ثلث المستوطنين مستعدون للرحيل عن الضفة

تاريخ النشر: 28 يوليو 2009 - 04:17 GMT

تقول صحيفة "انترناشونال هيرالد تربيون" الاميركية ان مستوطنة "موديعين عيليت" سريعة النمو تبدو عن بعد على انها تضم كل ما تريد ادارة الرئيس الاميركي باراك اوباما معالجته من خلال مطالبها بتجميد البناء الاستيطاني.

فهي تقوم على ارض احتلتها اسرائيل نتيجة حرب 1967، ويقيم فيها 45 ألفا من المستعمرين ويبلغ عدد مواليدها 60 كل اسبوع، فهي اكبر الجاليات اليهودية في الضفة الغربية واسرعها نموا.

وتضيف الصحيفة انه اذا كان "النمو الطبيعي" للمستوطنين الاسرائيليين يعوق، كما يسود الاعتقاد، قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة فان هذه الجالية لا بد ان تكون مثالا.

الا ان المظاهر خداعة، كما تقول الصحيفة الاميركية. فمستوطنة "موديعين عيليت" ومثيلتها مستوطنة "بيتارعيليت"، تعيش فيهما كليا جالية من اليهود المتدينين، وتعرضان احتمالات مفاجئة للتفاهم.

وخلافا للمستوطنين الذين يعتقدون انهم يواصلون مهمة الصهيونية التاريخية باستعادة الوطن اليهودي، فان معظم المتدينين لا يعتبرون انفسهم مستوطنين اوصهيونيين كما انهم لا يتمسكون ببقائهم في الضفة الغربية. وهكذا فان معيشتهم في هذه المدن الاستيطانية التي تقع داخل حدود ما قبل حرب 1967 يمكن نقلها غربا الى داخل اسرائيل.

ويعني موقعهم ان بالامكان خلال التفاوض حول الدولة الفلسطينية المستقبلية اعادة رسم الحدود بحيث تدخل المستوطنات ضمن اراضي اسرائيل، وبالنتيجة لا يخسر الفلسطينيون الا القليل من الارض. ويمثل النمو في هاتين المدينتين نصف النمو الكلي للمستوطنين، فاذا أخرجوا من المعادلة، فان اكبر عقبة استيطانية يمكن ان تصبح قابلة للتعامل معها من حيث النسبية.

ويقول رئيس بلدية موديعين عيليت ياكوف غوترمان (40 سنة) "لو انه خطر ببالي ان هذه مستوطنة، ما كنت قدمت اليها البتة". وفي رده على احتمالات قيام دولة فلسطينية ذات يوم فوق اراضي مدينته قال "سنلتزم بما يقرره العالم. لقد مررنا بالمحرقة ونعرف معنى ان يكون العالم ضدنا. وقد جاء في التوراة انه لا بد للانسان ان يعرف مكانه".

وسواء كان غوترمان لين العريكة ام لا فان مفاوضي سلام الشرق الاوسط من اسرائيليين وفلسطينيين واميركيين اشاروا منذ زمن الى تعديلات بسيطة للحدود وتبادل الاراضي من اجل التوصل الى اتفاق يشتمل على حقوق مائة الف يهودي استوطنوا الضفة الغربية خلال العقود الاربعة الماضية.

وكثيرا ما يعرب السكان المتدينون من اليهود عن بغضهم للحركة الاستيطانية وتبريراتها بعدم الانتقال. وجاء هؤلاء القوم الذين ينأون بانفسهم عن معظم مناحي الحداثة الى هنا، لثلاثة اسباب: الحاجة الى مساكن لا تتوفر لهم داخل او حول القدس او تل ابيب، ورفض اقامتهم داخل المدن الاسرائيلية الاخرى باعتبار انهم يمثلون طائفة معينة، ورغبة المسؤولين في وجودهم لتوسيع الحدود الضيقة لاسرائيل.

وتتحجج بهم الاطراف الاخرى في اسرائيل. فحركة الاستيطان والحكومة الاسرائيلية يشيران الى مستوطنات المتدينين بالاعداد الكثيرة لسكانها وبعائلاتها التي يتزايد عددها باستمرار، للمحاججة بانه لا يمكن وقف "النمو الطبيعي" دون حصول معاناة انسانية حادة.

وقد اشار درور اتكيس من مستوطنة يش دين، وهو من المجموعة المناوئة للاستيطان، الى ان نصف اعمال الانشاءات كلها في مستوطنات الضفة الغربية تجرى في هاتين المدينتين التي يعيش فيها المتدينيون، واضاف انه على ضوء موقعهم قرب الحدود فان من المحتمل ان يصبحوا في اسرائيل خلال اتفاق مستقبلي عن طريق اعادة رسم الحدود.

واعرب عن قناعته بانه يجب الا يستمر البناء في هاتين المدينتين من دون التوصل الى اتفاق بشأن الدولة الفلسطينية، وقال "لقد تم الاستيلاء على الارض من الفلسطينيين، وفي بعض الحالات من مالكيها لبناء هاتين المستوطنتين. كما ان هناك قضايا كثيرة اخرى يجب التعامل معها مثل تدفق المجاري الى القرى الفلسطينية".

اما على الجانب الفلسطيني فان وجود المستوطنين عبر السياج في قرية بلعين الفلسطينية التي اصبحت رمزا للمقاومة الفلسطينية ضد حواجز الفصل الاسرائيلية بالضفة الغربية، ينظر اليه نظرة مختلفة عن اليهود مثلا في الخليل.

ويشير عبد الله أبو رحمه وهو استاذ من اسرة مزارعين ومن النشطاء البارزين في القرية، الى المباني المرتفعة على مرمى النظر عبر الوادي من نافذة غرفته ويقول "يقولون لنا انهم فقراء وان الشقق هنا ارخص من غيرها في اماكن اخرى ولم نكن ندري انها مستوطنة. وقال لنا كثيرون اعطونا اموالنا وسنغادر المكان".

وتضامن الفلسطينيون الذين يتظاهرون اسبوعيا ضد الجدار الحاجز مع بعض المستوطنين. وقبل عامين حصلت بلعين على قرار رئيسي لصالحها ن المحكمة العليا الاسرائيلية اضطر القائمون على بناء الجدار الى تغيير مساره. وقال ابو رحمه ان بعض الوثائق التي قدمتها القرية الفائزة الى المحكمة وصلت الى ايديهم سرا عن طريق المستوطنين المتدينين الذين يعارضون قادتهم المحلييين.

ومع ذلك فان الامر لم يقلل من الضرر الذي يلحق بالقرويين نتيجة وجود موديعين عيليت والتنافس على ارضها. ويقول ابو رحمه انه سيحترم اي اتفاق يتم التوصل اليه بين القيادة الفلسطينية واسرائيل، بما فيها دخول موديعين عيليت ضمن حدود اسرائيل. غير انه بالنظر الى اعتماد القرية على الزراعة واحتياجاتها للسكن، فان المستوطنة تعتدي على اراضي بلعين. ويشدد ابو رحمه وهو يقول "نريد ارضنا".

على ان حماية المستوطنات من الهجمات ظلت تعني بناء العديد من الحواجز ونقاط التفتيش والطرق الالتفافية التي تعطل التنمية الاقتصادية وتؤخر مسيرة الحياة اليومية.

واذا استثنينا القدس، فان في الضفة الغربية حوالي 300 ألف مستوطن يقيمون في العشرات من المستوطنات بين 2.3 مليون فلسطيني. وفي الوقت الذي يقول فيه البعض انهم سيقاتلون من اجل البقاء في اماكنهم، فان المتدينين المترددين – ويطلق عليهم في اسرائيل الهريديم، وهي كلمة عبرية تعني الخائفين، أو الذين يرتعدون من خشية الله - يمثلون ثلث هؤلاء المستوطنين.

وهم يؤمنون أن من المهم العيش في ارض اسرائيل لان بعض الوصايا لا يمكن اداؤها الا هنا. غير ان بعض الهريديم يرفضون بقوة قيام دولة يهودية قبل عودة المسيح، بينما يبدو اخرون بين هذا وذاك.

وكان الحاخام اليعازر شاس الزعيم الروحي للهريديم من اصول اوروبية يعارض حتى وفاته العام 2001 بناء مستوطنات يهودية فيما وراءء خط 1967 داخل المناطق المحتلة وقد وصفها بانها "محاولة وقحة لاستفزاز المجتمع الدولي" وقال انها تعرض حياة اليهود للمخاطر. بل انه عندما عرض عليه لاول مرة السكن في بيتار عيليت اعتبر ذلك اهانة، حسب ما ذكره رئيس بلدية المستوطنة السابق اسحاق بيندروس.

ويستعيد بيندروس ذلك فيقول "يريد شعبنا ان يعيش بين عائلاته وحاخاماته، وقد ارعبتهم الفكرة". الا انه مع زواج الالاف كل عام، وتكاليف سكن جاليات المتدينين التقليدية وازدحامها، كان لا بد للهريديم من الحصول على مساكن.

وبالنظر لان القليل من المتدينين الرجال يعملون، ولان معدل العائلة لديهم ثمانية اطفال، ولانهم لا يندمجون بسهولة مع الجالية الاوسع، فان عمدة القدس في اواخر الثمانينات تيدي كولاك اراد ان يقلل من عددهم. وقد رفضتهم مدن اخرى. وتفتق ذهن اسحاق ربين الذي كان وزير للدفاع ورئيسا للوزراء، عن فكرة ايجاد مستوطنات كبيرة حول القدس لتمتين قبضة اسرائيل على القدس، وتوصل حينئذ الى تفاهم مع بيتار عيليت في اوائل التسعينات.

ولكن حتى وان بدا المتدينيون اقل التزاما بالايديولوجيات تجاه الضفة الغربية، فانه كلما طال الزمن في معيشتهم هنا، كلما اصابت العدوى البعض منهم.

فرئيس بلدية مُوديعين عيليت غوترمان يطمح الى بناء ما يدعوه "اكبر تجمع سكاني هريدي في اسرائيل". وخلال السنوات الثلاث الماضية اقام مركز اعمال يعتبره موجة المستقبل. وتعمل الان الف امرأة، معظمهن امهات في العشرينات من العمر، في توفير الخدمات الهاتفية لزبائئن بطاقات الائتمان الاسرائيلية والابحاث القانونية لاعمال العقارات في الولايات المتحدة.

اما موضوع التعايش السلمي مع الفلسطينيين فيظل غير مستقر. وفي بيتار عليت يدخل المزارعون قرية هوسان يوميا في سيارات او على الدواب للعمل في حقولهم بالاودية بين التلال التي اقيمت عليها المستوطنات. ويشعر رئيس البلدية الجديد مئير روبنشتاين بالاعتزاز لتعاون سكان مدينته مع الفلسطينيين المحليين الذي يطلق عليهم صفة "الجيران".

ومن بين سكان بيتار عليت ابرهام وريفا غوتمان، وقد وصلا اليها قبل 15 عاما من تورونتو بكندا ولديهما سبعة اطفال، ويطل شارعهما على القرى الفلسطينية. ويؤمنان بقوة بالعيش في ارض اسرائيل، كما يقولان، وانهما سعيدان لوجود منتزهات ومساحات للتنفس لا يوجد مثلها في مناطق الهريديم التقليدية باسرائيل. ويقول غوتمان "لقد جئنا الى هنا ليس لاسباب سياسية. فتسعين في المائة جاءوا الى هنا حيث تتوفر الاحتياجات وليس تنفيذا لنظريات. والهريديم لا يقاتلون العرب".

ويقول غوترمان انه "اذا استطاع الاميركيون اقناعنا انه سيحل السلام، واننا لن نعيش في خوف من الصواريخ، فاننا سنقدم توصياتنا الى حاخاماتنا. فهم يريدون السلام. ولسنا ضد الانسحاب من الاراضي المحتلة. لكن الحياة تبقى فوق كل شيء آخر".