فيما تولي اسرائيل وجهها في قلق شطر الغرب أملا في الحصول على دعم الولايات المتحدة في أي صراع مع ايران فإنها قد تحسن صنيعا اذا اتجهت ببصرها شمالا ووضعت في اعتبارها علاقاتها مع اوروبا أيضا.
وعلى مدى السنوات الأربع الماضية زادت الخلافات بين الاتحاد الأوروبي واسرائيل اذ لم تفوت بروكسل أي فرصة لانتقاد حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بسبب البناء الاستيطاني على اراض يريدها الفلسطينيون لإقامة دولتهم عليها وبسبب تقييد الدخول الى أجزاء كبيرة من الضفة الغربية.
وفي تصريحات متوالية منذ يونيو حزيران 2009 بعد تولي نتنياهو رئاسة الوزراء وبدء التوسع في النشاط الاستيطاني زاد وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي من حدة لهجتم باضطراد وهو ما أدى الى نشر مجموعة من القواعد الجديدة في يوليو تموز عن كيفية توزيع تمويل الاتحاد على المنظمات الإسرائيلية.
وتمثل التوجيهات الإرشادية التي تحظر تخصيص أموال لمعاهد بحثية اسرائيلية وكيانات أخرى لها عمليات في الضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية مصدر ضيق كبير لإسرائيل.
ترى أوروبا أنها تضع على الورق موقفا تتبناه منذ فترة طويلة وهو أن احتلال الأراضي الفلسطينية غير قانوني بموجب القانون الدولي وأن حكومات الاتحاد الأوروبي لا تريد تمويل أنشطة هناك.
وعلى اي الاحوال زاد هذا من توتر العلاقات لتمر بواحدة من أسوأ الفترات التي يستطيع الدبلوماسيون تذكرها على مدى السنوات العشر الماضية وقد يزداد الوضع سوءا.
ويقول ماتيا تولدو المتخصص في شؤون اسرائيل والشرق الأوسط بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية "العلاقات تتجه الى التراجع باضطراد لكنها ربما ليست بالسوء الذي تصوره وسائل الإعلام الإسرائيلية."
وأضاف "التوجيهات الإرشادية جزء من اتجاه سياسي كان ضمن سياسة الاتحاد الأوروبي منذ السبعينات لكنه أصبح اكثر وضوحا منذ عام 2009 وزاد منذ ديسمبر الماضي."
وعلى الرغم من ان اسرائيل تعتبر الاتحاد الأوروبي الذي يقدم اكثر من 450 مليون يورو سنويا للفلسطينيين حليفا أصغر كثيرا من الولايات المتحدة فإن له أهمية كبيرة خاصة على صعيد التجارة والاستثمار.
والاتحاد الأوروبي أكبر شريك تجاري لإسرائيل ويوفر نحو 35 في المئة من وارداتها بينما تمثل الصادرات الى الاتحاد ربع الصادرات الإسرائيلية.
وفي عام 2000 قدم الاتحاد شروطا تجارية تفضيلية لاسرائيل خاصة في قطاعي السلع الزراعية والصناعية كما زاد التعاون في مجال البحث العلمي والتكنولوجيا وهو مجال تنطبق عليه التوجيهات الإرشادية.
وسينفق الاتحاد اعتبارا من العام القادم وحتى نهاية العقد 70 مليار يورو - اي عشرة مليارات في العام - على البحث العلمي والتنمية وهو برنامج يحمل اسم (هورايزون 2020).
واسرائيل هي الدولة الوحيدة من خارج الاتحاد التي دعيت للمشاركة وستسهم بتمويل قدره نحو 600 مليون يورو. في المقابل يحصل أفضل العلماء والباحثين الإسرائيليين على جانب من التمويل الأوسع متوقعين أن يوفر لهم موارد مالية اكبر من التي توفرها الدولة.
وهنا تكمن المشكلة. فتوجيهات الاتحاد الأوروبي تمنع تخصيص اي أموال لكيانات في الضفة الغربية والقدس الشرقية على الرغم من أن اسرائيل تقدم جزءا من التمويل.
وقال نائب وزير الخارجية زئيف ايلكين لرويترز الشهر الماضي "لا يمكن أن نوقع على برنامج هورايزون 2020 كما هو... هذا سيجبرنا على التمييز ضد مؤسساتنا."
وحين نشرت التوجيهات الإرشادية في يوليو تموز كالت اسرائيل الاتهامات للاتحاد الأوروبي بشأن مسألة أطلاعها على خططه. ولمح بعض المسؤولين الاسرائيليين الى أن الاتحاد كان أقل شفافية.
وتظهر سجلات أن الاتحاد أبلغ اسرائيل خمس مرات قبل نشر الارشادات على الرغم من أنه لم يكن لها رأي في صياغة اللغة التي استخدمتها المفوضية الأوروبية.
ومنذ ذلك الحين اجتمع مسؤولون كبار في بروكسل والقدس لمحاولة التوصل الى سبيل لتفسير التوجيهات بطريقة يقبلها الجانبان. ولم يتم إحراز تقدم يذكر حتى الآن. ومن المقرر عقد اجتماع آخر قبل نهاية الشهر لمحاولة إبرام اتفاق قبل أن يحين موعد بدء برنامج هورايزون 2020 كما هو مقرر في الأول من يناير كانون الثاني 2014.
وبينما يأمل مسؤولو الاتحاد الأوروبي والمسؤولون الإسرائيليون في إمكانية التوصل الى تسوية في الوقت المناسب فإن آخرين تساورهم شكوك. ويتوقع تولدو من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية ان يبدأ برنامج هورايزون 2020 بدون اسرائيل على أن يظل الباب مفتوحا امامها لتنضم له في مرحلة ما في السنوات القادمة.
وسيمثل هذا مزيدا من التراجع في العلاقات لكنه كسر قابل للإصلاح. ورغم ذلك يعد الاتحاد مجموعة أخرى من المقترحات تتصل هذه المرة ببطاقات التعريف التي توضع على سلع تنتجها اسرائيل في مصانع او مزارع بالضفة الغربية ويرجح أن تكون اكثر حساسية بالنسبة لها وأن تؤثر سلبا على العلاقات.
ولدى سؤاله عن موعد نشر القواعد الخاصة ببطاقات التعريف قال مسؤول كبير بالاتحاد "هذه مناقشات تستغرق وقتا. لاتزال جارية وهي حساسة لهذا أعتقد أنه يجب أن يتوقع المرء أنها قد تستغرق مزيدا من الوقت."
واستطاع الاتحاد واسرائيل دوما فيما مضى التغلب على الخلافات. ومن المرجح أن يحدث هذا الآن فمن غير المتوقع انهيار العلاقات الدبلوماسية.
لكن الاتحاد الذي يريد أن تغير اسرائيل سياستها المتصلة بالنشاط الاستيطاني وتخفف القيود في الضفة الغربية خاصة المنطقة (جيم) التي تمثل 60 في المئة من الأراضي وتخضع لسيطرة قوات الأمن الاسرائيلية لا يميل فيما يبدو لتغيير نهجه. وهو يعتقد أن الضغط يؤتي ثماره.
ويعترف تولدو بأن نهج الاتحاد الأوروبي له أثر سواء كان بقصد او بدون فهو على سبيل المثال يساعد في إعادة الاسرائيليين والفلسطينيين الى المفاوضات. لكنه يحذر في الوقت نفسه من اعتبار هذا الأسلوب سياسة عملية.
وأضاف "لنسير خطوة بخطوة. من الممكن أن تتوتر العلاقات بين الاتحاد الأوروبي واسرائيل كثيرا وبسرعة شديدة" مشيرا الى أن اوروبا مهمة لإسرائيل والعكس صحيح أيضا.