال من المقرر تنظيمها في الثامن من كانون الثاني/يناير اخطر وضع عرفته منذ انشقاق بنغلادش قبل 35 عاما. واعلنت الحكومة انه من غير المقرر حاليا ارجاء الانتخابات غير ان الخبراء يشككون بامكانية اجرائها.
وقال حسن عسكري المدير السابق لفرع العلوم السياسية في جامعة البنجاب "اننا نتوجه نحو مرحلة من الغموض السياسي قد تغرق البلد في الفوضى". ورأى ان "الريبة بين مشرف والمعارضة بلغت حدا حمل بعض المعارضين الى دعوته للاستقالة والامل ضئيل في المرحلة الراهنة في تهدئة الامور" محذرا من انه "اذا ما استمرت الازمة فان مستقبل مشرف نفسه سيكون مهددا".
ورأى رسول بكش ريس الخبير السياسي في جامعة لاهور ان "مصداقية الحكومة تتضعضع في ما يتعلق بقدرتها على ضمان عودة البلاد الى وضع طبيعي".
ورأى دبلوماسي غربي ان الوضع "ليس كارثيا بعد" غير ان المسألة تتوقف الى حد بعيد على قدرة حزب الشعب على تهدئة مناصريه "لكنه من مصلحة قيادة حزب الشعب..ايضا ان يترك الوضع يتفاقم بضعة ايام حتى تكون له وسيلة ضغط على اوساط مشرف".وحذر من انه "اذا لم يتوصل حزب الشعب..ومشرف على وجه السرعة الى اتفاق وان لم يتوجهوا الى مناصري حزب الشعب في الشارع فان الوضع سيتفاقم".
غير ان البعض يبدي قدرا من الامل. وقال المحلل الجنرال المتقاعد طلعت مسعود "ان بوتو قد تحقق بعد مقتلها هدف حياتها وهو وضع البلاد على طريق الديموقراطية".