ثغرات تقنية تضاعف فرص تزوير الانتخابات العراقية

منشور 23 نيسان / أبريل 2018 - 03:22
الديمقراطية في العراق أن تنتخب من تشاء ليفوز من يشاء المتنفذون
الديمقراطية في العراق أن تنتخب من تشاء ليفوز من يشاء المتنفذون

تحاصر عدّةُ أطراف متنافسة في الانتخابات العراقية العامة المقررة للثاني عشر من شهر مايو القادم، المفوضية المشرفة على إجرائها بالأسئلة والمخاوف والشكوك من احتمالات التزوير والتلاعب بالنتائج. لكن الأخيرة تؤكد سير الأمور على ما يرام.

ويقول ممثلو أحزاب وخبراء في مجال تنظيم الانتخابات إن نظام الانتخاب نصف الإلكتروني الذي أقرّته المفوضية، مليء بالثغرات وربما يسمح بإحداث تأثيرات واسعة على النتائج العامة. غير أنّ الكثير من العراقيين لا يحصرون عملية التزوير في الجانب التقني، بل يرون الظاهرة سمة لصيقة بالعملية السياسية وبطبيعة الأطراف المشاركة فيها.

ويقول ناشط سياسي عراقي إنّه “لا فرق بين أن تجري عمليات عدّ الأصوات إلكترونيا أو يدويا. فشبح التزوير يطارد الانتخابات، مثلما فعل شبح الفساد مرتين؛ مرة من خلال شراء أجهزة عدّ هي ليست بالكفاءة المطلوبة وبأسعار ليست أسعارها الحقيقية، ومرة أخرى حين تم تعيين أكثر من ألف موظف تحسبا لتعطل تلك الأجهزة، الذي يتوقع الكثيرون بسبب عدم الثقة بمفوضية الانتخابات أنه يقع بفعل فاعل إذا لم تكن النتائج منسجمة مع ما ترغب فيه الأحزاب والكتل السياسية المسيطرة على تلك المفوضية، وبالأخص كتلة دولة القانون التي يتزعمها نوري المالكي”.

ويضيف الناشط ذاته أنّ “إفشال عمل أجهزة العدّ الإلكتروني سيكون مجرّد جزء مكمّل لعمليات التزوير التي بدأت بالفعل من خلال شراء البطاقات الانتخابية وأصوات الناخبين. لذلك سيكون تعطيل الأجهزة بمثابة الإجراء الاحتياطي الذي سيتم اللجوء إليه وبالأخص أن تلك الأجهزة قد تم تجريبها في أماكن أخرى من العالم وأثبتت عدم كفاءتها”.

ويختم الناشط تعليقه “لقد تمّ إهدار الكثير من الأموال من أجل أن تبدو تلك الانتخابات نزيهة، لكنّ النتيجة أن الأموال أهدرت من أجل خلط الأوراق لتمرير عمليات التزوير”. وفي محاولتها درء هذه المخاوف، أجرت مفوضية الانتخابات نهاية الأسبوع الماضي محاكاة لعملية التصويت جربت خلالها نحو 100 جهاز من بين 60 ألفا ستستخدم في العملية الانتخابية.

وبينما أظهرت عملية المحاكاة فشل عمل نحو 2‎ بالمئة من الأجهزة، أكدت أن الشركة الكورية الجنوبية المصنّعة لها لن تستطيع احتواء الأعطال في بيئة مشابهة، ما يشير إلى أن الأجهزة التي ستتوقف في يوم الانتخابات لا يمكن إصلاحها في مواقعها.

ويقول خبير انتخابي عراقي شارك في عملية المحاكاة إن “الصدفة وحدها هي من أدّت إلى أن تكون نسبة الأجهزة التي توقفت خلال التجربة 2‎ بالمئة‎، إذ يمكن أن ترتفع كثيرا”. ويضيف في حديث لـ”العرب” أن “فحص 100 جهاز لا يعني سلامة 60 ألف جهاز”، مشيرا إلى أن “معظم الأجهزة التي اشترتها المفوضية ووزعتها في مختلف أرجاء العراق لم تخضع للفحص، ويمكن أن يتوقف أيّ منها”.

وأبلغت مصادر من داخل مفوضية الانتخابات “العرب”، بوضع خطط بديلة، لمواجهة عطل جزئي أو واسع في النظام الانتخابي. وحتى الآن انتدبت المفوضية نحو 1000 موظف عراقي لتدريبهم على عملية عدّ الأصوات وفرزها يدويا، ما يؤكد انعدام الثقة بنظام الانتخابات نصف الإلكتروني.

وكانت مفوضية الانتخابات التي يسيطر ممثل لزعيم ائتلاف دولة القانون رئيس الوزراء السابق نوري المالكي على أبرز موقع تنفيذي فيها، قد حاولت تهدئة مخاوف الأحزاب السياسية من نظام العدّ والفرز اليدوي الذي يؤخر إعلان النتائج لشهور ويسمح للموظفين بتزويرها، وعمدت إلى شراء أجهزة تقوم بهذه العملية إلكترونيا، ما يضمن إعلان نتائج أولية بعد ساعات من إغلاق صناديق الاقتراع ويحدّ من تأثير العنصر البشري على النتائج.

لكن تحريات صحافية، سلّطت الضوء على غموض يشوب عملية تعاقد المفوضية مع شركات كورية وإسبانية على توريد هذه الأجهزة التي ثبت أنها تعرضت للاختراق عندما اعتمدت في الانتخابات الرئاسية في قرغيستان عام 2015.

وفضلا عن أن هذه الأجهزة، بيعت للعراق بنحو ضعف ثمنها فإنها تعتمد في التشغيل على تغذيتها من قبل المسؤول عنها بالمعلومات اللاّزمة عن طريق وسائط خارجية مثل الفلاش ميموري، ما يعني سهولة إدخال أي فايروسات لها أو تغذيتها بنتائج جاهزة تخدم طرفا معيّنا.

وتتناقل أوساط سياسية وإعلامية أنباء عن قيام أحزاب عراقية باستيراد وصلات ذاكرة تتطابق في مواصفاتها مع تلك التي تقبلها أجهزة العدّ الإلكتروني التي ستستخدم في الانتخابات. وتشير الأنباء إلى إمكانية استخدام موظفين متواطئين في تمرير الوصلات الجديدة إلى أجهزة العدّ بعد تزويدها بالنتائج التي تخدم تلك الأحزاب.

ويؤكد مختصون أن مثل هذه الحالات ستكون ممكنة على نطاق أوسع في المناطق التي لا تصل إليها الجهات الرقابية المحلية والدولية. وشاع في الانتخابات العراقية السابقة أن يأتي التزوير من الأطراف والمناطق النائية، لأن المراقبة عادة ما تكون شديدة في مراكز المدن.

ولا تنتهي مخاوف الأحزاب من تزوير الانتخابات عند هذا الحدّ، بل تمتد لتشمل فرص اختراق الوسط الناقل الذي سيحوّل النتائج عبر الأقمار الصناعية من المحطات الفرعية والمحافظات إلى مقرّ المفوضية العام في بغداد. ويقول الخبراء وممثلو أحزاب إن أجزاء من منظومة عمليات النقل عبر الإنترنت ليست مشفرة، ما يسمح للهاكرز باختراقها والتلاعب بالنتائج.

وتكشف مصادر “العرب” في بغداد، أن المفوضية تدرس فعليا التخلي عن نظام الانتخابات نصف الإلكتروني، الذي كلف العراق نحو نصف مليار دولار بسبب اتساع نطاق المخاوف المتعلقة به، ولكنها لن تعلن عن مثل هذا القرار قبل موعد الاقتراع العام منعا لإثارة الجدل أو التأثير على نسب مشاركة العراقيين التي يتوقع أن تكون متدنية أصلا بسبب حالة اليأس من التغيير في ظل العملية السياسية القائمة.

مواضيع ممكن أن تعجبك