اعرب محللون عرب عن مخاوفهم من احتمال وقوع حرب اهلية في العراق على غرار ما جرى في لبنان كما تنامت المخاوف من حجم النفوذ الايراني في حال نجح الشيعة في الانتخابات.
مخاوف من حرب اهلية
يقول محللون ان اعمال العنف المتصاعدة والجدل السياسي الدائر بشأن الانتخابات العراقية التي تجري في 30 كانون الثاني /يناير الجاري تثير مخاوف من اندلاع حرب أهلية في البلاد المضطربة على غرار ما حدث في لبنان.
ولم يفلح نظام اقتسام السلطة الهش الذي يقوم على أساس طائفي في لبنان والذي كفل دورا محوريا بارزا للاقلية المارونية في تجنب اندلاع صراعات عام 1975 اغرقت الدولة الصغيرة في اراقة دماء لم تتوقف الا عام 1990 .
ولم يسرد لنا تاريخ العراق الكثير عن الصراعات الطائفية الا ان المطالب الضاغطة من قبل الكيانات العرقية والدينية في البلاد أدت الى تعميق الفرقة منذ الاطاحة بالرئيس العراقي صدام حسين.
ومع توقع مقاطعة الاقلية السنية العربية التي دانت لها الهيمنة ردحا من الزمن للانتخابات الا ان المسرح بات مهيئا للاغلبية الشيعية للسيطرة على خشبة المسرح السياسي لاول مرة.
ويحذر الساسة والمسؤولون والمحللون من أنه اذا ترك السنة على هامش الاحداث وهم الذين حكموا العراق الحديث فقد تحوم في الافق نذر كثيفة لحرب اهلية فيما قد ينشق الاكراد الذين يعمهم الاضطراب.
ويغلب السنة على غمار احداث العنف التي تجتاح وسط العراق وهم يتألفون من تشكيلة قاتلة من الموالين لصدام والاسلاميين المتشددين والمقاتلين الاجانب.
ودعا كثير من زعماء السنة الدينيين والعشائريين والسياسيين الى مقاطعة الانتخابات التي يرون انها غير مشروعة لانها تجري في ظل ما يصفونه بالاحتلال.
وحتى السنة الذين يحبذون الانتخابات فقد لا يشاركون فيها في نهاية المطاف خشية العنف والترهيب وقد يمهد ذلك السبيل كي يكتسح الشيعة معظم مقاعد الجمعية الوطنية وعددها 275 مقعدا.
وقال وزير الداخلية العراقي فلاح النقيب هذا الاسبوع ان مقاطعة الانتخابات تعني الخيانة وتشجيع اندلاع حرب أهلية مشيرا الى انه اذا لم تمثل الجمعية الوطنية جميع العراقيين فان البلاد ستزلق الى الفرقة والحرب الاهلية.
وقالت سحر بعاصيري وهي كاتبة عمود في صحيفة "النهار" اللبنانية ان تصريحات النقيب تقر حقيقة واقعة.
وكتبت تقول انه مما يؤسف له انه في ظل الانقسامات الطائفية والعرقية الحادة في العراق اليوم يبدو ان موقف وزير الداخلية يمثل توطئة وليس تحذيرا.
واضافت ان ذلك يمثل مجرد بداية لتوجيه اللوم لهذا الجانب او ذاك فيما يراه كثيرون حربا اهلية فعلية لن تمثل الانتخابات سوى نقطة البداية الفعلية لها.
وقال عدنان أبو عودة وهو معلق سياسي عربي ومستشار سابق في الديوان الملكي الاردني ان الولايات المتحدة مهدت السبيل لاندلاع حرب اهلية في العراق في اعقاب غزوها العراق في آذار /مارس عام 2003.
وقال ابو عودة لـ"رويترز" انه منذ البداية اختار الاميركيون التعامل مع كبار مسؤولي الكيانات ممن يمثلون العشائر والطوائف والجماعات العرقية.
واضاف ان التكامل القومي قد طغت عليه الكيانات الطائفية والعشائرية والعرقية. ومضى يقول ان مفهوم "لبننة" العراق قد بات شائعا وكثر الحديث عنه مما جعله اكثر قابلية للحدوث.
وحذر ابو عودة بقوله انه على خلاف ما حدث في لبنان عندما تمكنت الحكومة المركزية الضعيفة من التعافي من اثار الحرب التي دارت رحاها بين عامي 1975 و1990 فان الصراع الطائفي في العراق سيقصم ظهر البلاد التي كانت بها حكومة مركزية قوية ابان عهد صدام.
ومضى يقول ان تقسيم العراق سيصبح حلا لوقف الحرب الاهلية وحقنا للدماء.
وتمسكت الطائفة الشيعية في العراق بزعامة المرجع الشيعي اية الله على السيستاني بضرورة اجراء الانتخابات في موعدها متحينا فرصة حكم العراق من خلال صناديق الاقتراع بعد عقود من الاضطهاد.
وجعل هذا ساسة الشيعة ومسؤوليها ورجال الدين بها اهدافا لهجمات من قبل متشددين من السنة. ويقول السيستاني لاتباعه انه يتعين عليهم عدم الاخذ بالثأر عن اعمال قتل طائفية.
ومنح ذلك قدرا من الامل للمعلق السياسي العراقي احمد الركابي الذي يتخذ من بغداد مقرا له بان صار من الممكن تفادي اندلاع حرب اهلية.
وقال الركابي انه لا يوجد مستحيل مشيرا الى ان هذا التنوع الذي يشهده العراق ليس جديدا. وقال انه لم تقع صدامات بين انصار الطوائف المختلفة بعكس ما حدث في لبنان الذي شهد عدة حروب اهلية على مر القرون.
وقال الركابي ان الصراعات الداخلية في العراق كانت السلطة أحد اطرافها وليس ابناء الطوائف او الاقليات العرقية المختلفة مشيرا الى ان المشكلة الكردية الطويلة الامد جعلت الاكراد يختصمون الحكومة المركزية وليس اخوانهم من العرب داخل العراق.
وقال ان الزعماء العراقيين من جميع الطوائف حالوا ايضا دون وقع الازمة اذ اوضح السيستاني انه ضد العشائر الشيعية التي تلجأ الى القصاص كما التزم رجال الدين السنة الحكمة ايضا.
واضاف الركابي ان العراقيين شديدي المراس الا ان قراءة تاريخ البلد امر جوهري. وقال ان استعراض التاريخ لا يظهر اي نزوع للحروب الاهلية.
هل يصبح العراق دمية في يد ايران؟
من ناحية اخرى، يصر العديد من رجال الدين الشيعة العراقيين في مدرسة الامام الهادي الذين نجوا من الإعدام بهروبهم الى ايران على ان تولي حكومة بقيادة الشيعة مقاليد الأمور في بغداد لن يعني انها ستكون مدينة بأي فضل لايران.
وتكهنت وسائل اعلام سنية عربية واميركية بخوف من ان تصب انتخابات 30 كانون الثاني /يناير في مصلحة ايران الشيعية التي نشأ بها المرجع الشيعي الأعلى بالعراق آية الله علي السيستاني والسياسي الشيعي عبد العزيز الحكيم.
لكن رجال الدين الشيعة العراقيين الذين تجمعوا حول مدفأة في أعظم مدرسة دينية بايران في قُم وبعضهم نجا من الإدراج على القوائم السوداء الأمريكية والإعدام في ظل حكم صدام حسين أبدوا غضبهم من تلميحات بأنهم سيكونون دُمى في أيدي طهران.
وقال على التميمي (25 عاما) ملوحا باصبعه "لماذا يعتقد الناس ان الشيعة في العراق ليس لهم عقل؟".
واتفقت معظم المجموعة على ان هناك فرصة لعلاقات أكثر دفئا بين الجارين اللذين يغلب عليهما الشيعة إلا انهم قالوا ان هذا أمر طبيعي بعد عقود من قمع شيعة العراق.
وقال حيدر طه النجفي قريب عبد العزيز الحكيم انه "سيكون بامكان الشيعة التعاون بشكل أفضل مع الشيعة إلا ان كل دولة مستقلة بذاتها".
واضاف النجفي ان المدارس الشيعية بالعراق التابعة للمعهد الديني في مدينة النجف لها منظور مختلف عن ايران بشأن المشاركة المباشرة لرجال الدين في السياسة.
ومضى يقول ان "رجال الدين في العراق سيقدمون المشورة إلا انهم لا يؤمنون بحكم .. الفقه والشريعة".
وحكم الفقه والشريعة هو نظرية آية الله روح الله الخميني التي أثمرت الثورة الاسلامية في ايران عام 1979 وتقضي انه بامكان رجال الدين الإشراف بشكل مباشر على السياسة.
واتهم مسؤولون أمريكيون وعراقيون ايران بمساندة انتفاضة الشيعة من أنصار مقتدى الصدر في العام الماضي إلا ان دبلوماسيا غربيا بارزا قال ان طهران سارعت بالحد من مساعداتها لرجل الدين بعد تأكد مساندتها له.
واتفق محللون على ان الكثير من المخاوف بشأن فرض ايران نفوذها على بغداد من خلال علاقات الشيعة هي مخاوف مبالغ فيها.
وقال على الأنصاري خبير الشؤون الايرانية في جامعة سان اندروز باسكتلندا "أعتقد ان بعضا من هذا الحديث بشأن كون الشيعة طابورا خامسا للفرس هو ترويج لخوف مرضي من ايران".
وأشار الى علاقات ايران مع حزب الله في لبنان التي ينظر اليها باعتبارها نموذجا رئيسيا لتدخل الجمهورية الاسلامية في الشؤون الخارجية دافعا بان تسلسل القيادة من طهران لزعماء الجماعة ليس مباشرا كما يجري التأكيد في أحيان كثيرة.
وقال محلل مقره طهران ان المخاوف العربية من إقامة ايران جمهورية اسلامية في العراق لا أساس لها لان مثل هذا النظام سيشكل تحديا للسيادة السياسية لزعيمها الأعلى.
وهون المحللان من التكهن بان النجف مدينة العلوم الدينية الرئيسية في العراق بمبدأها القائم على الفصل بين الدين والدولة يمكن ان تسترد فورا سلطتها التقليدية من المركز العلمي الديني الايراني في قُم جنوب طهران.
وضخت ايران أموالا الى قُم التي تفخر بمكتباتها الضخمة والمنح الدراسية السخية التي تقدمها وتجهيزات الإعاشة في حذو لأسلوب جامعتي اوكسفورد وكامبريدج.
وقال النجفي ان "النجف لا يمكن ان تزدهر بين عشية وضحاها وسيستغرق الأمر خمس أو ست سنوات قبل عودة الاستقرار."
وبالنسبة لكثير من الشيعة العراقيين فان الهوية العربية القومية تتفوق على الأخوة الدينية مع ايران خصوصا بعد حرب 1980 - 1988 التي لم تلتئم جراحها العميقة بعد.
وقال محمد صالحي وهو مدير معهد ديني في قم وهو نفسه محارب قديم أُصيب باعاقة في هجوم بالغاز "الكثير من العراقيين ليست لديهم ذكريات جيدة بشأن ايران".
ودعا الزعماء الايرانيون جميعا الى انتخابات حرة في العراق.
وقال الزعيم الايراني الأعلى آية الله على خامنئي الشهر الماضي ان "الشعب العراقي يريد ان يختار مصيره رغم تغطرس الامبرياليين... وهذا ليس ما يريده المحتلون" مضيفا ان القوات الامريكية تحاول تعطيل الانتخابات.
وقال محللون ان ايران ستكون سعيدة بأن يبسط الشيعة سلطتهم في العراق إلا انها تدرك ان التدخل الزائد في العراق سيجعل طهران كبش فداء تحمله واشنطن مسؤولية العنف هناك.
وقال المحلل السياسي الذي يقيم في طهران "حلمهم هو نشر المذهب الشيعي وصوت أقوى للشيعة هو نصر كاف".
لكن سيكون لهذا مزايا عملية.
وقال أمين نقدي وهو رجل دين في الفايزيه أرفع المدارس الدينية في قُم وأنشطها سياسيا "بالطبع عندما يكون نظامان متقاربين أيديولوجيا فان هذا يمكن ان يكون مفيدا".
ورسم حسين كاظمبور اردبيلي عضو مجلس محافظي منظمة البلدان المصدرة للبترول أوبك خططا طموحة لمشاركة حقول النفط الحدودية الا انه قال ان واشنطن تقف حائلا حتى الآن دون هذه الاقتراحات.
وبدأت التجارة غير النفطية الوليدة في التدفق عبر شط العرب.