بين كفتة عبد العاطي وتنبؤات اللمبي وبيانات جماعة “بهية”: جولات ملاكمة فلسطينية في جورة الأحتلال

تاريخ النشر: 27 نوفمبر 2020 - 03:07 GMT
حالة التجاذب السياسي الفلسطيني المتواصلة منذ الانتخابات التشريعية الفلسطينية عام ٢٠٠٦
حالة التجاذب السياسي الفلسطيني المتواصلة منذ الانتخابات التشريعية الفلسطينية عام ٢٠٠٦

 د. سنان شقديح

تبدو حالة التجاذب السياسي الفلسطيني المتواصلة منذ الانتخابات التشريعية الفلسطينية عام ٢٠٠٦ والتي قادت لأنقلاب غزة وتفتيت ما تبقى من فلسطين اقرب ما تكون الى جولة ملاكمة مستمرة منذ ١٤ عاما بين متنافسين فلسطينيين محجوزين داخل قفص لا يسمح لكلاهما بمغادرته دون فوز وفي غياب اي تحكيم يحسم المباراة بعدد الضربات ووفقا لقوانين لعبة فرضتها معادلات جمهور محلي، أقليمي ودولي يشجع هذا الطرف او ذاك.

وثمة مثل شعبي فلسطيني قد يكون الافضل في توصيف راهن حلبة الملاكمة الفلسطينية-الفلسطينية في ظل تنامي وتكرس قوة الاحتلال الاسرائيلي ومطلعه ” يتلاكمون في جورة …” لكني لا احبذ استخدامه من باب الحفاظ على الذائقة العامة.

وان كان هذا هو حال النخبة السياسية والثقافية الفلسطينية فأن حال بعض من في قاعدة جمهور المتفرجين المحليين الكثر يشكل انعكاسا اسوء بأتجاه متسارع نحو السلبية والعدمية يتخلله بين الفينة والاخرى بيانات تخدم في ظاهرها نقد او تشجيع احد الملاكمين لكن في حقيقتها هي تبرير لانكفاء الموقعين انفسهم عن العمل الوطني.

ويمكن العودة هنا لبيانات صدرت مؤخرا عن اشخاص يدعون تمثيل قطاعات او مكونات فلسطينية وعند التدقيق بالاسماء يتضح ان معظم الموقعين اسماء لا علاقة لها بالعمل العام او منقطعة عنه بعضها يتبنى نهج “التطهر الثوري” القائم على الردح دون تقديم بديل والجزء الاخر يوقع من منطلق ” شوفيني يمة وزغردي يا بهية” والغاية النهائية للبعض ليست تقديم بديل بقدر ما هي نشر بيان على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي ليتلقى اصحابها “لايكات” وتعليقات من وزن: “قائد بحجم وطن نمرة ٤٣” او “زعيم يا كبير”.

ومن جملة البيانات المشابهة للصنف الوارد سابقا فقد حال ما عرف عني من خجل وتأدب ان اعلق لصديق نشر احدها بكلمة “شوفيتم” وتقال للخارج للتو من قضاء حاجته.

ولا انفي هنا ان بعض المنغمسين بالخلافات الفلسطينية نواياهم حسنة كتلك المستخدمة في تعبيد طريق جهنم لكن غالبا ما تروس هذه الفئة بياناتها بادعاء ان من فيها هم من “نشطاء اوشخصيات اوممثلي المؤسسات بل انه حدث وهذا ليس نكتة ان قرر احد افراد هذه العينة قبل اسابيع افتتاح سفارة فلسطينية في دولة غربية واستأجر مكتبا على حسابه وكاد ان يضع لافتة بذلك فيما قام مطلوبون جنائيون ومهربوا دخان في اوروبا بأصدار بيان بأسم المؤسسات الوطنية الفلسطينية .

والأدهى من النماذج السابقة هي فئة اخرى تستغل وسائل التواصل لتعميم الشتم والتخوين وطعن الأعراض لناشطين فلسطينيين ضمن حالة يتضح من منهجيتها وتواصلها انها مرتبطة بملفات امنية خارجية.

وفقط من باب عدم تسليط الضوء على فئات سلبية فمقابلها هناك تبلور لجيل من المشاركين الفاعلين في العمل العام يسعون للعمل بعيدا عن مشجعي حلبة الملاكمة المحليين من منطلق ان اولوية الصراع ليست داخلية ولا مصلحة لفلسطيني باضعاف طرف فلسطيني اخر وتحديدا منظمة التحرير الفلسطينية التي لا زالت تحت حصار سياسي عربي ودولي وتعرضت لضربات تكاد تكون قاتلة خلال الاربع سنوات الماضية.

وتأخذ ظاهرة الناشطين المبتعدين عن مستنقع الخلافات الفلسطينية البينية اشكالا مختلفة ففي الضفة الغربية والقدس برزت قبل اعوام ظاهرة انتفاضة السكاكين في الاراضي الفلسطينية واطلقت عليها اسرائيل اسم ظاهرة ” الذئاب المنفردة” في اشارة لنشاطات وطنية فلسطينية عابرة للأطر الفلسطينية ولا تنسق مع القوى التقليدية ويعنيها فقط الاشتباك مع الاحتلال ومن قادة هؤلاء الشهيد باسل الاعرج نموذج الناشط والمثقف المشتبك.

وحتى خارج فلسطين تبلورت ظاهرة نشطاء يركزون فقط على فتح نقاط اشتباك جديدة مع الرواية الصهيونية ويعتبرون ان دورهم الحقيقي هو استدامة الاشتباك ومن هنا يبتعدون عن الخلافات الفلسطينية فلا يطرحون حل الدولة او الدولتين او تأييد اي من اطراف حلبة الملاكمة الفلسطينية مع تركيز مطلق على حملات متواصلة قانونية ضمن المتاح والممكن مؤيدة للحق الفلسطيني.

وبينما كانت الاجهزة الامنية الاسرائيلية تترصد ناشطي ظاهرة ” الذئاب المنفردة” فأن حكومة الكيان شكلت ذات العام وزارة الشؤون الاستراتيجية لرصد وضرب الناشطين الفلسطينيين في الخارج ويتبع لها موقع “كناري ميشين” الذي يحوي تقارير امنية عن نحو ٣٠٠٠ متضامن مع الحق الفسطيني في الولايات المتحدة واتحدى ان يكون من بين هؤلاء الناشطين من يوقعون على بيانات جماعة ” بهية”.

وهنا ورغم الاشارات السابقة لمتفرجي مباراة الملاكمة المحليين السلبيين من “متنطعي” العمل العام الا انني لا القي اللوم عليهم فاساس الخلاف والانقسام المؤدي لأستمرار حلبة الملاكمة هو النخبة السياسية والثقافية الفلسطينية التي تسعى اطرافها لفرض برامجها وأيدولوجياتها ورؤيتها على الأخرى باعتبار ان كل منها يمتلك المعرفة والحقائق المطلقة عن الكون وصيرورته ومستقبل الصراع.

والادهى ان بعض ملاك الحقيقة المطلقة من الفلسطينين يضع تاريخا محددا باليوم والساعة لهزيمة اسرائيل بينهم القيادي في حماس فتحي حماد الذي يؤكد ان زوال الكيان سيتم عام ٢٠٢٢.

طبعا لا علم لي يتفاصيل العملية الحسابية والمعادلات الكونية التي قادت لمبي غزة لتحديد تاريخ زوال اسرائيل بعد عام ونيف من الان الا انني لا اخفي انني من معجبيه ومن متابعي تصريحاته جنبا الى جنب مع الجنرال المصري المفضل لي وهو عبد العاطي كفتة مكتشف علاج الأيدز الذي حول الفايروس الى ” اسياخ كباب” يطعمها للمرضى المتعافين.

وبعيدا عن اللمبي والجنرال كفتة وحتى لا اسرح بعيدا عما احاول قوله وهذه عادتي فأنه بين سعي اطراف النخبة الفلسطينية لفرض اجندة احدهم على الاخر وامتلاك الحقيقة المطلقة تفشل كحتمية اي محاولات لانهاء منازلة الملاكمة المتواصلة وسط غياب لأي رؤى عميقة من خارج صندوق الصراع الداخلي تعيد الأولية للصراع الرئيسي مع دولة الكيان التي يتكرس احتلالها وسرقتها للارض والمقدرات الفلسطينية بتناسب طردي مع الصراع الداخلي الفلسطيني فكلما طالت الخلافات البينية تزداد ووتكرس قوة الاحتلال.

وقد حاول اكاديميون ونشطاء طرح مفهوم “الأستراتيجيات المتعددة” الملتقية على رواية او هدف واحد كبديل عن اجماع غير ممكن الان على “أستراتيجية واحدة متفق عليها”.
ويفترض طرح الاستراتيجيات المتعددة ان فشل تحقيق اجماع وطني على مفهوم واحد نفترض هنا انه المقاومة الشعبية السلمية هو استراتيجيات صغيرة متعددة مختلفة يتبناها كل قطاع سكاني فلسطيني ضمن ما هو متاح في جغرافيته السياسية طالما ان هناك اتفاق على الهدف والرواية الواحدة.

ما سبق يفترض على سبيل المثال تبني فلسطينيي الضفة المقاومة الشعبية السلمية وتبني السلطة الفلسطينية المقاومة الدبلوماسية والقانونية وتبني غزة المقاومة والممانعة ان كان ذلك متاحا وتبني فلسطينيوا الخارج حملات مقاطعة وعزل ومعاقبة وسحب الاستثمارات من اسرائيل بينما يناضل الفلسطينيون داخل اسرائيل من اجل اسقاط يهودية الدولة وتحويلها لدولة لكل مواطنيها تتيح حق العودة للاجئين وتهدم الجدار.

وتستجيب امثلة الاستراتيجيات السابقة لواقع كل قطاع سكاني فلسطيني بل انها تمارس الى حد بعيد ضمن هذه القطاعات والمطلوب فقط تطوير الياتها كبديل عن اختراع عجل تحرري جديد يفترض اجماعا وطنيا كاملا على استراتيجية واحدة مختلف عليها.
زلا يبدو طرح الاستراتيجيات المتعددة مقبولا او حتى قابلا للنقاش لدى نخب سياسية تستهلكها خلافات بينية على المحاصصة او حتى نخب ثقافية لم تخرج للان من حالة النقاش البيزنطي حول الحلول المستقبلية ان كانت على شكل دولة او دولتان او كنفدرالية فيما تستغل دولة الاستيطان الاحتلالي الأحلالي كل ثانية لتكريس وجودها كحقيقة على الأرض.

التوافق على مفهوم الأستراتيجيات المتعددة للتحرير يفترض اساسا الابتعاد عن سياسات تخوين وتعهير كل طرف فلسطيني للاخر بما يتيح وقفا لمباراة الملاكمة وصرف جمهورها من السلبيين واستشهاديي ” الفيسبوك”.

بالمناسبة ابحث عن محامي برأة اختراع لتسجيل فكرة خطرت لي بأن اقترح على وسائل التواصل الاجتماعي او شركة “فيسبوك” تحديدا استخدام ايقونة ضوء او “لمبة” بهدف اختصار الوقت على مرتادي وسائل التواصل الاجتماعي من الفلسطينيين لتوضع الى جانب ايقونة “لايك” تستخدم كبديل عن جملة “منور يا قائد” التي باتت شائعة مؤخرا.